السفير الدكتور على بن إبراهيم المالكى الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لـ«روزاليوسف»:
العلاقات العربية الصينية صمام الأمان اقتصاديًا
فى وقت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تبرز العلاقات العربية الصينية كأحد أكثر نماذج التعاون الدولى استقرارًا ونموًا. فمنذ تأسيس منتدى التعاون العربى الصينى عام 2004، نجح الجانبان فى بناء شراكة متكاملة امتدت من التجارة والطاقة إلى الاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا الحديثة، وصولًا إلى التنسيق فى القضايا التنموية والاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك.
وفى هذا الحوار الخاص مع «روزاليوسف»، يؤكد الدكتور على بن إبراهيم المالكى، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الشئون الاقتصادية بجامعة الدول العربية، أن العلاقات العربية الصينية تمثل نموذجًا ناجحًا لتعاون الجنوب –الجنوب، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تحمل فرصًا غير مسبوقة لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، خاصة فى مجالات التحول الرقمى والطاقة النظيفة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي وإلى نص الحوار.
ما أهمية القمة العربية الصينية الثانية فى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، وما أبرز النتائج المأمولة منها على المستوى الاقتصادي؟
- تمثل بلورة هذه العلاقات فى إطار قمة عربية صينية زخمًا جديدًا للعلاقات بين الجانبين، لا سيما على المستويات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية. كما باتت هناك حاجة ملحة لتعزيز العلاقات المشتركة والارتقاء بها إلى مستويات أكثر تقدمًا من الشراكة الاستراتيجية، والاستفادة من التطور التكنولوجى الذى وصلت إليه الصين فى عدد من المجالات ذات الاهتمام المشترك، ومنها الاقتصاد والتجارة والاستثمار والصناعة وسلاسل الإمداد والنقل والمواصلات والطاقة وحماية البيئة والزراعة والأمن الغذائى والسياحة، إلى جانب دراسة إمكانات التعاون فى مجالات حديثة أخرى، مثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) وريادة الأعمال.
كما تمثل هذه القمة المرتقبة نقلة نوعية فى سياسات الدول العربية، وستدعمها فى الاستفادة من المتغيرات التى يشهدها النظام العالمى من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين. وفى المقابل، توفر للصين فرصة مهمة لتلبية احتياجاتها من الطاقة والوقود من الدول العربية، وتعزيز حضورها الاقتصادى والتنموى على الساحة الدولية.
ورغم الإعلان، فى مايو 2026، عن تأجيل انعقاد النسخة الثانية من القمة فى بكين، والتى كانت مقررة فى يونيو 2026، نظرًا للأوضاع الإقليمية فى الشرق الأوسط، فإن اللجان التحضيرية والملفات الاقتصادية الأساسية لا تزال تحظى باهتمام كبير لتعميق الشراكة بين الجانبين. ومن أبرز هذه الملفات: أمن واستدامة سلاسل الإمداد، والتسوية بالعملات المحلية، والجيل القادم من الطاقة، بما يشمل الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والابتكار النووى السلمى، فضلًا عن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.
ما أبرز الفرص المتاحة أمام الدول العربية للاستفادة من مبادرة الحزام والطريق خلال المرحلة المقبلة؟
- تتيح المبادرة للدول العربية فرصًا استراتيجية لإعادة تموضعها فى خريطة الاقتصاد العالمى عبر عدة محاور رئيسية، من أبرزها:
الممرات اللوجستية المتقدمة: تعظيم الاستفادة من المشروعات اللوجستية القائمة، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والموانئ الخليجية والمغاربية، لربط خطوط الملاحة البحرية الصينية بأسواق أفريقيا وأوروبا.
سد فجوة البنية التحتية: الاستفادة من التمويل الميسر الذى يتيحه البنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية (AIIB) لتطوير شبكات النقل والسكك الحديدية عالية السرعة.
الأمن الغذائى والزراعة الذكية: نقل التقنيات الصينية الحديثة لمواجهة الجفاف والملوحة، وتطوير سلاسل التبريد والتخزين الزراعى، بما يسهم فى رفع معدلات الاكتفاء الذاتى العربي.
