لا يملك التاريخ ترف النسيان، بل إن ميزته الكبرى تكمن فى عناده؛ فهو يحتفظ بالوثائق والأرقام ليُعيد قراءتها فى التوقيت الذى يظن فيه أصحاب السرديات المصنوعة أنهم أحكموا قبضتهم على الوعى العام.
إن المعارك السياسية لا تُسقط الروايات الكبرى لأن خصومها أقوياء، بل لأن تلك الروايات تحمل بذور فنائها فى داخلها، عندما تعجز بفعل الزمن عن مواكبة العصر وتفسير تحولاته.
لطالما كانت استراتيجية «المظلومية واستدعاء ذاكرة الألم» الوقود الأكثر اشتعالًا فى أدبيات الحشد الإخوانى؛ حيث يُعاد تدوير المعاناة لتصبح هويّة بديلة، يُقاس بها الولاء، وتُبرر من خلالها الأزمات.
لكن هذه اللعبة تفقد سحرها وتصطدم بالجدار عندما تتدفق الحقائق والوقائع المتسارعة، بينما يصر الخطاب الإخوانى على التخندق فى ماضٍ متخيل.
وتأتى تجربة جماعة الإخوان المتأسلمين كنموذج حى ومثالى لهذا التآكل الحتمى؛ فالجماعة التى استثمرت لعقود طويلة فى رأسمال المظلومية، استيقظت لتجد نفسها فى العقد الأخير أمام واقع عارٍ ومكشوف.
واقع لم تعد تنفع معه الأقنعة القديمة، ولم تعد سردية الضحية كافية لتبرير الجرائم أو الفشل، أو قادرة على الصمود أمام وعى جمعى عام، بات يزن الخطاب بميزان الأرقام والأحداث والعقل والمنطق، لا بميزان العواطف والشعارات والسرديات الوهمية المُختلقة أو التى تم تضخيمها مرات ومرات.
صناعة الضحية..
لم تقف «المظلومية» فى وعى الجماعة الإرهابية عند حدود توثيق محطات الصدام التاريخية، بل جرى تسييسها وتجذيرها حتى تحولت إلى ركيزة بنيوية داخل الخطاب التنظيمى المتطرف.
ومع مرور الزمن، لم تعد الذاكرة مجرد سجل للماضى، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاج الحاضر؛ تُستدعى عند كل أزمة، وتُستثمر فى شحن الولاء، ويُعاد من خلالها تفسير التحولات السياسية بمنطق ثابت لا يكاد يعترف بتعدد الأسباب أو تغير السياقات.
وفى الحالة الإخوانية، لم تعد المراجعة ترتبط بما يقوله الخصوم وحدهم، بل بما كشفته أيضًا وثائق منشورة، وأحكام قضائية، وشهادات لقيادات وأعضاء سابقين، فضلًا عن الوقائع التاريخية المرتبطة بأحداث مفصلية فى تاريخ التنظيم، مثل اغتيال رئيس الوزراء أحمد ماهر فى بهو البرلمان المصرى العريق، واغتيال محمود فهمى النقراشى فى بهو مقر وزارة الداخلية المصرية الأصيلة، ومحاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى المنشية، وصولًا إلى اغتيال النائب العام هشام بركات والمقدم محمد مبروك.
وقد ظلت هذه الوقائع، بما دار حولها من تحقيقات وأحكام وسجالات تاريخية، جزءًا من النقاش المستمر حول علاقة الجماعة بالعنف السياسى، كما أصبحت عنصرًا أساسيًا فى تقييم خطابها وروايتها عن نفسها.
تصدع الجدران
جاء التحول الأبرز فى مسار مراجعة السردية الإخوانية من داخل أسوار التنظيم الإرهابى نفسه، لا من خارجه.
فخلال السنوات الأخيرة، انتقلت مطرقة النقد من يد الخصوم التقليديين إلى أيدى قيادات وأعضاء حاليين وسابقين، خرجوا بشهادات وبيانات ومراجعات كشفت للرأى العام حجم الخلافات التى كانت تدور خلف الأبواب المغلقة.
