الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

منذ نشأة جماعة الإخوان، ظل شعار «الإسلام هو الحل» يُرفع فى وجه الجماهير كوعد بالخلاص، بينما كانت خيوط أخرى تُنسج فى الخفاء، تربط قيادات الجماعة بأطراف خارجية لا تجمعها بالوطن سوى المصلحة العابرة للحدود. هذه الازدواجية بين الخطاب المعلن والممارسة الخفية هى جوهر القضية، فهذه جماعة قدّمت نفسها حارسة للدين، بينما كانت فى العمق أداة تُحرَّك بخيوط من الخارج كلما اقتضت مصلحة خصوم الوطن والدين، حتى بدا أن الشعارات التى رفعتها لم تكن سوى واجهة تخفى وراءها حسابات أكثر تعقيدًا.


ولذلك لم تكن قرارات الجماعة السياسية يوما انعكاسا لقناعات عقدية خالصة، بل كانت فى جوهرها مرتبطة بتدفقات مالية غير معلنة، حتى إن أرشيف التمويلات الأجنبية التى تدفقت على تلك الجماعة يكشف عن شبكة معقدة من الدعم المالى القادم من جهات إقليمية ودولية، تم توجيهه لا لخدمة قضايا التنمية أو الإصلاح، بل لتحريك الشارع وضرب الاستقرار الداخلى فى أدق لحظات البلاد وأخطرها. 
 


ولم تكن تلك الأموال بريئة أبدا، بل إن توقيتها وحده كاف لفضح غايتها، فما من أزمة داخلية كبرى إلا وتزامنت مع تدفقات مالية من الخارج، وما من محطة استقرار فى البلاد إلا وأعقبتها محاولة لإرباكها.
 


وإن أنسى لا أنسى ما طرحه خيرت الشاطر على مكتب الإرشاد فى يناير من عام 1991 فى دراسة اقتصادية كان قد تم تكليفه بها، وقد أورد فيها نصا :( قد يخسر الإخوان الانتخابات، وقد تحلها الحكومات، وقد تغيبنا السجون، لكن التنظيم الذى يبنى اقتصاده قبل أن يبنى شعاراته يظل قادرا على العودة مهما تبدلت الظروف). 
 


تلك هى القاعدة التى أدركتها جماعة الإخوان، ولذلك لم يكن مشروعها سياسيا فحسب، وإنما كان اقتصاديا أيضًا… السياسة واجهة، والدعوة ستار، والمال هو الذى يحرك السياسة، ويوجه الدعوة.
 


فكل تنظيم يريد أن يعيش قرونا لا يكفيه أن يمتلك عقيدة، بل يحتاج إلى خزائن، والخزائن لا تبنى بالاشتراكات الشهرية والتبرعات، وإنما بشبكات اقتصادية تمتد عبر الحدود، وشركات لا يعرف كثيرون علاقتها الحقيقية بالتنظيم، ورجال أعمال يتحركون بين العواصم، واستثمارات تتكاثر بصمت حتى تصبح دولة مالية موازية للدولة الوطنية.
 


وحين كانت السلطة فى زمن مبارك تضيق الخناق على نشاط الإخوان السياسى، كانت الشركات والمكاتب التجارية والمالية تظل تعمل، فيستمر التمويل وتتواصل الحركة.
 


لهذا لم يكن غريبًا أن يتحول التنظيم، مع مرور العقود، إلى ما يشبه شركة عابرة للقارات أكثر منه حركة سياسية، إذ تمددت الشبكة الاقتصادية الإخوانية على أيدى خيرت الشاطر، وحسن مالك، وآل الحداد، عبر المدارس، والمستشفيات، وشركات الاستثمار، وتجارة الأراضى، وشركات المقاولات، ومع اتساع نشاط الجماعة خارج مصر، امتدت هذه الشبكة إلى أسماء مثل يوسف ندا، والبحيرى، وأسامة فريد عبدالخالق، وإبراهيم الزيات، وغيرهم، 
 


فلم تعد الأموال تدور داخل حدود الدولة، بل أصبحت تتحرك عبر شركات قابضة، واستثمارات عقارية، ومكاتب استشارية، ومؤسسات تجارية موزعة بين الخليج وأوروبا وتركيا وماليزيا، ما جعل تتبعها أكثر صعوبة، ومنح التنظيم قدرة على إعادة التموضع كلما خسر ساحة سياسية.
 


ثم جاءت الجمعيات الخيرية لتؤدى وظيفة أكثر تعقيدا، ففى ظاهرها تقدم الغذاء والدواء والتعليم، لكنها فى العمق كانت تبنى الولاء قبل أن تبنى المدارس، وتستثمر فى الإنسان قبل أن تستثمر فى الحجر، حتى يصبح المحتاج والمستفيد جزءا من دائرة النفوذ، لا مجرد مستفيد من عمل خيري.
 


ولم يكن الإعلام بعيدا عن هذه المنظومة، فالقنوات الفضائية، ومنصات الإنترنت، وشركات الإنتاج، ومراكز الدراسات، لم تكن مشروعات منفصلة، بل حلقات فى شبكة واحدة، تتلقى التمويل نفسه، وتخدم الرسالة نفسها، وتعمل وفق إيقاع سياسى واحد، بحيث تتحول المعلومة إلى أداة تعبئة، والخبر إلى وسيلة ضغط، والشائعة إلى سلاح يسبق أحيانا الأحداث نفسها.
 


أما عن تحالفهم مع أعداء الوطن عبر تاريخهم فهو فصل آخر لا يقل إثارة، فحين وقع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، كان الوطن كله يخوض معركة وجود ضد بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لكن بعض قيادات الإخوان الموجودة فى الخارج رأت فى سقوط جمال عبد الناصر فرصة لإنهاء خصمها السياسى، حتى لو جاء ذلك على أيدى قوات أجنبية. 
 


إذ كانت الكراهية للنظام قد بلغت حدا جعل إسقاطه، فى نظرهم، هدفا يسبق أى اعتبار آخر، ولو ترتب عليه سقوط الوطن فى يد بن جوريون، أو أصبح يحكمه أنطونى إيدن.
 


ولم يكن ذلك، فى تقديرى، مجرد خطأ فى قراءة اللحظة السياسية، بل كان تعبيرا عن خلل أعمق فى ترتيب الأولويات؛ فحين يصبح التنظيم أهم من الدولة، والحاكم أخطر من المحتل، تختلط المعايير، ويصبح الوطن نفسه مجرد ساحة لتصفية الحسابات.
 


وتكرر المشهد بصور مختلفة عبر العقود. فكلما فقدت الجماعة نفوذها فى الداخل، اتسعت حركتها فى الخارج، وبحثت عن حلفاء جدد، وراهنت على مواقف حكومات ومنظمات ووسائل إعلام أجنبية، أملًا فى تعويض ما خسرته على الأرض، ولم يعد الخارج مجرد منفى، بل تحول إلى غرفة عمليات سياسية وإعلامية، تُدار منها المعركة ضد الدولة المصرية.
 


وليس المقصود هنا هو التواجد على أرض أجنبية، وإنما الجريمة أن يتحول الخارج إلى مصدر قوة فى مواجهة الداخل، وأن يصبح الضغط الدولى وسيلة لتحقيق ما عجز عنه التنظيم داخل الوطن.
 


ولذلك لم يكن مستغربا أن تنسج الجماعة، عبر مراحل مختلفة، علاقات وثيقة مع دوائر صنع القرار فى الغرب، وأن تحرص على فتح قنوات اتصال مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وأن تستقبل مسئولين ودبلوماسيين غربيين باعتبارها شريكا سياسيا معترفا به دوليا. وكانت زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون إلى القاهرة عام 2012، ولقاءاتها بقيادات الجماعة، واحدة من أكثر الصور دلالة على حجم الرهان الذى وضعته الجماعة على القبول الدولى بوصفه طريقا لترسيخ حكمها.
 


وبعد سقوط حكمها، لم تتردد فى نقل مركز ثقلها السياسى والإعلامى إلى الدول التى فتحت لها أبوابها، فتحولت تركيا إلى منصة رئيسية لإدارة النشاط السياسى والإعلامى، وأصبحت قطر الحاضنة الإعلامية والمالية الأبرز فى مرحلة الصدام مع الدولة المصرية، ولم يكن ذلك مجرد لجوء سياسى فرضته الظروف، بل تحول إلى تحالف كامل تشابكت فيه المصالح والحسابات، حتى بدا أن خطاب الجماعة يتماهى مع مواقف تلك العواصم فى خلافاتها مع القاهرة.
 


إن الجماعة التى تجعل مشروعها أكبر من حدود الدولة، سرعان ما تجد نفسها تنظر إلى العلاقات الخارجية بمنطق التنظيم لا بمنطق الوطن، وعندئذ يصبح الخارج جزءا من معادلة القوة، لا مجرد مجال للعلاقات السياسية، وهذه هى اللحظة التى يتحول فيها التحالف من وسيلة إلى غاية، ومن أداة دبلوماسية إلى رهان استراتيجي
 


وقد كانت الخطيئة الكبرى لهذه الجماعة أنها تصورت أن التحالف مع القوى الخارجية يمكن أن يكون بديلا عن ثقة الشعب، وأن شرعية العواصم الأجنبية قد تعوض شرعية الوطن. 
 


فالدول قد تستخدم الحركات السياسية لتحقيق مصالحها، لكنها لا تمنحها ولاء دائما، ومن يراهن على الخارج، قد يكسب معركة عابرة، لكنه يخسر الوطن، وهذه هى الخيانة الكبرى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط