الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كانت ولا تزال وستظل الموسيقى هى أقرب اتصال روحى بين الأرض والسماء، إنها لغة الأبجدية الأولى التى تلقفتها قلوب البشر قبل اختراع الحروف وقبل إدراك معانى الكلمات، لا تفرق بين لون وجنس وعقيدة وثقافة، تخترق كل مساحات الجغرافيا وكل أزمنة التاريخ.
 


كثيرًا ما نستدعى موسيقى من زمن آخر لهذا الزمن، فى السنوات الأخيرة بدأت أرى أينما حللت طاقة نور تثيرها موسيقى هانى شنودة، فى العديد من الاحتفالات العالمية اكتشف أن موسيقى شنودة حاضرة، حدث ذلك مثلاً أثناء توزيع جوائز (الجولدن جلوب ) بأمريكا استمعنا من إبداعه إلى (لونجا 79)، وقبل ثلاث سنوات فى مهرجان (كان) قبل عرض الفيلم السويدى (صبى من الجنة) وجدت موسيقى أغنية  (أنا بعشق البحر) لنجاة، تعزف أثناء صعودنا على سلم قاعة (لوميير)، واكتشفت طبعًا أثناء عرض الفيلم أن تلك الأغنية جاءت فى سياق درامى للفيلم.
 


موسيقى هانى شنودة بقدر ما تجمع بين العفوية المفرطة، ترى الوجه الآخر لها هو البناء العلمى الصارم المنضبط، ما تسمعه يشبه بالضبط ملامحه، التعبير الخاص جدًا الذى لا يشبه أحدًا غيره، هذا هو مفتاح إبداعه. وفى السنوات الأخيرة مثلاً شاركت فى فيلم تسجيلى على منصة (شاهد) تناول موسيقاه التى انتقلت ببساطة فى العديد من الحقب الزمنية، توقفت أمام هذا التطابق، موسيقى هانى شنودة تساوى بالضبط ملامح هانى شنودة.
 


وتظل التجربة الرائدة فى فرقة (المصريين) هى الأيقونة التى فتحت الباب منذ نهاية السبعينيات، لأكثر من نحو 100 فرقة أخرى، كل الفرق لم تستطع استكمال الطريق لأسباب خارجة عن إرادتها، مثلما يحدث عادة فى الحياة الفنية زواج بطلة الفرقة أو رحيل عازف ماهر أو خلافات مادية وأدبية متعددة، مثل هذه التشابكات تحدث عادة فى الأعمال التى تحمل مذاقًا جماعيًا، وكما قالت أم كلثوم: (وإذا الأحباب كل فى طريق)، وفى لحظات يتبدد كل شىء، بينما مع فرقة (المصريين) حدث كل ذلك إلا أن شخصية هانى شنودة فى النهاية فرضت المشهد الختامى على الجميع والتقى الأحباب قبل نهاية الطريق، أضيفت للفرقة عناصر جديدة، ظلت قادرة على مواجهة كل العواصف والأنواء، لتظل (المصريين) قادرة على التنفس.
 


تابعت هانى وهو ممسك بالنغمة حتى اللحظة الأخيرة، وقبل ساعات قليلة من ذهابه للمستشفى بعد أن تدهورت حالته الصحية، كان يُعيد تقديم تسجيل أغنية نجاة القديمة (بحلم معاك) بصوتين جديدين الأغنية شعر عبدالرحيم منصور الذى كان هو الأقرب لروح هانى شنودة.
 


غادر الحياة فى أجندته اتفاقات متعددة لحفلات قادمة، لم يكن هانى كما قال لى ولغيرى يخشى أن يطرق الموت بابه فى أى لحظة، مؤمن أن تلك هى النهاية الحتمية، وهو يريد أن يرى الله، كان يعلم فى داخله أنه قد ترك فى الدنيا رصيدًا موسيقيًا سيظل ينبض بالحياة يعيش بعده وبعدنا، لأن موسيقاه تحمل لغة الأبجدية الأولى التى عرفتها البشرية!. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط