الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

"الأزهر" يواصل ملتقى التفسير ببحث الإعجاز في حديث القرآن عن السقف المحفوظ

جانب من الملتقى
جانب من الملتقى

واصل الجامع الأزهر، مساء الأحد، فعاليات ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي، تحت عنوان: «مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن السقف المحفوظ»، وذلك بحضور الدكتور مصطفى إبراهيم، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر، والدكتور محمد حسن سبتان، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.

 

وفي كلمته، أوضح الدكتور محمد حسن سبتان أن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ جاء ضمن سياق قرآني متكامل يدعو الإنسان إلى الإيمان بالله من خلال التأمل في آيات الكون، مبينًا أن الآيات تبدأ بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، وهي دعوة للنظر في بديع خلق الله وقدرته، ثم تتتابع الآيات لتستعرض دلائل القدرة الإلهية في الكون، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، في إشارة إلى أن الماء أصل الحياة لجميع المخلوقات، وهو من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده، لذلك علينا التأمل في أسرار هذا العنصر الذي تقوم عليه حياة الإنسان وسائر الكائنات.

 

وأضاف أن الآيات تتتابع بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾، لبيان الحكمة من خلق الجبال ودورها في استقرار الأرض وتهيئتها للحياة، وأنها تحفظ الأرض من الاهتزاز وعدم الاستقرار، كما أن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ يدل على أن الله هيأ في الأرض طرقًا ومسالك يسلكها الناس في معاشهم وأسفارهم، بما يعكس عظيم تدبيره ورحمته بخلقه، كما أن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ يمثل إحدى الآيات الدالة على حفظ الله لهذا الكون بنظام محكم، يحفظ توازنه ويهيئ أسباب استمرار الحياة، وهذا الحفظ من أعظم دلائل القدرة الإلهية التي تستوجب التفكر والإيمان، وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، موضحًا أن انتظام حركة السماء بهذا النظام الدقيق شاهد على إحكام الخلق، وأن هذه الآيات جميعها ترسم للإنسان منهجًا في النظر إلى الكون باعتباره كتابًا مفتوحًا يدل على عظمة الخالق ووحدانيته، ويغرس في النفس اليقين والإيمان.

 

وبين الدكتور محمد حسن سبتان أن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ دليل على أن السماء من أعظم آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته، وأن المفسرين ذكروا عدة معانٍ لوصف السماء بأنها سقف محفوظ. فأولها أن الله سبحانه وتعالى حفظها من أن تقع على الأرض، إذ لو سقطت لأهلكت من عليها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، وثانيها أنها محفوظة من استراق السمع، فقد حفظت بالشهب والنجوم، فلا يستطيع الشياطين بلوغها، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾، وثالثها أنها قائمة بقدرة الله تعالى بغير عمد يراها الناس، وهو ما يعكس كمال قدرته وإحكام خلقه، مؤكدًا أن هذه الآيات تمثل دلائل مشاهدة على عظمة الخالق سبحانه، وأن ما يكشفه العلم الحديث من حقائق عن الكون يزيد المؤمن يقينًا بعظمة هذا الخلق وإحكامه.

 

من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى إبراهيم أن القرآن الكريم استخدم تعبير «السقف المحفوظ» في سياق الحديث عن السماء باعتبارها آية من آيات الله الدالة على إحكام الخلق ودقة النظام الكوني، مشيرًا إلى أن القرآن وصف السماء في مواضع عدة بأنها بناء، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾.

 

كما أشار إلى أبواب السماء في قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، موضحًا أن هذه التعبيرات القرآنية ترسم صورة متكاملة لعظمة هذا البناء وإحكامه، وأن ما توصل إليه العلم الحديث يؤكد اتساع الكون على نحو يفوق التصورات البشرية؛ فبفضل المراصد الفلكية والتلسكوبات الحديثة استطاع العلماء رصد جزء محدود من الكون، بينما تشير التقديرات العلمية إلى أن المادة التي يمكن رصدها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من مكونات الكون، الأمر الذي يكشف أن ما لا يزال مجهولًا يفوق بكثير ما وصل إليه الإنسان من معرفة، وأن هذا الاتساع الهائل يدعو إلى مزيد من التأمل في قدرة الله تعالى، ويبرز أن الاكتشافات العلمية كلما تقدمت كشفت جانبًا جديدًا من عظمة الخلق، دون أن تحيط بجميع أسرار الكون التي استأثر الله سبحانه بعلم كثير منها.

 

وأضاف الدكتور مصطفى إبراهيم أن السقف المحفوظ يمثل نظامًا كونيًا جعله الله سببًا في حماية الأرض واستمرار الحياة عليها، إذ يحفظها من كثير من الأخطار التي قد تهددها، بما أودعه الله في الكون من قوانين وسنن دقيقة تحفظ توازنه، وأن التقدم العلمي كشف جانبًا من صور هذا الحفظ، من خلال ما توصل إليه العلماء بشأن دور الغلاف الجوي في التصدي لكثير من الإشعاعات والجسيمات الكونية الضارة، مؤكدًا أن هذه الاكتشافات تزيد الإنسان إدراكًا لدقة النظام الذي أوجده الله سبحانه، وتدعوه إلى التفكر في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾، مع الإيمان بأن القرآن الكريم كتاب هداية يدعو إلى النظر في آيات الله في الكون والاعتبار بها.

تم نسخ الرابط