فتاوى تحت الطلب.. وآيات مقتطعة
كيف شرعن شيوخ جماعة الإخوان صفقاتهم المشبوهة
من «الحرام» إلى «الواجب».. حين تتغير الفتوى بتغير مصلحة التنظيم
لم تكن الفتوى لدى جماعة الإخوان المحظورة، في كثير من المحطات السياسية، مجرد إجابة عن سؤال ديني أو اجتهاد فقهي مستقل، بل تحولت، بحسب نماذج موثقة من مواقف وفتاوى قيادات محسوبة على الجماعة، إلى أداة لتوجيه الأتباع وتبرير المواقف المتغيرة والمشبوهة لتحقيق مصلحة الجماعة، حتى بدا أن الحكم الشرعي يمكن أن ينتقل من التحريم إلى الإباحة، ومن التجريم إلى الوجوب، وفقًا لموقع الجماعة من الحدث ومصلحتها السياسية.
ففي الوقت الذي تقدم فيه الجماعة نفسها باعتبارها مشروعًا دينيًّا ملتزمًا بالنصوص، تكشف مواقف منشورة وفتاوى موثقة أن بعض اجتهاداتها السياسية لم تكن ثابتة على قاعدة واحدة، بل تغيرت بتغير الظروف والمواقع والتحالفات.
الفتوى السياسية.. نموذج «الحكم المتغير»
تكشف الوثائق والمواقف المنشورة أن أزمة الإخوان مع الفتوى لم تكن في وجود اجتهادات متعددة، وإنما في تحول بعض الاجتهادات إلى مواقف متناقضة جذريًّا بحسب الظرف السياسي.
خلصت دراسة لمرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة إلى أن توظيف الفتوى لخدمة مصلحة الجماعة أصبح، بحسب توصيفها، سمة بارزة في خطاب الجماعة وقياداتها، مستشهدة بتغير الموقف من الانتخابات بين التحريم والوجوب وفقًا للمرحلة السياسية.
وهنا لا يعود السؤال: ما حكم الشرع؟ بل يصبح السؤال: ما الحكم الذي تحتاجه الجماعة الآن؟ ،وهذا التحول يمثل جوهر الأزمة؛ لأن الفتوى، في أصلها، يفترض أن تكون بحثًا عن الحكم في ضوء النصوص والقواعد والمقاصد والواقع، لا بحثًا عن نص يضفي الشرعية على موقف تم اتخاذه مسبقًا.
ويعتمد منهج الإخوان استخدم أسلوب اقتطاع الآيات القرآنية ليتحول النص إلى «غطاء شرعي»، حيث لا تحتاج عملية تسييس الفتوى دائمًا إلى اختلاق نصوص أو تحريف آيات، أحيانًا يكون الخطر في استخدام نص صحيح، ولكن خارج سياقه، فآية عن الطاعة يمكن أن تتحول إلى غطاء للطاعة التنظيمية، ونص عن الضرورة يمكن أن يتحول إلى مبرر للتنازل عن المبادئ، وقاعدة عن المصلحة يمكن أن تستخدم لتبرير تحالفات متناقضة، وحكم شرعي في باب المعاملات يمكن أن يستدعى لتجميل صفقة سياسية أو اقتصادية لا تتوافر فيها شروط الحكم الأصلي
وهنا يصبح الاقتباس من القرآن انتقائيًّا؛ إذ تستدعى الآية التي تخدم الموقف، بينما تهمل بقية النصوص والقواعد الشرعية التي تضبطها وتحدد مجال تطبيقها، فالمشكلة ليست في النص، وإنما في اقتطاع النص من سياقه وتحويله إلى أداة تبرير للتنظيم الإخواني، فالنص الشرعي لا يعمل بمعزل عن سياقه، ولا عن بقية النصوص ذات الصلة، ولا عن شروط تنزيل الحكم على الواقعة، أما اقتطاع آية أو حديث أو قاعدة فقهية من سياقها، ثم استخدامها لإضفاء المشروعية على موقف سياسي أو صفقة أو تحالف، فيحول النص من مرجعية ضابطة إلى أداة توظيف
الرشوة الانتخابية.. المال الحرام يتحول إلى «غنيمة»
ومن أخطر النماذج التي تناولتها دار الإفتاء المصرية حول شرعنة المواقف المشبوهة لتنظيم الإخوان ما نسبته إلى يوسف القرضاوي من فتوى تجيز للناخب أخذ المال مقابل صوته، ثم التظاهر بالوفاء بالوعد، بل والحلف على التصويت لمرشح بعينه، ثم عدم الالتزام بهذا الحلف إذا رأى أن المرشح الآخر هو «الأصلح».
وتناولت دار الإفتاء هذه الفتوى بالنقد والتحليل، مشيرة إلى أن مضمونها يفتح بابًا لتبرير أخذ الرشوة الانتخابية، مع التهرب من الالتزام بالوعد عبر توظيف فكرة «الحلف على معصية».
وهنا تظهر واحدة من أخطر آليات «الفتوى السياسية»، فبدلًا من أن يكون الحكم واضحًا ومباشرًا بان الرشوة الانتخابية حرام ، يعاد بناء المشهد على النحو التالي: خذ المال، ثم لا تلتزم بما وعدت به إذا كان صاحب المال يدعم المرشح الذي تراه غير صالح، وبهذه الطريقة تصبح الرشوة، التي هي في أصلها فساد انتخابي، قابلة للتبرير باعتبارها وسيلة للوصول إلى «النتيجة الصحيحة» من وجهة نظر الجماعة أو من وجهة نظر من يتبنى هذا التأويل.
وهنا يصبح السؤال:هل يملك أحد أن يحول الحرام إلى وسيلة مباحة لمجرد أن المال سيُستخدم ضد الخصم؟، وهل يمكن أن تتحول الرشوة، وهي في أصلها إفساد للإرادة الانتخابية، إلى وسيلة مشروعة لمجرد أن المستفيد منها يرى نفسه صاحب الهدف الصحيح؟
إن الخطر في هذا النوع من الفتاوى لا يقف عند حدود الواقعة الانتخابية، وإنما يتجاوزها إلى تكريس قاعدة خطيرة، مفادها أن الوسيلة المحرمة يمكن تبريرها إذا كانت ستقود، في تقدير الجماعة، إلى نتيجة سياسية تراها صحيحة.
التظاهر.. من وسيلة احتجاج إلى «واجب شرعي»
في سياق آخر، دار جدل واسع داخل التيارات الإسلامية حول مشروعية المظاهرات، وحدودها، والآثار المترتبة عليها لكن في 3 فبراير 2011، نشر موقع «إخوان أون لاين» التابع لتنظيم الإخوان الإرهابي فتوى منسوبة إلى يوسف القرضاوي، اعتبر فيها المشاركة في مظاهرات «جمعة الرحيل» واجبًا شرعيًّا على القادرين، وربطها بضرورة التخلص من الحاكم الذي وصفه بالفرعون.
ثم نشر موقع القرضاوي لاحقًا مادة بعنوان «شرعية المظاهرات السلمية»، دافع فيها عن مشروعية المظاهرات باعتبارها وسيلة للتعبير عن المطالب السياسية، والخطورة في هذه الفتوى هو تحويل التظاهر من وسيلة سياسية إلى واجب ديني ملزم، بحيث يصبح من يرفض الخروج وكأنه يرفض الشرع، بينما يمكن أن يتحول الخروج في ظرف آخر إلى فتنة أو جريمة أو خروج على الجماعة.
وهنا تعود الإشكالية ذاتها:هل تحدد القاعدة الشرعية الموقف السياسي؟ أم أن الموقف السياسي هو الذي يستدعي القاعدة الشرعية التي تناسبه؟
الانتخابات.. من «الشرك» إلى «الواجب» حسب مصلحة الجماعة
من أبرز النماذج التي تكشف استغلال الدين وإصدار «الفتوى حسب المصلحة» لدى تنظيم الإخوان موقف الجماعة وقياداتها من الانتخابات والمشاركة السياسية.
