تقنية الفيديو كانت يجب أن تُنهي الجدل.. فلماذا لم تفعل؟
قبل عقد من الزمن، كانت الكرة العالمية تعوّل على تقنية الفيديو المساعد (VAR) كحل نهائي لأخطاء التحكيم البشرية. لكن ما جرى في مباراة مصر والأرجنتين بدور الـ16 من كأس العالم 2026 يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل أصبحت هذه التقنية نفسها مصدراً جديداً للجدل بدل أن تكون حلاً له؟
الحادثة التي أعادت فتح النقاش
خسر المنتخب المصري أمام الأرجنتين 3-2، بعد إلغاء هدف لمصطفى زيكو عقب مراجعة الفيديو، ومطالبات لم تُحتسب باحتساب ركلتي جزاء لصالح الفريق المصري. الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسيير وجد نفسه في مركز عاصفة غاضبة، اضطرته لإغلاق حسابه على "إنستغرام" بعد ساعات من الانتقادات.
لماذا تتكرر هذه الأزمة تحديداً مع تقنية الفيديو؟
- القرار النهائي يبقى بشرياً حتى بعد المراجعة، لأن الحكم هو من يفسر ما يراه على الشاشة
- غياب الشرح الفوري والمباشر للجمهور يترك مساحة واسعة للتأويل والتكهن
- اختلاف معايير التفسير أحياناً بين مباراة وأخرى يثير تساؤلات حول الاتساق
- سرعة انتشار المقاطع المصورة عبر وسائل التواصل تجعل كل قرار محل تدقيق فوري من ملايين المشاهدين
سابقة تاريخية تتكرر بأشكال مختلفة
هذه ليست أول مرة تشهد فيها بطولة كبرى جدلاً تحكيمياً يطغى على النتيجة نفسها؛ فتاريخ كأس العالم مليء بقرارات مثيرة للجدل سبقت عصر الفيديو نفسه. الفارق اليوم أن التقنية كانت من المفترض أن تقلل من هذه اللحظات، لا أن تضيف طبقة جديدة من الجدل حول كيفية استخدامها وتوقيت اللجوء إليها.
الموقف الرسمي مقابل غضب الشارع الرياضي
تقدّم رئيس الاتحاد المصري هاني أبو ريدة بشكوى رسمية لـ"فيفا"، التي قررت مراجعة أداء الحكم، بينما أكد رئيس لجنة الحكام بيير لويجي كولينا استقلالية حكام البطولة الكاملة. في المقابل، يرى كثير من المعلقين والمشجعين المصريين أن حجم الأخطاء وتوقيتها يستحقان تفسيراً أوضح من مجرد "خطأ بشري"، خصوصاً مع تصريحات المدير الفني حسام حسن بأن فريقه "تعرض لظلم واضح".
ماذا يمكن أن يتغيّر مستقبلاً؟
- نشر تسجيلات صوتية لمحادثات غرفة الفيديو فور انتهاء المباريات المثيرة للجدل
- توحيد معايير التدخل بشكل أوضح بدل ترك الأمر لتقدير كل حكم
- تدريب مخصص للحكام على إدارة المباريات ذات الضغط الجماهيري الكبير
ماذا قالت الصحف المصرية
رصد موقع "الرياضية" أصداءً واسعة وتفاعلاً كبيراً في الصحافة المصرية (مثل "اليوم السابع"، "المصري اليوم"، و"بوابة الأهرام") عقب الخروج الدراماتيكي لمنتخب مصر بعد تقدّمه بهدفين؛ حيث أجمعت العناوين على الإشادة بالأداء البطولي لـ"الفراعنة" الذين غادروا البطولة برأس مرفوعة في أفضل مشاركة تاريخية لهم، في حين ركزت التغطيات على حالة الغضب والاحتجاجات الواسعة ضد القرارات التحكيمية وتقنية الفيديو، مؤكدة أنها أثرت بشكل مباشر على النتيجة وحرمت مصر من تأهل تاريخي كان في المتناول.
كيف تتعامل بطولات أخرى مع نفس الإشكالية؟
بعض الدوريات الأوروبية الكبرى بدأت تجريب نشر تسجيلات صوتية مختصرة لقرارات التحكيم الحساسة بعد نهاية المباراة مباشرة، في محاولة لتقليل الغموض المحيط بأي قرار مثير للجدل. هذه التجربة، رغم أنها لا تزال محدودة النطاق، قد تمثل نموذجاً يُحتذى به في البطولات الدولية الكبرى مستقبلاً إذا أثبتت فعاليتها في تهدئة الجدل الجماهيري بعد كل مباراة حاسمة.
هل يمكن أن تتغير قواعد اللعبة نفسها بسبب هذه الحوادث المتكررة؟
من غير المرجح أن تتغير قواعد كرة القدم الأساسية بسبب حادثة واحدة، لكن تراكم مثل هذه الأزمات عبر بطولات متتالية يضغط تدريجياً باتجاه مراجعة شاملة لبروتوكول استخدام تقنية الفيديو نفسها، خصوصاً فيما يتعلق بمعايير التدخل والوقت المسموح به لمراجعة كل حالة قبل اتخاذ القرار النهائي.
الفارق بين "قرار خاطئ" و"قرار غير مفهوم" في نظر الجمهور
كثير من الغضب الجماهيري لا ينبع بالضرورة من كون القرار خاطئاً بشكل قاطع، بل من غياب أي تفسير مباشر ومفهوم لحظة اتخاذه. حين يكتفي الحكم بإشارة مقتضبة دون توضيح فوري للجمهور الحاضر أو المشاهد عبر الشاشة، يتحول أي قرار حساس تلقائياً إلى مادة خصبة للتكهن والتأويلات المتضاربة، حتى لو كان القرار نفسه صحيحاً تقنياً بحسب قوانين اللعبة.
هل تجربة الشرح الصوتي المباشر أثبتت نجاحها في الرياضات الأخرى؟
رياضات أخرى مثل الرغبي وكرة السلة الأميركية تعتمد منذ سنوات على نظام شرح صوتي مباشر للجمهور لحظة مراجعة أي قرار حساس، وقد أثبتت هذه التجربة نجاحاً ملحوظاً في تقليل حدة الجدل الجماهيري، وهو ما يدفع كثيراً من المراقبين لاقتراح تبني نموذج مشابه في كرة القدم، رغم اختلاف طبيعة اللعبتين من حيث الإيقاع الزمني.
في الختام
تقنية كان يُفترض أن تنهي زمن الجدل التحكيمي، ما زالت حتى الآن جزءاً أساسياً منه. برأيك، هل المشكلة في التقنية نفسها، أم في الطريقة التي يستخدمها بها البشر خلفها؟
تسجيلي



