تخيل أن صحفيًا يقضي يومًا كاملًا في جمع المعلومات، وإجراء المقابلات، والتحقق من الوثائق والمستندات، ثم يكتب خبرًا أو تحقيقًا صحفيًا، وبعد دقائق من نشره، ينتشر الخبر على جوجل وفيسبوك ويوتيوب، ويشاهده ملايين المستخدمين، فتجني هذه المنصات أرباحًا ضخمة من الإعلانات التي تظهر بجوار المحتوى.
وهنا السؤال الذي يفرض نفسه: من يحصل على هذه الأرباح؟
في أغلب الأحيان، المنصات الرقمية هي الرابح الأكبر، بينما تظل المؤسسات الصحفية، التي أنفقت المال والوقت والجهد لإنتاج المحتوى، تعاني من تراجع الإيرادات وصعوبة تحسين أجور الصحفيين والإعلاميين.
هذه المشكلة لا تخص صحفيي مصر وحدهم، بل كانت محل نقاش عالمي خلال السنوات الأخيرة، ما دفع عدة دول إلى اتخاذ خطوات جريئة لإعادة التوازن بين شركات التكنولوجيا العملاقة والمؤسسات الصحفية.
أستراليا كانت صاحبة التجربة الأبرز، بعدما أصدرت قانونًا يُلزم “جوجل” و"ميتا" بالتفاوض مع المؤسسات الإخبارية ودفع مقابل مالي لاستخدام محتواها. وبعد مفاوضات استمرت أشهر، وقعت الشركات اتفاقيات مع معظم المؤسسات الإعلامية، بموجبها ضخت ملايين الدولارات في قطاع الصحافة، وساعدت في الحفاظ على وظائف الصحفيين ودعم غرف الأخبار.
فرنسا سلكت الطريق نفسه، بعدما أقرت حقًا قانونيًا للصحف ووكالات الأنباء في الحصول على مقابل مادي عند استخدام محتواها على المنصات الرقمية، وأجبرت الشركات على الجلوس إلى مائدة التفاوض مع الناشرين.
أما في كندا، فصدر قانون خاص بالأخبار الإلكترونية، يقوم على مبدأ بسيط: إذا كانت المنصة تحقق أرباحًا من المحتوى الإخباري، فمن الطبيعي أن تشارك في تمويل من ينتج هذا المحتوى.
هذه التجارب تطرح سؤالًا مهمًا: لماذا لا تستفيد مصر من هذه النماذج؟
مصر لديها صحافة عريقة، ومؤسسات إعلامية تنتج آلاف الأخبار والتقارير يوميًا، الجزء الأكبر منها يصل إلى الجمهور عبر محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي؛ لذا فإن من حق هذه المؤسسات أن تحصل على عائد عادل يساعدها على الاستمرار في أداء رسالتها.
ومن هنا، يمكن للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن يقود حوارًا وطنيًا، بالتعاون مع نقابة الصحفيين والهيئة الوطنية للصحافة والوطنية للإعلام والمؤسسات الصحفية، لوضع إطار قانوني ينظم العلاقة مع شركات التكنولوجيا العالمية، بما يحقق العدالة لجميع الأطراف.
ولا يعني ذلك فرض ضرائب جديدة أو الدخول في صدام مع المنصات الرقمية، بل الوصول إلى اتفاقات عادلة، كما حدث في دول عديدة، تضمن حصول المؤسسات الإعلامية المعتمدة من الجهات الرسمية على نسبة من العوائد التي تحققها المنصات بفضل المحتوى الإخباري.
وإذا تحققت هذه الخطوة، فمن الأفضل أن تُوجَّه الأموال إلى صندوق مستقل يخضع للرقابة والشفافية، ويخصص لتحسين أجور الصحفيين والإعلاميين والعاملين بتلك المؤسسات، التي أصبحت أقل الأجور.
فلا يعقل أن راتب مدير التحرير في بعض المؤسسات لم يصل إلى الحد الأدنى للأجور؟!
مستقبل الصحافة لن يعتمد فقط على زيادة التوزيع أو الإعلانات التقليدية، بل على إيجاد مصادر تمويل جديدة تواكب العصر. والعالم سبقنا إلى هذه الفكرة، وأثبت أنها قابلة للتطبيق.
فهل حان الوقت لفتح هذا الملف في مصر؟
ليس دفاعًا عن المؤسسات الصحفية فقط، بل دفاعًا عن حق المجتمع في إعلام مهني قوي، يستطيع أن يؤدي رسالته، ويوفر حياة كريمة لمن يصنعون الخبر كل يوم.