ما القطاعات الواعدة التى يمكن أن تشهد توسعًا أكبر فى التعاون العربى الصينى؟
- تعد مشروعات الاستثمار والبنية التحتية من أبرز القطاعات المرشحة لمزيد من التوسع خلال المرحلة المقبلة، وذلك من خلال تفعيل آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوسيع دور الرابطة الصينية العربية للمؤسسات المالية فى دعم المشروعات العابرة للحدود.
كما يمثل التحول الرقمى أحد أهم مجالات التعاون المستقبلية، من خلال إنشاء مراكز بيانات مشتركة، وتعزيز التعاون فى تقنيات الذكاء الاصطناعى، وتطوير شبكات الجيلين الخامس والسادس، بما يسهم فى دعم مشروعات المدن الذكية والتحول الرقمى الشامل.
ما الدور الذى تضطلع به جامعة الدول العربية فى تنسيق وتعزيز التعاون الاقتصادى مع الصين، وما الخطط المستقبلية فى هذا الإطار؟
- تستطيع منظومة العمل العربى المشترك، تحت مظلة جامعة الدول العربية، أن تضطلع بأدوار محورية فى تنسيق وتوحيد المواقف التفاوضية للدول العربية، بما يضمن تحقيق أفضل الشروط الاستثمارية الممكنة، إلى جانب متابعة تنفيذ البرنامج التنفيذى لمنتدى التعاون العربى الصينى (2024-2026)، الذى يتم تحديثه بصورة دورية كل عامين.
ومن بين الأدوات المهمة فى هذا الإطار:
المؤسسات المالية العربية: حيث توجد فرصة كبيرة للدخول فى مشروعات تمويل مشترك مع بنك التنمية الصينى لدعم المشروعات الإقليمية الكبرى، مثل مشروعات الربط الكهربائى العربى وغيرها من القطاعات الاقتصادية الحيوية.
اتحاد الغرف العربية: من خلال تنشيط الدبلوماسية الاقتصادية لرجال الأعمال، وتنظيم المعارض والملتقيات ومجالس الأعمال الدورية للتعريف بالفرص الاستثمارية فى المحافظات والمدن العربية الواعدة خارج العواصم الاقتصادية الكبرى، وتعزيز التعاون مع المقاطعات الصينية المختلفة ضمن الإطار الحكومى والرسمى الذى يوفره المنتدى.
ما التحديات والصعوبات التى يمكن أن تعوق تنفيذ المشروعات العربية الصينية المشتركة؟
- تكمن التحديات، بصورة عامة، فى كيفية توفير التمويل اللازم لتنفيذ عدد من المشروعات المشتركة الكبرى. ومع ذلك، فإن التعاون العربى الصينى يسير فى مساره الصحيح بخطى ثابتة نحو تعزيز العلاقات الثنائية، بما يحقق المصالح المشتركة للطرفين فى العديد من مجالات التعاون المختلفة.
كيف ترون مستقبل العلاقات الاقتصادية العربية الصينية خلال العقد المقبل، فى ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة؟
- يتجه مستقبل التعاون العربى الصينى نحو مرحلة من «الاعتماد المتبادل الاستراتيجي»، فى ظل موجات التضخم العالمية، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وتصاعد النزعات الحمائية. وفى هذا السياق، يمثل التعاون العربى الصينى صمام أمان للطرفين.
فبالنسبة للدول العربية، توفر الصين سوقًا مستقرة ومصدرًا مهمًا للتكنولوجيا دون شروط سياسية معقدة. أما بالنسبة للصين، فيمثل العالم العربى شريكًا موثوقًا فى مجال الطاقة ومحورًا جغرافيًا لا غنى عنه لنجاح استراتيجياتها الدولية. ويبقى التحدى الأساسى فى قدرة الجانبين على إدارة الضغوط الجيوسياسية الخارجية والحفاظ على مرونة ممرات التجارة العالمية.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



