فى كتابه «مقدمات ثورة يوليو» وضع المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى، التغيير السريع والمتتالى للوزارات فى نهاية عهد الملك فاروق مؤشرًا على تضعضع النظام ومن ثم قيام الثورة، أطلق الرافعى على تلك الوزارات أنها «وزارات الموظفين»، والحق أنها ضمت أسماء سياسيين أكفاء ولم تكن كلها من البيروقراطيين.
كثير من الكتاب والمحللين تبنوا وجهة النظر التى عبر عنها الرافعى، حتى إن الصحفى الراحل موسى صبرى له كتاب فى هذه الجزئية «ملك وأربع حكومات»، أصدرته سلسلة «كتاب اليوم»، يعد فى نظر بعض أساتذة التاريخ أهم كتبه ومن أفضل الكتب التى رصدت بدقة أوضاع مصر سياسيًا فى الشهور التى سبقت قيام ثورة يوليو 52 مباشرة، ومن يراجع العديد من التحليلات السياسية والصحفية بعد ثورة يوليو مباشرة يجد أن هذه التغييرات كانت بنظر أصحابها سببًا للتحرك وفقدان الثقة بنظام الملك فاروق الأول، شهدت سنوات العشرينيات، بعد صدور دستور سنة 1923، تغييرات حكومية متلاحقة أجراها الملك فؤاد الأول ولم تقم ضده ثورة.
وهانحن نجد - حاليًا - فى فرنسا وفى بريطانيا، كما فى دول أخرى عديدة حول العالم، تغيير متسارع للحكومات، حتى إنه فى عهد الرئيس الفرنسى الحالى «إيمانويل ماكرون» استقالت حكومة بعد 14 ساعة فقط من تشكيلها، أى لم تكمل يومًا واحدًا، وفى بريطانيا سقطت حكومة «ليز تراس» بعد 34 يومًا من تشكيلها، رغم أن البعض قالوا عنها فور أن شكلت الحكومة أنها سوف تكون نسخة أخرى من السيدة مارجريت تاتشر، كان الحماس لها شديدًا، المفاجأة أن حزبها هو الذى دفعها إلى الاستقالة، فقد اتضح لهم عجزها التام عن إدارة الحكم، هذا التغيير السريع هناك، اعتبر مظهرًا ديمقراطيًا وليس مؤشر انهيار وضعف.
ويبدو أن مقولة التغيير السريع للحكومات، جعل البعض يتخوفون وينتابهم القلق، إذا تم تغيير الحكومة بسرعة، وهنا يصبح التساؤل واجبًا، متى يكون تغيير الحكومة دليل حيوية ديموقراطية ومتى يصبح مؤشر ضعف النظام السياسى وعلامة انهيار؟
الفيصل هو الرأى العام وتقديم التغيير له، إذا استقبل التغيير باعتبار أنه مؤشر فشل وتراجع، صارت النفوس مستعدة لقبول ذلك، بل يتشكل المزاج العام وفق ذلك التوجه، ومن ثم يكون البحث عن بديل أو توقعه وانتظاره، أما إذا فهم الرأى العام التغيير على أنه استجابة لرغباته، وأنه دليل قوة وحيوية، قد يعنى سرعة اكتشاف الخلل والعمل على تجاوزه، ساعتها يصبح التغيير عملًا إيجابيًا. فى هذا الجانب يبرز دور الإعلام فى المقام الأول والتوجه السياسى العام للتيارات والقوى السياسية والحزبية.
وقبل ثورة يوليو تقدم نجيب الهلالى باستقالته، كان الملك اختار الهلالى رئيسًا للحكومة بعد إقالة حكومة الوفد إثر حريق القاهرة فى يناير 52، وقيل إن دافع الهلالى للاستقالة هو حصول حاشية الملك على رشوة قدرها 2 مليون جنيه من عبود باشا لإبعاد حكومة الهلالى وهكذا استقال الهلالى، حقق لهم ما يريدون قبل أن يتسلموا الرشوة، استبق إقالته ليخرج بكرامته كما صرح وقتها لخاصته، وهكذا اقتنعت النخب أن الفساد المالى وصل إلى ملك البلاد شخصيًا واعتبر الهلالى بطلًا وضحية.
لم يتساءل أحد لماذا لم يصمد الهلالى ويواجه الفساد ويسجله عليهم، ثم يعلن كل شىء للرأى العام؟
لم يتساءل أحد أيضًا: هل كانت هيئة الضرائب تلاحق عبود باشا بالفعل؟ وإذا كان مستعدًا لدفع مبلغ مليونى جنيه أو مليون واحد طبقًا لبعض الروايات فكم كان المستحق عليه للضرائب؟
بعد ثورة يوليو، فتح كثير من الملفات وتبين أنه لا صحة لهذا الأمر وأنها كانت شائعة نسبت إلى السفير الأمريكى وقتها،وقد نفى السفير ذلك وذكر أنه سمعها من صحفى مصرى كبير، ولعل هذا ينبهنا إلى خطورة الشائعات وعدم تفنيدها فى الحال بالحقائق.
أسلوب تقديم أى خطوة سياسية للرأى العام، شديد الأهمية ويترتب عليه الكثير من الأمور.
بالتأكيد كانت هناك أسباب عديدة لتحرك الضباط الأحرار ليلة 23 يوليو، أظن أن من بينها أن هناك مناخًا عامًا شاع بأن الفساد عم والانهيار حل وأنه لا بديل عن خروج الملك فاروق. المقولة التى راجت وقتها، فى بعض الصحف العالمية، أن السلطة فى مصر بانتظار من يمسك بها، لم تصدر من فراغ.
أهمية تحرك الضباط الأحرار أنهم أنقذوا البلاد من أى مغامرات طائشة أو دعاة الفوضى والهدم، ناهيك عن جماعة حسن البنا التى كانت تتربص بالبلاد، وبات من المؤكد الآن أن هناك من كان يستعد للعبث، الأمر الذى كان يمكن أن يمنح السلطات البريطانية فرصة للتمدد والبقاء فى البلاد سنوات وسنوات.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



