الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مسألة محيرة جدا، وإن كانت أسبابها يسهل الوصول إليها، أن الكتابات العدائية لثورة 23 يوليو لا تكف عن «ترديد» نفس الاتهامات والمثالب والانتقادات، كلما حل شهر يوليو من كل عام، من العادى جدا أن تكون ثورة بحجم ثورة 23 يوليو خاضعة للتقييم والمراجعة والنقد، فهذه سمات تصاحب أى حدث كبير مهما مر عليه الزمان، فما بالك بثورة غيرت شكل الإقليم وبعضا من العالم؟!


لكن أن تُنصب «مندبة» يتجمع فيها خصوم يوليو وهات يا  لطم وصراخ و «مرمغة» فى التراب وجعا على حقبة تاريخية أضاعتها الثورة، فهو نوع من الكذب والتدليس على «أسطورة رومانسية» اخترعت من الألف إلى الياء!
 


نعم، لم تقطع ثورة يوليو الطريق على «دولة ذهبية فاضلة»، بل اقتحمت مجتمعا كان يقف على حافة انفجار طبقى وإنسانى قادم لا محالة، لم تهدم الثورة «يوتوبيا» ملكية تعيش تحت مظلة من الليبرالية الاقتصادية والحرية السياسية، وإنما هدمت إقطاعا كاملا كان يغطى جسد مصر العارى الجاهل المريض بوشاح من الحرير الباريسي.
 


قطعا لم تكن مصر تملك نظاما ليبراليا حقيقيا بمعايير الفلسفة السياسية، بل كان ديكورا شكليا، أو بعبارة أدق، «ليبرالية أرستقراطية مشوهة ومحاصرة».
وتعالوا نفكك هذه العبارات:
 


 أولا: القصر (الملك).. كانت فى يده صلاحيات استبدادية مطلقة بحكم دستور 1923، مثل حل البرلمان، إقالة الوزارات حتى لو كانت حائزة على الأغلبية.
 


 ثانيا: الإنجليز (السفارة البريطانية).. هى القوة الفاعلة الحقيقية فى المجتمع، ولا تظهر على خشبة المسرح بكل قوتها إلا عند الضرورة التى تقدرها، وتفسرها بأنها تهديد لمصالحها، وأكبر مثال حادث 4 فبراير، حين حاصرت الدبابات قصر عابدين لفرض حكومة الوفد على الملك.
 


 ثالثا: الأحزاب وعلى رأسها الوفد صاحب الأغلبية الشعبية التى كانت تشكل الحكومة، ثم تُقال برغبة الملك أو الإنجليز ليوكل الأمر إلى حكومات أقلية، مشكلة من أحزاب بلا شعبية.
 


وقد فضلت البدء بحكاية الليبرالية، لأنها أكثر نقد موجه إلى يوليو، مع أننى متأكد أن الليبرالية السياسية يستحيل أن يكون لها وجود حقيقى مع فقراء لا يعرفون التفرقة بين الألف وكوز الذرة بسبب الأوضاع المزرية التى فُرضت عليهم، حتى إن شعبية الوفد لم تكن من الليبرالية والفهم السياسى العميق لبرامج تنمية ونهضة علمية وعملية واسعة، وإنما من مشروع وطنى وهو التحرر من الاستعمار البريطاني. 
 


باختصار لم تقتل ثورة يوليو نظاما ليبراليا عفيا أو ضعيفا وفى طريقه إلى النمو الطبيعى، وإنما سددت ضربة إلى «جثة تجربة سياسية» ممددة على الفراش تعيش على الأجهزة الصناعية، فنزعتها ودفنت الجثة! 
 


قطعا كان هناك بالفعل «بذرة وعى وحراك شعبى ورغبة فى التغيير»، بذرة تنمو وتضغط من أسفل، ووُلدت خارج النظام، وناتجة من صعود هامش من مثقفى الطبقة الوسطى المتعلمة فى الأربعينيات، فالجامعات المصرية كانت تغلى بالمظاهرات والفكر، والنقابات العمالية تطالب بالاستقلال والعدالة، والصحافة جريئة، بالإضافة إلى إدراك جزء من النخبة الوطنية للخطر من داخل النظام نفسه، مثل طه حسين الذى فرض مجانية التعليم الثانوى، والبرنامج الاجتماعى للوفد، ومشروعات قوانين الإصلاح الزراعى الجزئى التى قدمها بعض النواب وعلى رأسهم إبراهيم شكرى، وكانت هذه النخبة تدرك أن الإقطاع وسوء توزيع الثروة سيقودان البلاد إلى كارثة.
 


لكن بالرغم من وجود هذه البذرة إلا أن النظام السياسى والاقتصادى كان مصابا بما يعرف فى العلوم السياسية بـ «التصلب الهيكلي»، وهو حالة من الجمود والعجز تضرب بنية النظام، فيتحول من أداة لخدمة المجتمع إلى كيان لا يشغله سوى البقاء، وهنا تتحجر شرايينه وتفقد القدرة على الاستجابة للواقع، وتصبح البيئة «العامة» ملوثة بأفكار وامتيازات وتراكيب اجتماعية واقتصادية تقلب القوانين إلى قيود تكبل التطور بدلا من تنظيمه، أى كانت كل الشواهد العلمية تؤكد أن التغيير من الداخل كان شبه مستحيل لثلاثة أسباب:
 


 الأول: انسداد أفق الإصلاح من أعلى، بسبب عناد القصر والملاك، فكانت كل محاولات التعديل الاقتصادى والاجتماعى تصطدم بهذا الحائط، وعلى سبيل المثال حين قُدم مشروع تحديد الملكية الزراعية بـ 500 فدان إلى البرلمان فى عامى 1945و1950، أسقطه غالبية النواب والأعيان بسخرية وازدراء شديدين، لأن النخبة الحاكمة كانت ترفض التنازل عن أى جزء من امتيازاتها لمصلحة الاستقرار الاجتماعى، وهو السلوك التقليدى لأى أرستقراطية قبل الانهيار.
 


 ثانيا: تآكل مشروعية النظام السياسى بسبب تخبط الملك فى إدارة الدولة وحياة الترف المستفزة فى ظل فقر مدقع لبقية الشعب.
 


 ثالثا: دخول الأحزاب السياسية إلى مرحلة الشيخوخة المبكرة والعجز، فلم تعد قادرة على استيعاب الشباب وطاقات التغيير.
 


 رابعا: تزايد العنف الموازى، بوجود تنظيمات مسلحة كالإخوان ومصر الفتاة، فحدثت اغتيالات وحرائق للمحلات، وكانت مؤشرا على فقدان الناس الثقة فى المسار القانونى وصندوق الاقتراع.
 


 خامسا: تفاقم اختلال توزيع الثروة وزيادة معدلات الفقر والمرض، فكان الفلاح ينحدر إلى قاع الفقر بسرعة، والمدينة محاصرة بهجرات من المعدمين مما خلق حزام فقر حول القاهرة والإسكندرية، أى أن الليبرالية الاقتصادية كانت رأسمالية محاسيب وإقطاع.
 


باختصار بذرة الوعى كانت موجودة فى الشارع، لكن التربة السياسية كانت صلبة ومسمومة بدرجة لا تسمح للبذرة بأن تنمو لتصبح شجرة إصلاح هادئ.
 


هذه مراجعة سريعة، وليس المقصود بها هو «إضفاء» قداسة على ثورة يوليو، فالتاريخ لا يعرف ثورات مقدسة بلا خطايا ومصائب، لكن هى محاولة للتذكر فقط، وما رأيكم لو ذهبنا إلى مؤرخين أجانب ونتعرف كيف يرون ثورة يوليو.
 


يقول البروفيسور الأمريكى «روبرت إل. تيجينور»، فى كتابه « الدولة والاستثمار الخاص والتغيير الاقتصادى فى مصر»: لم يكن نظام يوليو شيوعيا أو معاديا للملكية الخاصة كما كان يروج الإعلام الغربى، بل على العكس سياسات الإصلاح الزراعى والتأميم الجزئى أنقذت الرأسمالية المصرية من الانهيار الحتمى، النظام فكك فقط الإقطاع الزراعى، الذى كان يعيق تطور الدولة، وحَوَلَ رءوس الأموال قسرا نحو القطاع الصناعى والتحديث المدنى، مما خلق بنية تحتية اقتصادية قوية استفاد منها القطاع الخاص لاحقا فى عهود الانفتاح.
 


كان «تيجينور» أستاذا للتاريخ الحديث والمعاصر فى جامعة برينستون العريقة، ورحل عن عالمنا فى ديسمبر 2022 عن 89 عاما.
 


يقول المؤرخ البريطانى «بيتر مانسفيلد» إن تأميم قناة السويس فى عام 1956 كان زلزالا جغرافيا سياسيا أنهى الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، وأعطى قبلة الحياة لحركات التحرر فى إفريقيا وآسيا، وهو دور يتجاوز بكثير الحجم الإقليمى الطبيعى لمصر.
 


ومانسفيلد واحد من أهم الخبراء الغربيين فى تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وكان يعمل دبلوماسيا فى الخارجية البريطانية إبان العدوانى الثلاثى على مصر بعد تأميم القناة، وقدم استقالته احتجاجا عليه.
 


ويقول عالم الاجتماع الفرنسى «جيل كيبيل» فى كتابه الشهير «النبى والفرعون»: إن ثورة يوليو قامت بأكبر عملية حديث وعلمنة للمجتمع المصرى الحديث من الأسفل، عبر نشر التعليم وتمكين المرأة ومنحها حق الانتخاب والعمل لأول مرة، لكن المفارقة الحزينة أن النظام الذى نجح فى تحديث عقول ملايين الفلاحين والعمال واجتماعياتهم جمَّد السياسة من الأعلى تماما، فلم يسمح لهذه الكتلة البشرية المتعلمة الجديدة بأن تمارس وعيها عبر قنوات سياسية حرة، مما خلق فجوة تاريخية بين مجتمع يتطور ديناميكيا ونظام سياسى يزداد انغلاقا!
 


هذه شهادات من الضفة الأخرى من النهر حمتها النزاهة العلمية، وليس التربص والثأر، وهو ما نريده فى الكتابة عن يوليو.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط