الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هذا النجم الكبير المتاح للجميع، إنه هاني شنودة الرائع الإنسان، هذا الذي لم تبهره أبداً أضواء الشهرة ولم تغير من طباعه الأصيلة شيئاً.

تبدو لي قيمته في اكتمال مشروعه الإبداعي وتألقه في تلك الصفة، إنه هو هاني شنودة المتاح دائماً للجميع.

 

كان هاني صديقاً للبسطاء وللفقراء وكان نصيرا للموهوبين، كان كما عرفته عن قرب يعتقد أن مساعدة الموهوبين ودفاعه عن المظلومين منهم هي مسألة يعامل فيها ربه عز وجل، إذ كان هاني شنودة يرى أن الموهبة هي عطاء الله وسره الذي يمنحه للبشر الذين يختصهم بنور الموهبة وبصيرة الإبداع.

ولذلك فلم يكن شنودة إلا ابن بيئته الأصلية طنطا بلد الأولياء والموالد العامرة بالإنشاد والغناء والسهر والطرق الصوفية.

 

كان يتصرف مثلهم مثل البسطاء الذين عرفوا الرحمة والعيش اليسير، وقد كان شنودة كما عرفته مسيحياً مؤمناً متديناً، أسهمت رؤيته الدينية المسيحية المصرية الأصيلة في سهولة فهمه للحياة والفن.

ولعل هذا النجم المتاح للجميع في يسر، هذا الذي يدير ستوديو خاص به مفتوح الأبواب للجميع قد جمع لمشروعه الموسيقى كل ما يحتاج إليه موسيقى كبير مبدع.

 

كان بابه مفتوحاً طوال اليوم هاتفه يجيب عن كل متصل بسيط وعميق كالبساطة حكيم مبهج صريح واضح يكره الكذب والادعاء كراهية التحريم.

ولعل تفسير رفضه أن يكون عازفاً في فرقة النجم الكبير عبد الحليم حافظ في بداية مشواره الفني هو ذات التفسير الذي جعله نجماً كبيراً متاحاً للجميع، فهو يعرف أن قيمة الإنسان في ذاته وفي قدرته على العمل.

 

لم يكن شنودة يفصل نفسه عن الناس وعن الشارع وعن كل الأجيال الجديدة، لم يصنع حول نفسه تلك الصبغة الغريبة من السكرتارية ومديري الأعمال والحرس ومسؤولي السوشيال ميديا، ولم يستخدم علاقاته الشخصية المؤثرة لصناعة مشهداً أو حفلاً أو تكريماً.

 

كان هاني شنودة الذي جاء وبقي ورحل هاني الذي هو من طنطا كما هو، ابن أقاليم مصر البسيطة التي يعرف الجميع فيها بعضهم البعض، إنها مدن مصر الجميلة التي دينها الإنسانية والتشاركية، وخاصة تلك التي نشأ فيها في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الماضي.

 

وقد عاش في العاصمة عمره كله مثلما جاء إليها هذا الفتى الغريب عنها الذي جاء إليها من أجل الفن والإبداع، ولعل ذلك هو سر العلاقة الروحية والإبداعية التي جعلت عبد الرحيم منصور الشاعر الكبير الراحل توأم روحه الإبداعي وصديقه الحبيب فهو مثله قد جاء من قنا في عمق صعيد مصر إلى قاهرة الفن والإبداع.

 

كان هاني يحمل روحاً مرحة ورؤية طفل مندهش، كان رجلا مهذبا جداً، بينما تبقى دهشته الدائمة هي سر قدرته على أن يمارس الإبداع كل يوم، كان شنودة حقاً سحراً خاصاً نجماً كبيراً بطابع مصري عظيم.

 

عمله مع كبار النجوم وألحانه وموسيقاه لنجاة الصغيرة وفايزة أحمد وأحمد عدوية، واكتشافه للنجمين الأكثر تأثيراً في الأغنية المصرية بعد عبد الحليم حافظ محمد منير وعمرو دياب وفرقته النجمة الكبرى "المصريين"، التي غيرت شكل الأغنية المعاصر في مصر والوطن العربي، لم يمنعه أن يحجب إبداعه الموسيقي عن مخرج شاب جاء إليه ليصنع ألحاناً وموسيقى لمسرحية جديدة يقدم بها نفسه، كان يمنحه نوره الإبداعي واسمه الكبير وآخر ما يسأل عنه المقابل المادي والذي كان يحصل عليه دون مناقشة طويلة دعماً لهذا الشاب.

 

وقد كنت مثل آخر شاب دعمه وتشاجر معه كي يعدل سلوكه ورؤيته للحياة، وكي يجعله يؤمن بأهمية الفن ودوره وتأثيره أو يتدخل أحياناً لحل مشكلات كبيرة له.

 

وقد كنت ذلك الشاب أيضاً عندما عرفته عام 1990، ذهبت إليه بترشيح من المخرج الكبير كرم مطاوع الذي قدم معه الرائعة المسرحية "إيزيس" لتوفيق الحكيم، فصنع لي الموسيقى التصويرية لمسرحيتي "البئر العجيب" للأطفال ولم يسأل عن المقابل المادي.

 

وقد لاحظت أن اللقاء معه سهلاً، لا طقوس خاصة ولا استعدادات بعينها، إنه يصنع الموسيقى كل صباح ككل الذين يذهبون للعمل مع إشراق شمس الله على دنيانا.

 

وظل صديقي عمراً كاملاً، جاء معي ليغني للناس في أسيوط مجاناً كي يحتفل معي بتجربة مسرحية في العمق المصري تجربة الفيل يا ملك الزمان لسعد الله ونوس - 2013 - وقد كانت من ألحان ملحن آخر مبدع هو أحمد إسماعيل وموسيقي عبقري محلي راحل هو محمد فرغلي، وقد احتفل بهما هاني شنودة كل الاحتفال، كان يمنح موهبته وإبداعه لمن يرى أنه يستحق ذلك.

 

هاني شنودة الذي أدخلني حياته اليومية كان بسيطاً جداً، الطعام القريب المتاح، السيارة التي تسير بأمان وهدوء الملابس التي تليق بالمواقف المتعددة، كان لا يفرح الفرح الكبير، ولا يحزن الحزن المؤلم، كان يؤمن بالله وككل أهل مصر الطيبة كان يترك أموره على الله.

كانت خصوصيته الإنسانية نادرة، كان يتطلف جداً مع الجدد الموهوبين ويتشدد جداً مع النجوم الكبيرة.

 

وفي تاريخ شنودة المعروف من الأعمال السينمائية والمسرحية والأغنيات التي وزع موسيقاها والتي لحنها ما لا أحتاج لذكره هنا، فهو مدون وحي ومسجل ومعروف للجميع ولكن يبقى شنودة الوجه النادر الذي أود أن أسطر بعضاً من السطور من نوره الإنساني، فقد كتب أكثر من عمل موسيقي سيمفوني كنسي ديني بطابع عصري هي كنوز مسجلة في أرشيفه الموسيقي تقترب من عالم الموسيقى المصرية القديمة والتفكير الموسيقي المبكر للكنيسة المصرية الأرثوذكسية، أعرف من قربي منه أنها كانت صلاته السرية وولعه بالتراث الموسيقي الكنسي والإسلامي معاً، ولم يحرص على نشرها فقد كان بالغ الحرص على إبعاد صفته الدينية على الدوام عن عمله الإبداعي، وكم طالبته بنشرها لأنها إبداع بالغ الجودة والاختلاف.

كان هاني مسيحياً مصرياً مؤمناً محباً للإسلام مادحاً للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، كما مدحه أهله أهل المحبة والسماح في مدينته الأولى طنطا، وأذكر ذلك التميز الآن ككاتب مسلم يجب ذلك الرجل المصري العظيم. 

 

عاش صداقة عمر معه واقترب من عالمه الإبداعي، وفي مكتبته موسيقى وألحان لمسرحيات ومشروعات غنائية لم تنشر ولم تصدر منها موسيقى سيمفونية وألحان شرقية من كلمات الشاعر حسن رياض كمسرحيتي التي لم تر النور "باب التوفيق"، وهي عمل موسيقي غنائي أتمه شنودة كاملاً وتعثر المشروع الذي ترك في علاقة محمد سلماوي الكاتب الكبير بالمسرح مسافة ابتعاد وألم كما تركها في وجداني ووجدان هاني شنودة.

 

أعرف أيضاً مشروعات إبداعية أخرى مؤجلة وألحانا وأفكارا عديدة في أرشيفه الموسيقي المحفوظ في الاستوديو الخاص به بالهرم، ولذلك أتمنى من نادر هاني شنودة وأخته دينا ابنة الراحل الكبير الحفاظ على هذا الإرث وإطلاقه بذات الروح وبنفس طريقة تعامل المبدع هاني شنودة مع الإبداع بيسر وحرص واحترام ومحبة.  

 

كان هاني شنودة أيضاً عبر دراسته العلمية للموسيقى الغربية صاحب طريقة خاصة في استقامة صوت المغني والتزامه باللحن سليماً واضحاً، وكل جملة موسيقية لهاني شنودة يقف خلفها فهماً لذلك الجمع النادر بين فهم الموسيقى الشرقية والغربية معاً، وسعي لا ينقطع نحو عمق البساطة.  

 

وهو صاحب طريق رائد في تجديد الغناء المصري حقاً مع فرقة المصريين ومع إطلاق نجوم الغناء الجدد وتفرده في الموسيقى التصويرية للسينما وموسيقاه وألحانه للمسرح، كان يجمع بين العلم الموسيقي وروح الإبداع التي تبقى في ذاكرة الجماهير الكبيرة، وسيبقى إبداعه حاضراً لأجيال جديدة قادمة.

 

هاني شنودة ذلك العملاق الحقيقي الذي كان يعيش كالزاهد في الحياة تواضعاً وبساطة هو تواضع العباقرة الأصلاء من أهل مصر العظيمة، لا نقول وداعاً هاني شنودة موسيقار مصر الكبير، بل نحتسبك حقاً في جنة الفردوس الأعلى إن شاء الله الغفور الرحيم.

تم نسخ الرابط