قضية الحسبة ضد المفكر المصرى نصر حامد أبو زيد بدأت عام1993 م، بعد التشكيك دينياً فى أبحاثه من أساتذة بجامعة القاهرة، وتطورت لرفع دعوى تفريق بينه وبين زوجته بعد اتهامه بالردة.
وصدر حكم نهائى من محكمة النقض بالتفريق فى 5 أغسطس 1996م، مما أدى لمغادرته وزوجته إلى المنفى فى هولندا، واستمرت القضية كرمز للنقاش حول حرية التعبير والتكفير.
إذ اتهم د.عبدالصبور شاهين وآخرون، د.نصر أبو زيد بالكفر بعد أبحاث قدمها لترقيته أستاذاً فى جامعة القاهرة، ورفعوا دعوى حسبة 1993م، وقضت محكمة أول درجة بعدم قبول الدعوى فى يناير 1994م.
وحكمت محكمة استئناف القاهرة بالتفريق بين أبو زيد وزوجته فى يونيو 1995م، بعدها غادر نصر أبو زيد إلى هولندا كمنفى اختيارى فى أغسطس 1995م، ثم أيدت محكمة النقض حكم التفريق في5 أغسطس 1996م.
ثم صدر القانون رقم 3 لسنة 1996م، الذى قيد رفع دعاوى الحسبة، وجعلها من اختصاص النيابة العامة فقط، وهو القانون الذى عرف بقانون نصر أبى زيد فى يناير 1996م.
تسببت القضية فى جدل حول قضايا التكفير وحرية البحث العلمى، وعاد بعدها أبو زيد لزيارة مصر مرات قليلة قبل وفاته فى 2010م.
إن الماده الثانية من الدستور المصرى تجعل مبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الأساسى للتشريع، وبالاحتكام لهذه المادة يمكن تنقية القوانين من كل تجريم للفكر والعقائد، خاصة أن آيات القرآن الكريم تؤجل الحكم على الفكر والعقيدة إلى الله تعالى يوم القيامة.
وفى القرآن الكريم لا توجد عقوبة دنيوية على قضايا الفكر والعقيدة، بل أجل الحكم فيها إلى الله تعالى يوم القيامة: (قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) الأنعام 57.
والكثير من آيات القرآن الكريم تؤكد على حرية الناس فى تأدية حقوق الله تعالى فى العقيدة وفى العبادات، وتؤكد على إرجاع الحكم على الناس الى الله تعالى وحده يوم القيامه: (إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) الزمر 41، وليس لأحد أن يزعم لنفسه الحكم على عقائد وأفكار الناس.
أما حقوق الناس فمن أجلها شرع الله عقوبات لحفظها، ولذلك فإن حقوق الأفراد تستوجب التدخل لرفع الظلم عن المظلوم، وهنا تكون الحسبة لإقرار حقوق الأفراد إذا تعرضوا لأى اعتداء.
لقد ظلمت الحسبة نصر أبوزيد الذى دافع عن حقوق المرأة، وعن مفهوم المواطنة وحق المواطن بالمشاركة فى تقرير مصيره، وأكد فى نقده للخطاب الدينى على ضرورة وجود الدين فى أى خطاب يهدف للنهضة، وعمل فى كل كتاباته لوقف عملية تديين السياسة وتسييس الدين.
وعندما مات نصر أبوزيد استكثر البعض عليه الدعاء بالرحمة، فقد اتصلت وقتها سيدة لتسأل شيخاً فى أحد برامج القنوات الفضائية: «لو القضاء حكم بتكفير شخص ينفع نقول بعد موته ربنا يرحمه؟، فيرد الشيخ: إنت بتتكلمى عن «نصر حامد أبوزيد»؟، لا وإنما نقول أفضى إلى ما قدم، وهذه الكلمة تقال إلى كل شخص نحسب أنه من المشركين».
إن مشهد المفكر المسافر إلى المنفى ومتابعته بشماتة من الذين قاموا بتكفيره، يذكرنا بما حدث لمن ضحوا فى سبيل الحرية والفكر مثل قتل ابن المقفع، وسجن جابر بن حيان حتى الموت، وصلب الحلاج، وإعدام السهروردى، واتهام أبو بكر الرازى والكندى والفارابى بالكفر، وفى العصر الحديث يجبر المفكرون على مغادرة وطنهم ليعودوا إليه موتى أو في صراع مع الموت.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