ولم تعد النزاعات المتعلقة بالقيادة، وإدارة الموارد، وآليات اتخاذ القرار، حبيسة الاجتماعات التنظيمية، بل تحولت إلى سجال علنى على المنصات الإعلامية ووسائل التواصل، وتبادلت خلاله الجبهات المختلفة الاتهامات بشأن الشرعية التنظيمية، والتمثيل، والإدارة، والشفافية المالية.
وبذلك انتقلت الخلافات من كونها أزمة داخلية إلى عنصر مؤثر فى الصورة العامة للجماعة.
ومع توالى البيانات المتعارضة، والشهادات المتبادلة، فقدت الصورة التقليدية للتنظيم المنضبط، الذى يتحدث بصوت واحد ويخضع لمنظومة صارمة من السمع والطاعة، كثيرًا من قدرتها على الإقناع لدى قطاعات من المتابعين.
وأصبحت الأسئلة التى يطرحها أبناء التنظيم السابقين لا تقل تأثيرًا عن الانتقادات التى يوجهها الخصوم.
فالصورة التى رُسمت طويلًا لتنظيم (ربانى) متماسك ومتجانس باتت تواجه اختبارًا مختلفًا فرضته الوقائع المعلنة، لتظهر الجماعة، فى نظر الغالبية العظمى من الناس، بوصفها تنظيمًا يواجه صراعات على القيادة والنفوذ، ارتكب من الجرائم السياسية والجنائية والإرهابية، ما ينزع عنه قناع المظلومية، ويدعو إلى مزيد من البحث والتوثيق لتاريخ هذه الجماعة المجرمة.
سطوع الوثائق
والمفارقة الكبرى أن أشد الضربات مصداقية لهذه السردية لم تأتِ من الخصوم، بل جاءت من شهادات وتوثيقات أقطاب التنظيم أنفسهم؛ إذ تكشفت مع الوقت حقيقة فبركة كتاب «أيام من حياتى» لزينب الغزالى، والذى جرى تضخيم رواياته وصناعة «ميثولوجية تعذيب خيالية» لاستدرار العواطف وحشد الأتباع، ثم اتضح بعد ذلك أن الكتاب من شيطان خيال القيادى الإخوانى يوسف ندا، وهو نفسه الذى ضمن كتاب محمد الغزالى «قذائف الحق»؛ وثيقة مفبركة تزعم أن مؤسسات الدولة تحارب الإسلام، وذلك باعتراف قيادات إخوانية شهدت بهذا التزوير بعد أربعة عقود من خداع البسطاء.
إن هذا التضافر بين لغة الاعترافات والحقائق، والوثائق التاريخية الفاضحة، وضع الجمهور أمام مرآة الحقيقة؛ ليتحول المشهد من «مظلومية مقدسة» إلى واقع عارٍ يسهل نقده وتفكيكه بميزان العقل والوقائع والوثائق والاعترافات.
أقنعة الضحية
جاء التحول الأبرز فى وعى المجتمعات المعاصرة لينقل النقاش من السؤال الهش والمضلل الذى فرضه التنظيم لسنوات: «مَن هو الضحية؟»، إلى أسئلة حتمية تفكك جوهر الممارسة الإرهابية وتكشف العورة البنيوية للجماعة.
لم تعد الشعارات الإخوانية قادرة على الصمود؛ فالرأى العام لم يعد أسيرًا لرواية أحادية، بل بات يُدرك أن جماعة الإخوان الإرهابية لطالما لجأت إلى استراتيجية «المظلومية المصطنعة» كدرع وقائى، ومحاولة بائسة لغسل سمعتها والتغطية على سجلها الحافل بالجرائم والتفجيرات والاغتيالات.
إن بكائيات التعاطف واستدعاء ذاكرة الألم لم تعد سوى أداة تضليلية للهروب من المحاسبة الجنائية والأخلاقية، ولم تعد تنطلى على عالم بات يزن الخطاب بميزان الوقائع الصلبة لا الشحن العاطفى.
