شريكته فى الحياة والإبداع تروى كواليس سنواته الأخيرة:
وسام سليمان: «خان» كان يصنع الأمل قبل أن يصنع الأفلام
(أحلى الأوقات) اسم أول فيلم حمل توقيع السيناريست «وسام سليمان» على شاشة السينما، لكنه يبدو أيضا توصيفًا دقيقًا للسنوات التى عاشتها إلى جوار المخرج الكبير «محمد خان» شريكة له فى الحياة والإبداع، وصاحبة بصمة فى أبرز أفلامه الأخيرة، (بنات وسط البلد، وفى شقة مصر الجديدة، وفتاة المصنع).
وفى الذكرى العاشرة لرحيله، قررنا أن نستعيد الفصل الأخير من رحلته، من خلال شهادة «وسام» زوجته التى شاركته تلك السنوات، لنتعرف منها على فلسفته فى الحياة، ورؤيته للسينما، والأحلام التى لم يمهله القدر لتحقيقها.
بعد مرور عشر سنوات على رحيل «محمد خان» ما أكثر ما تفتقدينه فى غيابه؟
- أفتقد طاقته قبل أى شيء «محمد خان» لم يكن يعرف الركود، وكان يبدأ كل يوم وكأنه بداية جديدة، ومهما كانت الضغوط أو الأزمات التى يواجهها أثناء التصوير، كان يستيقظ فى اليوم التالى ويقول (النهارده يوم جديد) كانت هذه طريقته فى الحياة، وكان ينقل هذه الطاقة لكل من حوله، لذلك كان وجوده يمنح الجميع إحساسًا بالأمل والرغبة فى العمل.
وكيف انعكست هذه النظرة للحياة على أفلامه؟
- كان مؤمنًا بأن المشاهد لا يجب أن يخرج من الفيلم وهو فاقد للأمل، حتى عندما كان يناقش شخصيات تعيش ظروفًا قاسية فى أفلامه، كان يترك دائمًا «نافذة للحياة»، ويتجلى ذلك بوضوح فى فيلم (فتاة المصنع) على سبيل المثال، فالرقصة التى أدتها البطلة فى فرح الشخص الذى أحبته لم تكن رقصة طائر مذبوح، بل كانت إعلانا عن القوة، وكأن البطلة تقول (أنا الأقوى، وأنا الأبقى، وأنا الأهم).. وأذكر أنه كان يحرص أيضا على أن تعكس الصورة فى الفيلم هذه الفلسفة، لذلك اتفق مع مدير التصوير على أن تكون الألوان نابضة بالحياة، فقد كان يرى أن الإنسان قد يعيش ظروفًا صعبة، لكنه يظل قادرًا على أن يصنع لحظات فرحه بنفسه.
فى سنواته الأخيرة واجه أزمات فى إنتاج أفلامه، هل ظل هذا الأمل يرافقه حتى فى تلك اللحظات؟
- نعم، لم يفكر يومًا فى التوقف عن صناعة السينما، عندما تعذر عليه العثور على منتج، قرر أن ينتج فيلم (كليفتى) بتقنية الديجيتال لأنها كانت أقل تكلفة، وكان من أوائل التجارب المصرية التى استخدمت هذه التقنية، ورغم أن الفيلم لم يُعرض فى دور السينما، وعُرض تليفزيونيا فقط، إلا أنه أصبح تجربة ملهمة لكثيرين، والأجمل أن كل من شارك فيه فعل ذلك حبًا فى «محمد خان» مثل «سناء يونس» التى رحلت بعد الفيلم بفترة قصيرة، وقدمت فيه واحدًا من أجمل مشاهدها، بالإضافة إلى «باسم سمرة، ورولا عادل» وآخرون، وجميعهم وافقوا على العمل دون مقابل.
بعد تجربة (كليفتى) جاء أول تعاون مهنى بينكما فى (بنات وسط البلد) كيف بدأت الحكاية؟
- الفيلم فكرته، وكان من المقرر له فى البداية أن يُنفذ أيضا بطريقة الديجيتال، وكنت أكتب السيناريو على أساس الميزانية المنخفضة، لكن بعد ظهور جهة إنتاجية تبنته، تحول المشروع إلى إنتاج سينمائى تقليدى، وخرج الفيلم بالشكل الذى شاهده الجمهور.
ما أجمل ذكرياتك مع هذا الفيلم؟
- أكثر ما أتذكره مشاهد التصوير داخل مترو الأنفاق، كانت من أصعب المشاهد تنفيذا، لكنها خرجت على الشاشة بمنتهى العفوية، وهو ما كان يميز «محمد خان» كان يمتلك قدرة استثنائية على أن يجعل أصعب التفاصيل تبدو طبيعية للغاية، ولذلك أصبحت هذه المشاهد جزءا من ذاكرة السينما المصرية، ومن الصعب تكرارها اليوم.
فى فيلم (فى شقة مصر الجديدة) كانت الصورة واحدة من أبرز عناصر تميز الفيلم، وقدمت القاهرة بشكل مختلف وحميمى، كيف وقع اختياره على «نانسى عبدالفتاح» لتتولى مهمة مدير التصوير فى أول تعاون بينهما؟
- كان قد شاهد لـ «نانسى عبدالفتاح» مسلسلا من إخراج «خيرى بشارة» وأعجب جدا بعملها، فقال (الفيلم الجاى لازم نانسى عبدالفتاح تكون معايا) .كان مؤمنًا جدًا بموهبتها، كما كان يرى أن الفيلم يحمل مشاعر أنثوية، ولذلك أراد أن تتولى تصويره امرأة.
«نور الشريف» منحه فرصة إخراج أول عمل روائى له فى (ضربة شمس) هل جعلته هذه التجربة يؤمن أكثر باكتشاف المواهب؟
- بالتأكيد، فقد كان «محمد خان» يبحث عن المواهب فى كل عناصر العمل، كان يمنح الفرصة للفنانين، ومديرى التصوير، والفنيين، وكل من يرى فيه موهبة حقيقية.. فمثلًا، عندما عاد «طارق التلمسانى» من الخارج، كان فيلم (خرج ولم يعد) أول تعاون بينهما، وكرر الفكرة مع أسماء كثيرة، فقد كان يؤمن بأن السينما تتجدد دائما بوجوه وطاقات جديدة.
كيف كان «محمد خان» ينظر إلى تاريخه السينمائي؟ وهل كان يعود لمشاهدة أفلامه بعين الناقد الذى يتمنى تغيير بعض التفاصيل؟
- على العكس تمامًا، «محمد خان» لم يكن من الأشخاص الذين يعيشون فى الماضى، كان دائم النظر إلى الأمام، يفكر فى الفيلم المقبل أكثر من انشغاله بما أنجزه، وكان دائما متصالحا مع ما صنعه، وكان يسعد جدا عندما يوقفه أحد فى الشارع أو يناقشه فى أحد أفلامه، لأن هذا كان يعنى بالنسبة له أن أعماله ما زالت حية فى وجدان الناس.
وهل كان لديه فيلم يفضله على بقية أعماله؟
- لم يكن يقول إن هناك فيلما واحدا هو الأقرب إلى قلبه، لكنه كان يعود كثيرا لمشاهدة الأفلام التى كتبها له السيناريست «عاصم توفيق» وعلى رأسها فيلم (عودة مواطن) فقد كان يحمل له محبة وتقديرًا كبيرين، وعندما يعيد مشاهدة أفلامه كان يتوقف طويلا عند جمل الحوار، ويتأملها، ويقول بحنين (الله يرحمك يا عاصم) فقد كان مؤمنًا بموهبته الاستثنائية فى الكتابة.
بما أنك رافقته فى سنواته الأخيرة، هل كان لا يزال يحمل أحلاما سينمائية لم يحققها؟
- بالتأكيد، «محمد خان» ظل حتى آخر يوم فى حياته يفكر فى الفيلم القادم، لم يكن من الأشخاص الذين يشعرون بأنهم اكتفوا أو أنجزوا كل ما يريدون، كانت لديه رغبة دائمة فى صناعة الأفلام، وقبل رحيله ترك أكثر من مشروع كان يحلم برؤيته على الشاشة.. من بينها سيناريو كتبه بعنوان (نسمة فى مهب الريح) وأعتقد أنه لو قدر له أن ينفذ لكان فيلمًا مختلفًا للغاية، وكانت «ليلى علوى» مرشحة لبطولة الفيلم، لكن الظروف حالت دون خروجه إلى النور.. كما كان هناك مشروع آخر بعنوان (ستانلى) وهو قصته واشترك فى كتابة السيناريو مع سيناريست آخر، وكان يحلم بتقديمه سينمائيًا، ورشح فى البداية «محمود عبدالعزيز» لبطولته، ثم لاحقا «خالد صالح» ،لكن الفيلم كان يحتاج إلى ميزانية تقارب 10 ملايين جنيه، وهو رقم كان كبيرا جدا فى ذلك الوقت، فلم ينجح فى الحصول على التمويل اللازم، لذلك بدأ يفكر فى تحويل المشروع إلى مسلسل، لعل الفكرة تجد طريقها إلى التنفيذ، لكن هذا الحلم أيضا لم يكتمل.
وهل كان ذلك مجرد حل لهذا المشروع، أم أنه كان يفكر بالفعل فى خوض تجربة الدراما التليفزيونية؟
- أعتقد أنه كان سيفعلها بالفعل، فى سنواته الأخيرة كان يتابع دراما رمضان باهتمام، وكانت هناك أعمال تعجبه، وبدأ يفكر بجدية فى تقديم مشروع للتليفزيون، ولو أمهله القدر، فأنا واثقة أننا كنا سنرى مسلسلاً يحمل توقيع «محمد خان».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



