فى تاريخ الأمم لحظات فارقة تشهد تحولات جذرية، تضع خلالها الشعوب فى مسيرة كفاحها لَبِنات صلبة يرتفع بها البنيان وتتقدم الأوطان.
وفى تاريخ الأمة المصرية الممتد كفاح شعبى وبطولات قادة، كانت ولا تزال المداد لبقاء مصر آمنة، مستقرة، مستقلة الإرادة والقرار.
والتاريخ وكفاح الشعوب ليس قصصًا وروايات، بل دروس وعبر وعظات، يستلهم منها الخبرات، لمواجهة تحديات الحاضر، والتعاطى الأكثر حكمة ورشدًا مع توقعات المستقبل وآفاقه.
ولذلك نحن فى أمسِّ الحاجة إلى قراءة واقعية للتاريخ، نقرأ فيها الأحداث فى محيطها وبيئتها، مؤثراتها الداخلية والخارجية، أسبابها وأهدافها إنجازاتها وإخفاقاتها ودروسها المستفادة، للأجيال الجديدة، لتكون لها مدادًا فى مواجهة تحديات الحاضر.
فى مثل هذا اليوم 23 يوليو عام 1952، فى السابعة والنصف صباحًا، وبينما كان مستمعو الإذاعة المصرية، ينتظرون نشرة الأخبار يستهلها الإذاعى فهمى عمر: «أعلنت ساعة جامعة فؤاد الأول السابعة والنصف، وإليكم نشرة الأخبار نستهلّها ببيان من القيادة العامة للقوات المسلحة يلقيه مندوب القيادة».
وهنا اللحظة الفارقة: «اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش...». بصوت البكباشى محمد أنور السادات مندوب القيادة من استديوهات الإذاعة المصرية بشارع الشريفين.
كان البيان الذى تمكن الضباط الأحرار من إيصاله للجماهير، بعد ثلاث محاولات من القصر لإعاقة بثه، لحظة فارقة بين التبعية والتحرر الوطنى، احتضار الملكية ومخاض ميلاد الجمهورية، التى يعتلى فيها سدة الحكم أبناء خرجوا من نسيج الشعب وطبقته المتوسطة.

خرجت الجماهير المصرية، بعد أن شعرت بصدق المسعى والأهداف، لا مناصرة لأشخاص، بل نصرة للوطن، رغبة تحرر الإرادة الوطنية، ناظرة إلى مستقبل ينعم فيه الوطن بالاستقلال، والشعب بالحرية والكرامة، تتلاشى فيه سيطرة الإقطاع وهيمنة رأس المال، وتسود فيه قيم العدالة الاجتماعية والمساواة.
فكان الاحتلال البريطانى جاثمًا على أنفاس الوطن، وأعوانه يعيثون فسادًا في ما تطاله أيديهم، بينما الفلاحون يعيشون فى إقطاعيات، يملكها البشوات، بلا أجور عادلة ولا أبسط حقوقهم الإنسانية.
فيما كان الاحتلال الصهيونى يلتهم فلسطين ويعلن قيام دولة الاحتلال، ليخوض العرب وفى مقدمتهم مصر حرب 48 بلا استعداد، لتلحق بالعرب هزيمة، ضاعفت من السخط العام، ليضاف إليه حريق القاهرة.
ومن المهم مناقشة التاريخ بمنظور أعمق من خلال الربط بين الماضى والحاضر، مصر بين جمهوريتين، الأولى التى أسستها ثورة 23 يوليو، والجديدة التى أسستها ثورة 30 يونيو.
أولًا: الجمهورية الأولى:
-1 خرجت ثورة 23 يوليو لتحرير الإرادة الوطنية، من سيطرة الاحتلال البريطانى على القصر، والجيش وشئون البلاد، وانتصرت عندما ساندها الشعب والتف حول قادتها، فألغت النظام الملكى، وأسست النظام الجمهورى، وقضت على الاحتلال البريطانى بالجلاء التام عن كامل التراب الوطنى.
امتلك المصريون إرادتهم، قادة من نسيج الوطن، تأسست الجمهورية الأولى، التى تنطلق من الإرادة الوطنية واستقلال القرار، فكانت نموذجًا محفزًا وداعمًا لحركات التحرر الإفريقى.
امتلاك الإرادة أسهم فى تحقيق ما تلاه من أهداف، تأسيس الجمهورية الأولى، التخلص من الاستعمار وتحرير كامل التراب الوطنى، استعادة ثروات الوطن -وفى القلب منها قناة السويس التى تم تأميمها- قطعت خطوات واسعة فى تحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال القضاء على الإقطاع وقانون الإصلاح الزراعى، الذى حرر الفلاح من ذل العمل فى الإقطاعيات، إلى امتلاك 5 أفدنة كمصدر رزق له وأسرته، ومجانية التعليم والارتقاء بالمنظومة الصحية.

امتلاك الإرادة الوطنية واستقلال القرار، انعكس على بناء دولة، استطاعت مواجهة التحديات، وعبور العثرات، فواجهت العدوان الثلاثى بصلابة الموقف، وعبرت نكسة 1967، بإرادة المقاومة فى حرب الاستنزاف، ثم الانتصار بمعجزة السادس من أكتوبر 1973.
امتلاك الإرادة الوطنية واستقلال القرار، أسهم فى تأسيس القلاع الصناعية، من الحديد والصلب إلى النصر للسيارات إلى الغزل والنسيج، وغيرها من الصناعات، التى واجهت فيما بعد تحديات لأسباب عدة.
ومع كل هذه الإنجازات، كانت هناك أخطاء وإخفاقات، فى مقدمتها فشل هدف إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وربما لمتخذ القرار فى بدايات تأسيس الجمهورية الأولى مبرراته، لكن إهمال تحقيق هذا الهدف بعد استقرار الأوضاع كان خطأ أضعف البنية الحزبية، وخلق فراغات استثمرتها التنظيمات المتأسلمة، ومن يحركها لإشعال الأوضاع ما بعد 25 يناير 2011، والقفز على السلطة يونيو 2012.
-2 واجهت ثورة ٢٣ يوليو تنظيم الإخوان الذى تأسس مارس 1928 بتمويل من المخابرات البريطانية، ليجعل الاحتلال منه خنجرًا فى ظهر الوطن، يجمع أعضاءه على أساس الولاءات الشخصية، للتنظيم الملتحف بشعارات دينية زائفة، وهو ما يتناقض مع ثوابت الانتماءات الوطنية، فالفهم الصحيح للدين يعزز الانتماء للوطن وليس مكتب إرشاد التنظيم.
أحبط الرئيس جمال عبدالناصر، محاولة التنظيم التحكم فى ثورة 23 يوليو والانحراف بها عن مسارها وأهدافها الوطنية، بينما وجد المتأسلمون احتواء فى عهد الرئيس السادات، لكنهم غدروا به واغتالوه، ومنحهم الرئيس مبارك نسبة من حرية الحركة والوصول لمقاعد البرلمان، فأشعلوا البلاد ضده، وسطوا على 25 يناير، وقفزوا على السلطة.
-3 كانت القارة الإفريقية، نهبًا للقوى الاستعمارية التى تقاسمت أراضيها وثرواتها فى مؤتمر برلين نوفمبر 1884م، الذى مهد لاحتلال جميع دول القارة الإفريقية باستثناء إثيوبيا.
لم تحرر ثورة 23 يوليو الإرادة الوطنية، والتراب الوطنى المصرى فقط، بل كانت الشرارة التى حفزت ودعمت تحرر كامل بلدان القارة الإفريقية من الاستعمار.
باتت مصر دولة مستقلة ذات سيادة، تحقق خططها التنموية لها وزنها وثقلها وتأثيرها عالميًا، فاعلة فى المنظمات الدولية، قادرة على حماية محددات أمنها القومى وفرض إرادتها ودعم أشقائها وأبناء قارتها.

ثانيًا: الجمهورية الجديدة:
-1 استهدفت ثورة 30 يونيو 2013 حماية استعادة الهوية الوطنية، من مخالب تنظيم فاشى، سعى لطمسها، ومشروعات ترسخ للتبعية وتنال من استقلال الإرادة الوطنية وتهدد النسيج الوطنى.
فالجمهورية الأولى التى تأسست بهدف استقلال القرار الوطنى والتحرر من التبعية وإعلاء قيم المواطنة، انتهت بالسقوط فى 2012 فى مخلب تنظيم، تأسس فى عهد الاحتلال البريطانى بتمويل من أجهزته المخابراتية.
