الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى كل المجالات تقريبًا؛ يربح الزمن المعركة فى النهاية. السياسى يشيخ، والرياضى يعتزل، والكاتب قد يُكرّر نفسه، والمطرب يأتى يوم يمل فيه جمهوره. هكذا جرت العادة. أمّا عمرو دياب؛ فقد كسَر هذه القاعدة كلها، وصَنع لنفسه معادلة نادرة. لم يهزم الزمن؛ بل جعله يعمل لصالحه.. ولهذا لم يعد عمرو دياب مجرد مطرب؛ بل أصبح زمنًا كاملاً.
 


أتذكر جيدًا ذلك الكشك الصغير لبيع أشرطة الكاسيت فى ميدان روكسى. لم يكن مجرد محل لبيع الموسيقى؛ بل كان نافذة جيل كامل على الفرح. كان تعليق بوستر الألبوم الجديد إعلانًا غير مكتوب بأن الصيف أصبح على الأبواب، وأن أيامًا مختلفة تنتظرنا. تبدأ الحجوزات، وتتصاعد الأسئلة عن موعد وصول السيارة التى تحمل النُسَخ الأولى، ثم تمتد السهرة أمام الكشك حتى ساعات الفجر، وكل منا يحلم بأن يكون أول من يقتنص نسخته قبل أن تنفد. كنا نعود بها إلى البيت أو نلقيها مباشرة فى مسجل السيارة، وكأننا نحمل معنا تصريحًا رسميًا أن الصيف بدأ رسميًا، وأن للحياة موسيقى جديدة سترافقها حتى مطلع الشتاء.
كانت تلك طقوسًا لا تقل قداسة عن الأعياد.. ثم تغير العالم كله.
 


اختفى الكاسيت، ثم اختفى الـ«سى دى»، وجاء الإنترنت، ثم المنصات الرقمية، ثم الذكاء الاصطناعى، وتغيرت صناعة الموسيقى مَرّات لا تُحصَى. سقطت أسماء كانت تبدو مستحيلة السقوط، وصعدت موجات واختفت أخرى، لكنَّ هناك ثابتًا واحدًا ظل يقاوم كل هذا الاضطراب.
 


موعد ألبوم عمرو دياب..
 


هذه ليست نجومية بالمعنى التقليدى؛ وإنما ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة. فالرجل لم ينجح لأنه امتلك صوتًا جميلاً فقط، فالأصوات الجميلة كثيرة، ولم يستمر لأنه محظوظ، فالحظ لا يعيش أربعين عامًا. السِّرُّ أنه فهم مبكرًا أن الفن ليس أغنية تُسمَع؛ وإنما علاقة تُبنَى مع الناس.
 


على أغنيات عمرو دياب أحببنا للمرة الأولى، وانتظرنا مكالمة هاتف، وكتبنا رسائل الغرام، وعشنا نشوة اللقاء، ومرارة الفراق، ووحشة الغياب. هناك دائمًا أغنية له تختبئ داخل كل قصة حب مصرية، ومقطع موسيقى يعيد إلينا وجهًا غاب أو زمنًا رحل. ولذلك لم يكن يغنى فقط؛ بل كان يوثق الحالة العاطفية للمصريين، ويؤرشف مشاعرهم عبر أربعة عقود كاملة، حتى أصبحت حنجرته أشبه بخزان ضخم يحتفظ بملايين اللحظات الإنسانية؛ الأفراح، والانكسارات، والحنين، والأمل، وكل ما بينهما.
 


ولعل سرّه الأكبر أنه لم يتعامل يومًا مع النجاح باعتباره محطة وصول؛ بل باعتباره امتحانًا يتكرر كل عام. كان يعرف أن الجمهور لا يمنح الثقة إلى الأبد، وأن القمة مكان لا يتسع إلا لمن يجدد نفسه باستمرار. لذلك لم يدخل فى معركة مع الزمن؛ بل استوعب تغيراته، وقرأ أذواق الأجيال الجديدة، واستفاد من كل تطور موسيقى وتقنى، من دون أن يفقد هويته أو يتنازل عن بصمته. وهى معادلة نادرة؛ بل شديدة الندرة.
 


لقد فعل ما هو أكبر من الغناء. وثّق الوجدان المصرى.. لا أبالغ إذا قلت إن مَن يريد أن يقرأ التحولات العاطفية والاجتماعية لجيل الثمانينيات والتسعينيات والألفية الجديدة؛ فليستمع إلى ألبومات عمرو دياب بالترتيب. سيكتشف كيف تغيرت اللغة، وكيف تبدلت الموسيقى، وكيف تغير إيقاع الحياة نفسها، بينما بقى الخيط الرفيع الذى يربط المصريين بالحلم والحب كما هو.
 


والأكثر إدهاشًا أنه لم يقع فى فخ الأسطورة. كثيرون يصدقون أسطورتهم فيتوقفون عن التطور. أمّا هو فكان يتعامل مع كل ألبوم وكأنه الأول، ومع كل نجاح وكأنه لا يشفع للنجاح الذى يليه. ظل يبحث عن الجديد، ويغامر، ويغيّر، ويتعلم، ويستمع، ويقرأ السوق، ويفهم الأجيال الجديدة، دون أن يتنازل لحظة عن هويته.
 


هذه قدرة لا يملكها إلا القليل من الفنانين فى العالم.. واليوم؛ وبعد أربعين عامًا، لم نعد نقف أمام كشك فى روكسى ننتظر سيارة توزيع الكاسيت؛ لكننا نقف بالطريقة نفسها أمام هواتفنا، نترقب لحظة صدور الألبوم الجديد. تغيرت الوسيلة، وبقى الشغف كما هو.
 


أربعون عامًا، وما زال الرجل يملك القدرة نفسها على صناعة الموعد، وإشعال الشغف، وإيقاظ الحنين. وهذا فى حد ذاته إنجاز لا تصنعه الدعاية، ولا تشتريه الأموال، ولا تمنحه الخوارزميات. إنه ثمرة موهبة تلامس السماء، واجتهاد تجاوز حدودها، وعلاقة استثنائية بين فنان وجمهور قرّر أن يمنحه مكانًا لا ينازعه عليه أحد.
وهنا تحديدًا تكمن عبقرية عمرو دياب.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط