الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

احذر الآن وقبل أن تعلن نتيجة الثانوية العامة، مطلوب من كل المسئولين عن التعليم الجامعى فى مصر، عدم التلاعب بمصائر أبنائنا الطلاب، حين يوافقون على إنشاء كليات طب جديدة دون أن تكتمل أهم مقوماتها (وأقصد هنا المستشفى) التى تمثل العمود الفقرى لأى تعليم طبى فى العالم. خاصة إذا علمنا أن دراسة الطب لا تقوم على المحاضرات والقاعات الدراسية وحدها، وإنما تعتمد فى جوهرها على التدريب السريرى داخل المستشفيات الجامعية، حيث يكتسب الطالب الخبرة العملية التى تؤهله لممارسة المهنة. ولذلك فإن غياب المستشفى الجامعى لا يمثل نقصًا فى البنية التحتية فحسب، بل يؤثر بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية واستيفاء المعايير الأكاديمية المطلوبة. أوجه تحذيرى هذا عقب قرار المجلس الأعلى للجامعات، الخاص بتجميد الدراسة فى كلية طب فاقوس وعدم قبول طلاب جدد لحين استكمال بناء المستشفى (إذا كان هناك بناء من أصله).
 


قرار التجميد (الذى للأسف سبقه الموافقة) فرض واقعًا مؤلمًا، رغم أنه فى ذات الوقت كشف عن أزمة تخطيط ومتابعة يعانى منها التعليم الجامعى فى مصر، وبالتبعية نالت من القائمين عليه، بموافقتهم على منح الضوء الأخضر لإنشاء الكلية، بينما المستشفى الجامعى غير موجود. وهذا تحديدا ما يضعنا أمام أسئلة مهمة لا بد من الإجابة عنها، ما  دور المجلس الأعلى للجامعات بوصفه الجهة المنوط بها مراجعة واعتماد إنشاء الكليات والبرامج الجامعية وفق معايير أكاديمية تضمن جودة العملية التعليمية؟، وما  دوره حين وافق استنادا إلى خطة لاستكمال المستشفى؟ وهل تابع هذا المجلس خطة البناء وخطوات جدول تنفيذها؟، وحال تعثر التنفيذ لسبب أو لآخر، لماذا لم تُتخذ الإجراءات اللازمة قبل الوصول إلى مرحلة تجميد القبول؟ الأسئلة السابقة الإجابة عنها حق مشروع للرأى العام، الذى من حقه أن يعرف أسباب هذا التعثر، حتى يمكن تجاوز هذه الأزمة، التى يعانى منها أبناؤنا وأسرهم، حتى لا نجد أنفسنا أمام مشروع تعليمى لم تكتمل أركان نجاحه، وبسببه يتشكك العالم فى سمعة الطبيب المصرى. حين يفرز لنا أطباء دون المستوى، كان منوطًا بهم تقديم خدمة صحية على أعلى مستوى للمواطن، أطباء يقع ذنبهم على عاتق من أهمل فى توفير كل السبل التعليمية الحديثة التى تكفل لهم تقديم هذه الخدمة. فى وقت يتزايد فيه طلب مجتمعنا على أطباء فى جميع التخصصات.
 


بالمناسبة واقعة كلية طب فاقوس لم تكن أولى خطايا المجلس الأعلى للجامعات، فقد سبقها ما حدث فى كلية طب أسنان دمنهور التى تمت الموافقة عليها أيضا من قبل المجلس، رغم خلوها من جميع الأدوات المساعدة لتأهيل خريجيها، مَعامل وأجهزة ومُعدات تعتمد عليها دراسة طب الأسنان فى أى مكان فى العالم، وهى الأدوات التى تمثل عنصرًا مُهمًا وأساسيًا فى نجاح العملية التعليمية فى كليات الطب قاطبة؛ خصوصًا طب الأسنان التى تستلزم التأسيس المتكامل لمَعامل ومختبرات نوعية حديثة ومتطورة تحتوى جميع الأجهزة والآلات والمعدات التى تُمَكن الطالبَ من التطبيق العلمى والعملى، حتى يتمكن من الالتحاق بسوق العمل والمنافسة بقوة على المستويين المحلى والدولى، ولكن الكلية استعاضت عن هذه المَعامل بتدريب الطلاب فى مَعامل كلية الطب البيطرى وتحديدًا على أسنان الجاموسة، وهذا ما جعل القاضى الجليل محمد عبدالوهاب خفاجى، نائب رئيس مجلس الدولة، يشدد فى حيثيات حكمه وقتها، على ضرورة إزالة الضرر الذى وقع على الطلاب بتوزيعهم طبقًا لقواعد التوزيع الجغرافى، على أقرب جامعة لمحل إقامة كل منهم، دون المساس بالمراكز القانونية التى اكتسبها هؤلاء الطلاب فى اجتيازهم الامتحانات السابقة على صدور الحُكم، مع إلزام هذه الجامعات بمنح هؤلاء الطلاب برامج دراسية مكثفة نظرية وعملية تعوضهم عمّا فاتهم من مناهج دراسية، وذلك تطبيقًا للقاعدة الأصولية التى تقضى بأن «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»؛ ليتساووا مع زملائهم خريجى كليات طب الأسنان الأخرى مع إغلاق الكلية (وهذا ما تم وقت صدور الحُكم). وهو نفس الإجراء الذى تم مع طلاب كلية طب فاقوس. أى أن الخطأ متكرر، رغم أن الجميع يعلم أن المستشفى الجامعى أو المعمل ليس مبنىً إضافيًا أو عنصرًا تكميليًا، بل هو الركيزة الأساسية التى تقوم عليهما دراسة الطب. وبداخلهما يتلقى الطالب تدريبه الإكلينيكى، ويحتك بالمرضى، ويكتسب الخبرة التى تؤهله ليصبح طبيبًا قادرًا على تحمل المسئولية. وغيابهما عقب الموافقة، يؤكد أننا أمام منظومة تعليمية تشوبها بعض الأخطاء. لابد من تداركها. ومساءلة من تسبب فيها. حتى نضمن تلقى خدمة طبية تليق بهذا الشعب العظيم.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط