تراجع ناقلتين سعوديتين هذا الأسبوع عن استكمال رحلتهما عبر باب المندب ليس حدثًا ملاحيًا عابرًا أو ساذجًا، بل تطورًا يحمل دلالات تتجاوز حالة المنع. الناقلة التى تعدل من مسارها.. دون أن يتم استهدافها عسكريًا، تعنى أن منطق الردع.. تجاوز استخدام القوة، وأن القرار الملاحى صار رهن تقدير المخاطر أكثر من كونه يخضع لحرية الملاحة البحرية.
تحول استراتيجى..
منذ بدء التصعيد عند مضيق باب المندب الذى يمثل المدخل الجنوبى للبحر الأحمر، يتصاعد تأثير التهديد الملاحى بصورة مباشرة على حركة ناقلات النفط.
وهو ما يعنى أن جماعة الحوثيين.. لم تعد فى حاجة إلى تنفيذ هجوم ضد كل سفينة حتى تؤثر على حركة الملاحة والتجارة الدولية.. وأصبح مجرد احتمال الاستهداف.. يكفى لتغيير قرارات شركات الملاحة العابرة للقارات وشركات التأمين الدولية، وهو ما يمثل مرحلة خطيرة فى طبيعة الصراع البحرى، ولم يعد التعبير عن السيطرة.. يحتسب بعدد السفن التى تستهدف وتصاب، ولكن بعدد السفن التى تتراجع عن عبور مضيق باب المندب.
الردع أم الاشتباك..
فى الحروب البحرية التقليدية.. كانت السيطرة على الممرات الدولية تتم من خلال الأساطيل الضخمة أو الاحتلال العسكرى لها، غير أن الواقع لما يحدث فى البحر الأحمر متغير تمامًا.
جماعة الحوثيين لا يملكون قوة عسكرية بحرية لديها القدرة على إغلاق باب المندب أو فرض حصار عسكرى عليه بالمفاهيم القديمة، ولكن نجحت جماعة الحوثيين فى تنفيذ استراتيجية تستهدف المنع من حرية المرور عبر رفع تكلفة العبور.
السيطرة البحرية.. تعنى امتلاك القدرة على استخدام البحر بحرية للبعض ومنع آخرين من ذلك، بينما حرمان البعض من العبور.. يستهدف أن يكون استخدامه مكلفًا ومعرضًا للمخاطر، وهو ما تعكسه بدقة حادثة منع عبور الناقلتين السعوديتين.
إدارة النفوذ البحرى..
البحر الأحمر ليس مجرد شريان ملاحى بحرى مختصر بين آسيا وأوروبا، ولكنه أحد أهم المسارح الجيوسياسية الفائقة الأهمية فى العالم، ولذا نجد التواجد القوى للولايات المتحدة الأمريكية بمعسكر ليمونييه فى جيبوتى لإدارة أحد أهم الشرايين البحرية العالمية، مثلما نجد الوجود العسكرى الصينى.. خارج محيطها المباشر عبر قاعدة دورالية، لحماية خطوط التجارة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. بالإضافة إلى ما سبق، فإن القوى الإقليمية والدولية.. أصبحت تنظر إلى باب المندب باعتباره وسيلة للضغط والتفاوض أكثر منه هدفًا عسكريًا.
لقد وظفت إيران ورقة جماعة الحوثيين كأداة ضغط غير مباشر. وبالمواكبة مع ذلك، تقوم إثيوبيا فى ظل كل تلك الاضطرابات بطرح مشروعها القديم للحصول على منفذ دائم على البحر الأحمر. وهو نوع من استغلال تلك الحالة.. لإعادة فتح ملفات كانت تبدو مغلقة.
على هذا النحو، أصبحت مسألة «عسكرة البحر الأحمر».. هى نتيجة طبيعية للصراع الذى أصبح جزءًا من خريطة النظام الإقليمى والعالمى الجديد.
الخطر.. استثمار اقتصادي
تقدير موقف ما يحدث الآن، يؤكد على أن «عسكرة البحر الأحمر».. ترتب عليها ظهور نمط جديد من الاقتصاد المتركز على إدارة المخاطر.. لأنه كلما ارتفعت مستويات التهديد، حققت شركات النقل.. مكاسب نتيجة ارتفاع قيمة الشحن بسبب تغيير المسارات البحرية وإعادة توزيع السفن على خطوط ملاحية مغايرة وإطالة زمن الرحلات ومسافتها، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وارتفاع تقييم عقود أقساط التأمين البحرى بأشكال مبالغ فيها لمستوى المخاطر، وزاد الاحتياج إلى طلبات خدمات الأمن البحرى للحراسات المسلحة. وهوما يستدعى ارتفاع الطلب على الانتشار العسكرى وبناء القواعد العسكرية.
لم يعد التوتر مجرد نتيجة للأزمات الإقليمية، بل خلق منظومة اقتصادية.. تحقق عوائد مادية ضخمة.. لعدد كبير من الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة. منظومة تستفيد من بقاء التوترات واستمرارها أكثر مما تستفيد من إنهائه.
إنها حالة من توظيف الخطر الداهم على المنطقة.. ليصبح الخطر مصدرًا للاستثمار الاقتصادى، أو بمعنى أدق يتحول الخطر إلى سلعة اقتصادية.
تسعير المخاطر البحرية..
«عسكرة البحر الأحمر» نموذج لاستثمار المخاطر البحرية اقتصاديًا.. وهو ما جعل العديد من الأطراف تحقق أنواعًا مختلفة من المكاسب سواء سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
يختلف الموقف المصرى عن غيره.. لأن قناة السويس لا تتأثر بعدد الهجمات البحرية لجماعة الحوثيين وانخفاض مرور السفن والناقلات، وإنما تتأثر بطبيعة قرارات شركات الملاحة البحرية العابرة للقارات.. لأنه كلما اقتنعت تلك الشركات بأن المخاطر أصبحت مرتفعة، فإنها تعيد توجيه أساطيلها وناقلاتها إلى مسارات بديلة على غرار طريق رأس الرجاء الصالح.. حتى لو لم تتعرض لأى استهداف مباشر، أو بإبرام عقود طويلة الأجل على خطوط أخرى.
تكمن المشكلة الأساسية فى أن السوق العالمية تعود بسرعة إلى حالتها السابقة بعد انتفاء أزمات التوتر.. لأن شركات الملاحة البحرية تعيد تنظيم شبكاتها اللوجستية، وتعيد شركات التأمين تسعير المخاطر، وهو ما يتحول إلى حالة اقتصادية جديدة.
ولهذا فإن خسائر قناة السويس لا يمكن قياسها بانخفاض الإيرادات الحالية لرسوم العبور، ولكن بتغير السلوك طويل الأجل للتجارة البحرية العالمية. ومدى القدرة على استعادة الأنماط التجارية السابقة. وهنا تتجاوز حماية قناة السويس مقتضيات الأمن البحرى إلى إدارة المخاطر الاقتصادية العالمية.
مكاسب استمرار الأزمة..
ارتفاع مستويات التهديد والصراع العسكرى فى البحر الأحمر.. يكشف تدريجيًا زيادة عدد المستفيدين من استمرار مستوى التوتر المتصاعد، وهو ما يمنح القوى الإقليمية والكبرى مبررًا لوجودها العسكرى، كما يمنح شركات التأمين البحرى فرصة لزيادة نطاق عملها ومجالاتها التأمينية، مثلما يمنح شركات الأمن البحرى أرباحًا إضافية مهولة. الدول المستضيفة للقواعد العسكرية تعزز مواردها ونفوذها، والقوى الإقليمية توظف البحر الأحمر.. كورقة ضغط وتفاوض فى ملفات سياسية واقتصادية أخرى.
تظل مصر هى الدولة التى تتحمل التكلفة المباشرة لـ «عسكرة البحر الأحمر» لأن جزءًا من اقتصادها مرتكز على استقرار هذا الممر، الأزمة ليست فى مجرد كونها حالة أمن ملاحى، بل الأزمة فى التوزيع غير المتكافئ للعوائد والخسائر.
3 سيناريوهات..
السيناريو الأول: هو ترسيخ حالة الردع بحيث تستمر التهديدات.. دون الوصول إلى إغلاق كامل لباب المندب، ومع استمرار تعديل المسارات الملاحية.. لبعض الناقلات، وارتفاع تكاليف التأمين، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا.. لأنه يحقق توازنًا بين الضغط وتجنب الحرب الشاملة.
السيناريو الثانى: يتمثل فى تصعيد متبادل.. سيؤثر على الناقلات الخليجية بصورة مباشرة، مما سيدفع الولايات المتحدة الأمريكية وشركاءها إلى تصاعد العمليات البحرية، وربما يصل التصعيد إلى إنشاء ترتيبات أمنية أكثر تشددًا فى باب المندب، وهو ما سينتج عنه.. ترسيخ حالة «عسكرة البحر الأحمر» لسنوات طويلة قادمة.
السيناريو الثالث: يرتبط بتفاهمات سياسية.. تشمل الحرب فى غزة والملف اليمنى والعلاقات الأمريكية – الإيرانية.. بما يسمح بانخفاض حدة التوتر تدريجيًا، غير أنه سيظل الأقل احتمالًا فى ظل هذا التشابك المعقد جدًا للملفات الإقليمية.
نقطة ومن أول السطر..
تغيير مسار الناقلات من باب المندب هو علامة على التحول فى طبيعة الصراع البحرى. المعادلة البحرية الجديدة.. لا ترتكز على إغلاق مضيق باب المندب بالقوة، وإنما على ترسيخ حالة المرور عبره.. قرار اقتصادى وأمنى أكثر تشبيكًا متقاطعًا مع مصالح وأجندات دولية.
يقترب البحر الأحمر من التحول إلى ساحة منافسة مستمرة بين القوى الدولية والإقليمية، بينما تصبح مصر من خلال قناة السويس.. أكثر المتأثرين بالتغير فى مواجهة تحديات المخاطر، حتى وإن ظلت تبدو بعيدة عن الاشتباك المباشر.
ترى، هل يستطيع أحد إغلاق مضيق باب المندب؟ ومن الذى يملك القدرة على إقناع العالم بأن المرور عبره لم يعد يستحق المخاطرة؟
إنه تحدى مستقبل البحر الأحمر، ومستقبل قناة السويس خلال السنوات القليلة المقبلة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