فقد وثقت دار الإفتاء المصرية، في دراسة صادرة عن مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، تناقض مواقف الإخوان وقياداتهم من الانتخابات،
وجاءت فتاوى الانتخابات والاستحقاقات السياسية، بحسب المؤشر العالمي للفتوى بدار الإفتاء ، في المرتبة الثانية من فتاوى الإخوان ضد الدولة المصرية. بنسبة 25%، وأشار المؤشر إلى أن يوسف القرضاوي أصدر خلال السباق الانتخابي عام 2012 فتوى دعا فيها إلى انتخاب محمد مرسي، معتبرًا أن انتخابه يرضي الله، وأن من لا ينتخبه آثم، وبعد عزل مرسي، انتقل الخطاب إلى مرحلة أخرى، حيث صدرت دعوات تستخدم الجانب الديني إلى مساندته باعتباره الرئيس الشرعي للبلاد، وتجاوزت بعض التصريحات حدود التأييد السياسي إلى التحريض على مواجهة المعارضين.
كما أشار المؤشر إلى تصريحات نسبت إلى القرضاوي عام 2013، تضمنت الدعوة إلى قتل من يصر على مواجهة الحاكم، في إشارة إلى محمد مرسي، فضلًا عن وثيقة إخوانية أكدت استمرار ما وصفته بوجوب بيعة مرسي في أعناق المصريين، وهنا تتجلى إحدى صور الفتوى التي تبحث عن الشرعية للموقف السياسي؛ فالانتخابات لم تعد مجرد ممارسة سياسية يختار فيها المواطن مرشحًا، بل تحولت إلى امتحان ديني، وأصبح التصويت لمرشح بعينه مرتبطًا بالثواب والإثم، وبذلك ينتقل الخلاف من مساحة السياسة إلى مساحة العقيدة والشرع، ويتحول المرشح من منافس سياسي إلى «اختيار ديني»، بينما يصبح رفضه أو التصويت لغيره موضع اتهام ديني.
فتاوى اخوانية تفتح باب العقاب خارج القانون
واحتلت الفتاوى التي استهدفت رجال الجيش والشرطة والقضاة لدة جماعة الإخوان، بحسب المؤشر، المرتبة الثالثة بنسبة 20% من فتاوى الإخوان في فترة سقوط الحكم الإخواني، وأشار المؤشر إلى بيان إخواني صدر عام 2013، تضمن اتهامات لعدد من الفئات، من بينهم القضاة والضباط والجنود والمفتون والإعلاميون والسياسيون، واعتبر أن من تثبت مشاركته في ارتكاب جرائم قتل أو انتهاك للأعراض يمكن أن تسري عليه أحكام القاتل، بما يفتح الباب أمام الدعوة إلى القصاص منه.
كما تضمن البيان دعوات إلى تحرير المعتقلين واقتحام السجون، فضلًا عن عبارات اعتبرها المؤشر تحريضًا على قتل الضباط الذين يأتون لاعتقال الأشخاص، وهنا تتجاوز الفتوى حدود الاجتهاد، لتتحول إلى بديل عن مؤسسات العدالة والقانون، فبدلًا من أن يكون الاتهام محل تحقيق، والمحاكمة محل حكم، والعقوبة من اختصاص الدولة والقضاء، تتحول الفتوى إلى أداة لإصدار أحكام عامة بالإدانة، ثم يصبح تنفيذ العقوبة فعلًا مباحًا في نظر من يتبنى هذا الخطاب، وهذه واحدة من أخطر صور تسييس الفتوى؛ إذ يتحول الخصم السياسي إلى «مجرم شرعي»، ويصبح الاعتداء عليه، في الخطاب التحريضي، فعلًا مبررًا دينيًّا.
حين تصبح الجماعة صاحبة قرار الحياة والموت
وجاءت فتاوى الإخوان لإباحة العمليات الانتحارية، بحسب المؤشر العالمي للفتوى ، في المرتبة الرابعة بنسبة 15%، واستشهد المؤشر بفتوى منسوبة إلى يوسف القرضاوي أجاز فيها تنفيذ العمليات الانتحارية في حالات معينة، بشرط أن ترى الجماعة أنها بحاجة إلى هذا النوع من العمليات، وأن تتولى تدبيرها بالطريقة التي تحقق الهدف بأقل الخسائر.
وبغض النظر عن الجدل الفقهي المرتبط بهذه الفتاوى وسياقاتها، فإن أخطر ما تكشفه هذه الصياغة، وفق قراءة المؤشر، هو منح التنظيم سلطة تقدير اللحظة التي يصبح فيها تفجير الشخص لنفسه «مطلوبًا».
وهنا ينتقل القرار من الفرد إلى الجماعة، ومن الحكم الشرعي العام إلى القرار التنظيمي، فالجماعة هي التي تحدد الحاجة، وهي التي تقدر الهدف، وتقرر الوسيلة، وتمنح الفعل غطاءه الشرعي، وبذلك تصبح حياة الفرد نفسها جزءًا من القرار التنظيمي، بينما تتحول الفتوى إلى وسيلة لإقناع الأتباع بأن تنفيذ الأمر التنظيمي يمكن أن يكون طريقًا إلى الشهادة والنجاة.
الإفطار في رمضان.. وتقديم مصلحة التنظيم على العبادة
ومن نماذج لي النصوص والاحكام الشريعة لتحقيق مصلحة التنظيم الإخواني حت ما رصده المؤشر العالمي للفتوى من قيام التنظيم الإخواني بتقديم مصلحة الجماعة على أحد أركان الإسلام، وهو صوم شهر رمضان حي تم رصد فتوى منسوبة إلى الإخواني أكرم كساب، أجاز فيها الإفطار خلال مسيرات ومظاهرات الجماعة لمن يحتاج إلى ذلك باعتبار أن الإفطار يمكن أن يعينه على مواصلة السير.
وتكشف هذه الفتوى، بحسب قراءة المؤشر، عن نموذج آخر لتقديم النشاط التنظيمي على العبادة، بحيث تصبح المشاركة في المسيرة أو التظاهرة مصلحة تستدعي التخفيف من الالتزام بفريضة الصيام. وهنا تتكرر القاعدة ذاتها: قرار تنظيمي أولًا، ثم البحث عن مخرج فقهي يتيح تنفيذه، فتصبح المصلحة التنظيمية هي نقطة البداية، بينما تأتي الفتوى لاحقًا لتوفير الغطاء.
ربط الدين بالسياسة لاستغلال النصوص الدينية
في ذات السياق، يؤكد الخطاب الفكري للإخوان ارتباط الدين بالسياسة، بل إن الموقع الرسمي للجماعة نشر عرضًا لأفكار يوسف القرضاوي يؤكد فيه أن الإسلام، وفق رؤيته، لا يمكن فصله عن السياسة، وأن الإسلام له أحكام وتوجيهات في الحكم والمال والسلم والحرب.
ومن حيث المبدأ، فإن حضور الدين في المجال العام، ووجود اجتهادات فقهية تتناول قضايا الحكم والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، ليس هو محل الإشكال، لكن الخطر يبدأ عندما تنتقل الفتوى من مجال الاجتهاد العلمي إلى وظيفة التبرير السياسي، فحين يصبح الهدف هو الوصول إلى السلطة أو الحفاظ على النفوذ، يمكن أن يعاد تفسير النصوص بما يخدم الغاية المطلوبة، بينما يجري تقديم هذا التفسير للجمهور باعتباره حكمًا دينيًّا نهائيًّا لا يجوز مخالفته.
فتاوى إخوانية بقرار سياسي
وتكشف النماذج التي تم عرضها حول شرعنة جماعة الإخوان لمواقفها أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل الفتوى إلى أداة سياسية، وأن الفتوى التي تبدأ من القرار السياسي، ثم تبحث عن نص يمنحه الشرعية، فإنها تتحول إلى أداة تعبئة وتوجيه، وفي هذه الحالة، لا يصبح النص حاكمًا على السياسة، بل تصبح السياسة هي التي تبحث عن النص المناسب.
ولا يعود السؤال: ماذا يقول الشرع؟ بل أي حكم شرعي نحتاج إليه الآن؟، وهنا يتحول النص إلى غطاء، والفتوى إلى أداة، والمصلحة التنظيمية إلى معيار، ومن «الحرام» إلى «الواجب»، ومن «الشرك» إلى «الفريضة»، ومن «الفتنة» إلى «الجهاد السياسي»، يمكن أن تتغير العناوين، بينما يبقى العامل الثابت هو موقع الجماعة من الحدث ومصلحتها فيه.
وعندما يصبح الحكم الشرعي تابعًا للمصلحة السياسية، فإن الخطر لا يقع على الفتوى وحدها، بل يمتد إلى صورة الدين نفسه؛ لأن الجمهور لا يعود قادرًا على التمييز بين الاجتهاد الفقهي المستقل، والقرار السياسي الذي جرى البحث له عن غطاء ديني.