ومع الأسباب كافة التى دفعت الملايين من شعب مصر للخروج فى الثلاثين من يونيو 2013، فإن الخطر الأكبر كان السطو على الهوية الوطنية وتهديد الأمن القومى وانتهاك ثوابت استقلال القرار الوطنى.
فى 23 يوليو تحرك الجيش وبارك الشعب حركته، بينما فى 30 يونيو ثار الشعب وحمى الجيش إرادته، فى الأولى حرر الجيش والشعب الإرادة الوطنية، وفى الجديدة حمى الشعب والجيش الهوية والنسيج الوطنى لبناء دولة عصرية.
ورغم المتغيرات الزمانية والمقدمات والأسباب والأهداف، فإن هناك مشتركات بين الجمهورية الأولى التى أسستها ثورة 23 يوليو، والجمهورية الجديدة التى أسستها 30 يونيو، فى مقدمتها السعى لبناء دولة تملك من القدرة الشاملة ما يحمى محددات أمنها القومى، ويحقق خطط التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
مع متغيرات يفرضها الزمان والتحديات والإمكانيات وتراكم الخبرات التى تستفيد من إنجازات الماضى وتتفادى إخفاقاته وتحولات معادلة القوى فى الإقليم والعالم.
-2 الأمثلة على ما سبق كثيرة: فالجمهورية الأولى سعت لبناء جيش وطنى قوى، بيد أنها أخفقت فى قرارات استنزفت قدراته فى بداياتها، كحرب اليمن.
بينما الجمهورية الجديدة، تعمل على تعظيم القدرة الشاملة لجيش مصر، من تنويع مصادر السلاح وامتلاك أحدث تكنولوجيا التسليح، إلى القواعد العسكرية والقيادة الاستراتيجية، إلى رفع كفاءة المقاتل.
والأهم: الحكمة ورشد القرار وانتهاج سياسات الصبر الاستراتيجى فلا نتورط فى صراعات، ولا نسمح للعدو بالمساس بالأمن القومى بقدرة ردع تحمى السلام.
النماذج كثيرة، منها ما وضعته مصر من خطوط حمراء ضد التدخلات الخارجية فى سرت الجفرة فى ليبيا، وإحباط مخطط تهجير أهالى غزة، وحماية محددات الأمن القومى المصرى والعربى فى ظل تعاظم التحديات الإقليمية والدولية.
-3 التنمية:
فى حين أقامت الجمهورية الأولى السد العالى وعددًا من القلاع الصناعية ومشروعات زراعية مثل مديرية التحرير، وما أعقبها من مشروعات فى عقود تالية تراجعت معدلاتها قبل 2011، بما انعكس سلبًا على المواطن والاستقرار، فإن الجمهورية الجديدة تنطلق من أهداف بناء دولة وطنية مدنية حديثة، تحقق تنمية مستدامة تؤهلها لمواجهة التحديات المتصاعدة، وملاحقة تغيرات ومتطلبات العصر.
وهنا تنطلق الجمهورية الجديدة لتحقيق أهدافها من حلول جذرية للتحديات:
أ- تعزيز القدرة الشاملة للدولة وقدرة الردع للحفاظ على محددات الأمن القومى واستقلال القرار الوطنى.
ب- مضاعفة الرقعة التنموية من 7% تكونت على مدار التاريخ إلى 14% فى غضون 12 عامًا، لإعادة توزيع الخريطة السكانية، وخلق مجتمعات عمرانية زراعية وصناعية وسكنية.
وهنا حل جذرى يعزز الأمن الغذائى والقدرة الإنتاجية الصناعية، ويفكك التكدس السكانى، فيخلق فرص عمل ويحقق نموًا فى جودة الحياة تدريجيًا، ومع صعوبة الجراحات الاقتصادية على حياة المواطن، فإن الصعوبة كانت ستصبح مضاعفة ما لم يتحقق الكثير مما تم إنجازه.
ج- تعظيم الثروة الوطنية:
فى حين استعادت الجمهورية الأولى قناة السويس من مخالب الاحتلال بقرار التأميم الذى دفعنا ثمنه غاليًا، وقبله دفع الشعب من عرقه ودمائه فى حفر القناة فى زمن السخرة، فإن الجمهورية الجديدة، عظمت من قدرة تلك الثروة القومية، برفع كفاءتها بحفر القناة الجديدة، والمنطقة الاستراتيجية على محوريها، وتوطين التكنولوجيا.
د- الروح التى تسرى فى شرايين التنمية:
الطاقة هى تلك الروح التى بدونها لا تنمية ولا عمران، والجمهورية الأولى تصدت لذلك ببناء السد العالى، رغم محاولات إعاقة المشروع، بينما الجوهرية الجديدة تواصل من خلال تنويع مصادر الطاقة النظيفة، وصولًا إلى بناء محطات الطاقة النووية السلمية فى الضبعة، بدعم من الشريك الاستراتيجى ذاته فى السد والضبعة الاتحاد السوفيتى سابقًا الاتحاد الروسى حاليًا.
مع فارق الزمن والقدرات والإمكانات والسياسات، فمصر تنوع مصادر طاقتها عبر شراكات غربية وشرقية، انطلاقًا من سياسة التوازن الاستراتيجى الذى يعزز المصلحة الوطنية.
هـ- تعاملت الجمهورية الجديدة مع آفة التنظيمات خارج القانون بحزم، فلم تمسك العصا من المنتصف فى مواجهة إرهاب تنظيم الإخوان بل اقتلعته من جذوره، فلا وجود لتنظيمات خارج إطار الدستور والقانون.
و- من المبشر الآن ما تشهده الحياة السياسية من محاولات إصلاح وتحفيز للأحزاب، وتعزيز المشاركة، وهو ما عكسته توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى فى افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، بشأن تفعيل دور الأحزاب واتخاذ الإجراءات اللازمة لإجراء الانتخابات المجالس المحلية.
م- خارجيًا قادت مصر ثورات التحرر فى إفريقيا، بما فيها الدول العربية الواقعة فى شمال القارة، واليوم تقود مصر ثورة التنمية فى القارة الإفريقية وتقدم نموذجًا للتنمية العمرانية والارتقاء بالبنية التحتية والشراكات التنموية المعززة للأمن والسلم والاستقرار.
ومن أبرز تلك النماذج زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى تنزانيا مطلع الأسبوع الجارى، التى زار خلالها سد «جوليوس نيريرى» للطاقة الكهرومائية، الذى تتولى إنشاءه شركة مصرية، وما وقع من اتفاقات شراكات تنموية من بين أهمها مشروع التنمية الزراعية فى تنزانيا.
وقد أولى الرئيس عبدالفتاح السيسى اهتمامًا بالغًا بإفريقيا، ودعم حقها فى التنمية فى المحافل الدولية، والحلول الإفريقية الإفريقية للأزمات، ودعم الشراكات التنموية فى الطاقة والبنية التحتية والتنمية البشرية.
ولعل مشروعات التنمية الزراعية والإنتاج الحيوانى المشترك، قيمة مضافة تعزز الأمن الغذائى فى توقيت يعانى فيه العالم من تهديد الصراعات لسلاسل إمداد الطاقة والغذاء، ويسهم فى التكامل فى استثمار الموارد بما يحقق المصلحة المشتركة، فمصر بقدراتها وخبراتها التنموية تتكامل مع تنزانيا والشركاء فى إفريقيا فى استثمار الأرض الزراعية والقدرات المائية لإنتاج الغذاء للشعوب الشقيقة.
تلك السياسات وهذه المشروعات التنموية، مواجهة عملية للتحديات المشتركة، بتكامل تنموى، فتنزانيا تحتاج إلى استثمارات وتعزيز الخبرات، ومصر التى تواجه شحًا مائيًا، تستثمر مع دولة شقيقة، تملك الوفرة المائية ليخرج المنتج بما يحويه من مياه افتراضية.
ويبقى الإنسان المصرى هو الغاية والهدف والثروة الحقيقية، هو صانع الحضارة واللحظات التاريخية التى تحمى بقاء الوطن واستقراره، وتنميته وازدهاره، لذا فالجمهورية الجديدة تولى الاهتمام الأكبر لبناء الإنسان وتعزيز قدراته على مجابهة التحديات وملاحقة تطورات العصر، بدعم الإبداع والتعليم والتأهيل لسوق العمل الحديث.
تحية لأرواح كل من أعطى لهذا الوطن وفى مقدمتهم الشهداء وحفظ كل من بذل جهدًا مخلصًا.
حفظ الله مصر شعبًا وجيشًا وقيادة
نقلا عن جريدة روز اليوسف



