الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يهتم المسلمون بتلاوة وختم القرآن الكريم، وقد لا يهتم البعض بتدبر القرآن وفهمه، مع تلاوتهم لقوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد 24.
 

فقد تم فهم التلاوة على أنها تعني القراءة فقط، وليس بمعنى التوالي والتتابع في ربط الآيات ببعضها، وتم فهم الترتيل على أنه يعني أداء صوتيا منغما لقراءة القرآن، وليس بمعنى وضع الآيات في أرتال أو صفوف كالمصفوفات، فالتلاوة والترتيل هدفهما الربط الموضوعي للآيات من أجل فهم متكامل.


كما تغلب مفهوم التفسير على مفهوم التدبر، بحيث يتم فهم الآيات من خلال كتب التفاسير والمعاجم وأبيات الشعر، والنتيجة أن المسلمون هجروا الصلة الحقيقية بالقرآن وهى التدبر.


وفهم آيات القرآن له ضوابط منهجية منها فهم السياق، وربط الحدث بأجزائه التي تحدث عنها القرآن في نفس السورة أو في سور أخرى، وتحديد موضوع الآيات التي تتم قراءتها، ومعرفة أنواع الخطاب والذي يأتي حسب المخاطب، والهدف من الخطاب مثل الخطاب الدعوي، والخطاب التشريعي، والخطاب التوجيهي، وأيضاً معرفة المخاطب الذي تخاطبه الآيات، ومعرفة من تتحدث عنه.


مثلاً في قوله تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ) البقرة 190، سياق الموضوع عن القتال، والخطاب تشريع ملزم في كل زمان ومكان، والمخاطب هم المسلمون، والحديث عن كفار قريش الذين اضطهدوا المسلمين في مكة، ولما هاجروا للمدينة لاحقوهم ليقاتلوهم، وسورة البقرة نزلت قبل معركة بدر ووضعت ضوابط للقتال لكي يلتزم بها المسلمون.


وفهم القرآن يكون بتدبره من خلال سياق الآيات وتبعاً لأصل جذور الكلمات، فالقرآن هو الكتاب المبين بذاته: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) الحجر 1، وتم وصف آياته بالبينات التي تحتاج في تبيينها للقراءة والتلاوة والتفكر والتدبر: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر 22.


وكلمة ادكر تعني استدعاء المعلومة بعد غيابها عن الذهن لفترة من الزمن: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) يوسف 45، أما التذكر فهو تفعيل للمعلومة: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) البقرة 152، تفعيل ذكر الله بالطاعة والشكر ليقابله الله بتفعيل ذكره لعباده بالرحمة والمغفرة. 


وجاءت الآيات تتحدث عن بيان القرآن ووصفه بالكتاب المبين، ومع ذلك يعتقد البعض أن القرآن يصعب فهمه ويحتاج إلى تفسير، مع أنه تعالى يقول عن القرآن: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) الفرقان 33، فأحسن تفسير للقرآن منه تعالى وفي داخل القرآن. 


قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ) النحل 89، والتبيان هو التوضيح، والله تعالى أنزل كتابه محكماً ولذلك فكل شيء يحتاج للبيان والتوضيح جاء في القرآن بيانه وتوضيحه. 


وفي قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) الأعراف 52، فالتفصيلات القرآنية التي يحتاجها المؤمنون جاءت هدى ورحمة لهم، ولذلك فالأمور المعروفة لا تحتاج إلى تفصيل، ومن العبث توضيح ما هو واضح.
والبشر قد تتحول التفصيلات فى كلامهم إلى لغو وثرثرة، وهذا ما تنزهت عنه تفصيلات الكتاب التي جاءت فيما يحتاج إلى تفصيل، لذلك ارتبطت تفصيلات القرآن الكريم بالإحكام، قال تعالى: (الر ۚكِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هود 1.


ولذلك أكد تعالى على العلم الإلهي الذى يحكم التفصيلات القرآنية: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) النساء 82، والمؤمنون بتمام القرآن هم الذين يسعون للعلم بتفصيلات القرآن: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الأعراف 32، وهم الذين يتفكرون في آيات القرآن: (كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس 24.


إن الله تعالي لم ينزل القرآن لنتسابق على قراءته وختمه ولكن لنتدبره ونفهمه ونعمل به، ووجهنا تعالى لتدبر القرآن: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص 29، ومع ذلك يتركز اهتمام البعض بالقرآن على قراءته وختمه فقط.


وبعد قراءة وختم القرآن علينا أن نسأل أنفسنا عن تأثير قراءة القرآن في حياتنا، وعن الآيات التي تدبرناها، وعن الآيات التي غيرت فكرنا من السلبية إلى الإيجابية وبدلت سلوكنا وأخلاقنا إلى الأرقى، أسئلة لا يهتم الكثيرون بها ولا بالإجابة عنها، ولذلك لن نهتم بتدبر القرآن وفهمه إلا إذا أردنا أن نتغير للأحسن وأن يتغير حالنا للأفضل.
 

تم نسخ الرابط