صراع الحقوق الإبداعية: لماذا تتصاعد المطالبات بتفعيل "حق الأداء العلني" في مصر؟
يخيم الجدل مجدداً على أروقة الوسط الفني المصري مع عودة طرح تساؤلات جوهرية حول حقوق الفنانين المالية عند إعادة عرض أعمالهم.
فقد أثار المقترح الأخير الذي قدمه الفنان وعضو مجلس الشيوخ، ياسر جلال، بتفعيل مادة "حق الأداء العلني" الواردة في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية لعام 2002، انقساماً واسعاً بين من يراها ضرورة ملحة لحماية المبدعين، ومن يراها عبئاً إضافياً يثقل كاهل صناعة تعاني أصلاً من تصاعد تكاليف الإنتاج.
ميزان الحقوق المالية
على الرغم من مرور أكثر من عقدين على صدور قانون الملكية الفكرية، فإن بند "حق الأداء العلني" ظل حبيس الأدراج دون تفعيل حقيقي. وفي هذا السياق، يستحضر الناقد الفني محمد عبد الخالق قصة الممثل الراحل عمر الحريري، الذي كان يتساءل بمرارة عن حاله لو تقاضى مقابلاً مادياً عن كل مرة عُرض فيها فيلمه الشهير "سكر هانم".
يوضح الدكتور حسام لطفي، أستاذ الملكية الفكرية، أن هذا الحق يمنح المبدعين عائداً مادياً عند استخدام أعمالهم جماهيرياً، سواء عبر القنوات التقليدية أو المنصات الرقمية، وهو نهج متبع دولياً بموجب اتفاقيات عالمية منذ عام 1886، وتبنته مصر قانونياً منذ عام 2002.
آلية الإنتاج الراهنة
تعتمد صناعة السينما والدراما الحالية على نموذج تجاري يتحمل فيه المنتج كافة أعباء التنفيذ من أجور ومعدات، مقابل بيع حقوق العرض للقنوات والمنصات. ويرى عبد الخالق أن تفعيل "حق الأداء العلني" سيفرض على المشترين الجدد دفع مقابل إضافي لفناني الأداء، تماماً كما يحدث مع مؤلفي وملحني الأغاني عبر جمعية "ساسيرو".
ومع تزايد العوائد التي تحققها المنصات والقنوات من الإعلانات واشتراكات المشاهدين، يبرز السؤال حول مدى عدالة توزيع هذه العوائد على صناع العمل الأصليين.
وجهة نظر المنتجين
في المقابل، تؤكد غرفة صناعة السينما أن العقود المبرمة حالياً تخضع لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، حيث يحصل الفنان على أجره المتفق عليه الذي يشمل تنازله عن الحقوق الأخرى. ويعبر المنتج جمال العدل عن مخاوفه من أن إضافة تكاليف جديدة قد تؤثر سلباً على قيمة الصفقات الإنتاجية، خاصة في ظل رفض المنصات والقنوات دفع هذه المستحقات.
ويرى العدل أن الحل لا يكمن في فرض التكاليف، بل في حوار شامل لإعادة هيكلة العلاقة المالية بين الفنان والمنتج، أو ربما قبول الفنانين بتقليص أجورهم مقابل حصة في عوائد الأداء العلني المستمرة.
مستقبل قطاع الإبداع
بينما يتخوف المنتجون، يصر المدافعون عن القانون، وعلى رأسهم أيمن سلامة، رئيس جمعية مؤلفي الدراما العربية، على أن تجربة الدول المجاورة مثل المغرب وتونس، تؤكد نجاح تطبيق هذا الحق دون الإضرار بالصناعة.
ويؤكد سلامة أن العائد المادي لكل عرض، وإن كان يبدو بسيطاً، إلا أنه يتراكم ليصبح دعماً حيوياً للفنانين في مراحل عمرية متقدمة. ويطمح الكثيرون إلى أن يلعب "الجهاز المصري للملكية الفكرية"، الذي تأسس عام 2023، دوراً محورياً في تنظيم هذه العلاقة المعقدة، لضمان استدامة هذه الصناعة التي تقدر بمليارات الجنيهات، بما يحفظ حقوق المبدعين ويراعي في الوقت ذاته التحديات الاقتصادية للمنتجين.



