نتوضأ من مياه الصرف ونعيش على لمبة الجاز| صور
26 عامًا من العطش.. مأساة أهالي ري 3 و4 جنوب بورسعيد: نشرب مياه عكرة
في أقصى جنوب بورسعيد، تقف قريتا ري 3 و4 سرحان شاهدتين على معاناة تجاوزت ربع قرن، حيث يحاول قاطني القرية من الحصول على المياه النظيفة بخوض رحلة يومية شاقة، وأصبح البحث عن جركن مياه نظيفة هو الهم الأول لكل أسرة تعيش هناك.
26 عامًا من العطش.. أهالي ري 3 و4 جنوب بورسعيد: نشرب مياه عكرة ونتوضأ من الصرف الصحي ونعيش على لمبة الجاز
منذ 26 عامًا، لم تصل مياه الشرب إلى منازل القرية، ليعيش مئات المواطنين في عزلة عن أبسط مقومات الحياة. لا صنابير مياه، ولا شبكة تغذي البيوت، وإنما رحلات يومية يقطع خلالها الأهالي عشرات الكيلومترات لشراء المياه على نفقتهم الخاصة.
ويقول الأهالي إن ما يعودون به لا يكفي احتياجات أسرهم، فضلاً عن أن المياه التي يشترونها تصل إليهم في جراكن، وغالبًا ما تكون عكرة ومليئة بالشوائب، ومع غياب أي بديل، يتركونها لساعات حتى تترسب الرواسب في القاع، ثم يشربونها مضطرين، رغم إدراكهم أنها أصبحت مصدرًا للمرض أكثر من كونها مصدرًا للحياة.
وبمرور السنوات، بدأت آثار هذه الأزمة تظهر بوضوح على سكان القريتين. فالأمراض الجلدية أصبحت منتشرة بين الرجال والنساء والأطفال، بينما يعاني عدد كبير من الأهالي من أمراض الكلى، في ظل اعتمادهم على مياه غير صالحة للاستهلاك الآدمي.
أما الأطفال، فقد دفعوا الثمن منذ سنواتهم الأولى. أجسادهم الصغيرة امتلأت بالحساسية والطفح الجلدي نتيجة الاستحمام بمياه الصرف الصحي، التي أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية بعد غياب المياه النظيفة.
ولا تقتصر المأساة على الاستحمام فقط، إذ يؤكد الأهالي أنهم يستخدمون مياه الصرف الصحي في غسل الملابس والأواني، وتنظيف المنازل، وحتى في غسل الأرز والخضروات قبل إعداد الطعام، بعدما أصبحت تلك المياه هي المصدر الوحيد المتاح للاستخدامات المنزلية.










وفي مشهد يكشف حجم الأزمة، يؤكد المصلون أن المسجد نفسه يخلو من مياه الوضوء، ما اضطر الأهالي إلى رفع مياه الصرف الصحي بواسطة موتور حتى يتمكنوا من الوضوء وإقامة الصلاة، في واقع يقولون إنه لم يكن يخطر ببال أحد أن يعيشوه.
ويؤكد كبار السن أن صحتهم لم تعد تحتمل هذه الظروف، بعدما أنهكتهم الأمراض وتكررت معاناتهم مع نقص الخدمات الأساسية، بينما تقف الأمهات عاجزات أمام احتياجات أطفالهن اليومية، فلا مياه نظيفة للشرب، ولا للاستحمام، ولا حتى لغسل الملابس.
ورغم أن المياه تمثل الأزمة الأكبر، فإنها ليست الوحيدة، فالقرية لا تضم سوى مدرسة واحدة تقع على مسافة بعيدة من التجمعات السكنية، ويؤكد الأهالي أنها لا تعمل إلا لفترة قصيرة لا تتجاوز 30 دقيقة يوميًا، كما تعاني نقصًا كبيرًا في المعلمين، وهو ما دفع بعض الأسر إلى اللجوء للمساجد لتعليم أبنائهم القراءة والكتابة حتى لا يكبروا وهم محرومون من التعليم.
أما الرعاية الصحية، فهي شبه غائبة. فلا توجد وحدة صحية داخل القريتين، ويضطر المرضى إلى التوجه إلى مستشفى 30 يونيو، وهو ما يمثل معاناة إضافية، خاصة في الحالات الطارئة التي تحتاج إلى تدخل سريع، بينما تستغرق رحلة الوصول وقتًا طويلًا.
وتتواصل المعاناة مع أزمة الكهرباء، إذ يقول الأهالي إنهم أُبلغوا بتحمل تكلفة توصيل التيار الكهربائي، وهي تكلفة تفوق قدراتهم المادية، لذلك لا تزال عشرات المنازل تعتمد على لمبات الجاز كمصدر وحيد للإنارة، فيما يجلس الأطفال ليلًا حول ضوء المصابيح البدائية أو النار لاستكمال واجباتهم الدراسية.
ويؤكد السكان أنهم لم يتوقفوا طوال السنوات الماضية عن المطالبة بحقهم في مياه الشرب والخدمات الأساسية، وطرقوا أبواب المسؤولين أكثر من مرة، إلا أن أوضاعهم لم تتغير، وما زالت القرية تعيش الظروف نفسها التي بدأت قبل أكثر من ربع قرن.
ويختتم الأهالي رسالتهم بمطلب واحد، يرونه مفتاح حل كل الأزمات، وهو توصيل مياه الشرب إلى القريتين بصورة عاجلة، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار المرض، واتساع دائرة المعاناة، وحرمان أجيال جديدة من أبسط حقوقها في حياة كريمة.