ومن هذه الزاوية، سقطت الأقنعة وانتقل التقييم من مربع السرديات العقائدية الزائفة إلى تشريح ميدانى واقعى؛ حيث يرى الباحثون والمتابعون اليوم بوضوح كيف يُعاد تدوير خطاب الضحية كغطاء لشرعنة العنف والتحريض، مما يضع التجربة برمتها تحت مقصلة النقد والمحاسبة التاريخية بأدوات كاشفة لم تكن سائدة من قبل، بعد أن كانت تُقدَّم باعتبارها تفسيرًا نهائيًا للتاريخ.
محكمة التاريخ
يبقى التاريخ قاضيًا صارمًا لا يعرف الولاءات السياسية ولا ينحاز إلى البكائيات؛ فهو لا يمنح صكوك البراءة لسردية لأنها هندست بإحكام وتكررت لعقود، ولا يدين أخرى لمجرد أنها واجهت العواصف.
إن له ميزانًا واحدًا لا يميل: صدقية الوقائع، وحجية الوثائق، وقدرة السردية على تفسير الحاضر دون أن تتناقض مع حقائقه.
وهذا هو الدرس الأعمق؛ فالمعارك الفكرية والسياسية لا تُحسم بصخب الخطب، ولا تعيش على إيقاع الشعارات، وإنما تُختبر بقدرتها على الصمود أمام الزمن..
الخزانة الأمريكية: تفكيك شبكات مالية للإخوان وحماس
أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، فرض عقوبات على مسئول كبير فى جماعة الإخوان فى مصر، إلى جانب 3 أفراد و3 كيانات، بتهمة تقديم دعم مادى لحركة حماس، التى تصفها الوزارة بأنها فرع من التنظيم.
وقال وزير الخزانة الأمريكى، سكوت بيسنت: «ستواصل إدارة الرئيس ترامب ملاحقة العناصر ومن يمولهم بلا هوادة، سواء كانوا يعملون تحت غطاء جمعيات خيرية أو شركات أو شبكات مالية سرية»، مضيفًا إن «كل من يساند حماس سيتم كشفه وفرض العقوبات عليه ومحاسبته».
العقوبات تكشف شبكة متعددة المستويات تستخدمها جهات مرتبطة بجماعة الإخوان ومنظمات واجهة تديرها حماس لجمع الأموال عبر الحدود، باستخدام جمعيات خيرية وشبكات مصرفية سرية، وأشار البيان إلى أن الإجراءات جاءت استكمالًا لعقوبات فُرضت فى 21 يناير و12 مارس2026، بالتنسيق مع مكتب التحقيقات الفيدرالى، وإدارة مكافحة المخدرات، وهيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.
وذكر البيان أن محمود الإبيارى، المقيم فى المملكة المتحدة، يعد من كبار قادة جماعة الإخوان المصرية، ويشغل منصب الأمين العام للأمانة العامة للجماعة. وزعم أنه دعم حملات جمع تبرعات لمؤسسات سبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، بينها «فلسطين وقف» و«حياة يولو»، بسبب ارتباطها بحماس، ولذلك فُرضت عليه العقوبات بموجب الأمر التنفيذى رقم 13224 بصيغته المعدلة.
وأضاف البيان إن منظمة «توجاه بولاه غلوبال» فى إندونيسيا، المعروفة أيضًا باسم «سيفن سبايكس غلوبال»، وجمعية «مدد فلسطين» فى غزة، أُنشئتا لجمع الأموال لصالح الجناح العسكرى لحماس.
كما شملت العقوبات شركة «القاهرة للتجارة العامة» فى تركيا، ومالكها خلدون خميس زكريا الدين، إلى جانب زيد عصام أحمد الجبورى وعبد الله عصام أحمد الجبورى، بدعوى تقديم خدمات مالية سرية وتحويل أموال لصالح حماس.
وأوضح البيان أن العقوبات تقضى بتجميد جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والكيانات المشمولة بها داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أمريكيين، مع حظر إجراء أى معاملات معهم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



