هل ينجح مسار توحيد المؤسسة العسكرية؟
مصر تقود مهمة توحيد شطرى ليبيا
تشهد العلاقات «المصرية – الليبية» خلال الفترة الأخيرة حراكًا سياسيًا وأمنيًا متزايدًا، يعكس سعى القاهرة إلى لعب دور الوسيط بين أطراف الأزمة الليبية، فى ظل إدراكها أن استقرار ليبيا يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصري.
وبينما تتواصل الاتصالات مع مختلف القوى الليبية، بما فيها حكومة الوحدة الوطنية فى غرب ليبيا، تتصدر قضية توحيد المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، أجندة التحركات المصرية.
وتتحرك القاهرة وفق مقاربة تقوم على أن استقرار ليبيا يبدأ من توحيد مؤسساتها؛ وليس الانحياز لطرف على حساب آخر، بينما تتوسع اتصالاتها مع حكومة الغرب؛ وتحافظ فى الوقت نفسه على علاقاتها مع الشرق.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه التحركات فى تمهيد الطريق أمام جيش ليبى موحد، أم أن التعقيدات السياسية ستؤجل هذا الهدف إلى جولة جديدة من التوافقات؟
من الانقسام إلى التقارب
شهدت الفترة الأخيرة تحولًا ملحوظًا فى السياسة المصرية تجاه غرب ليبيا، حيث كثفت القاهرة اتصالاتها مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، فى إطار سياسة تقوم على الانفتاح على جميع الأطراف الليبية دون استثناء.
وتركزت هذه الاتصالات على دعم جهود الاستقرار، وتعزيز التنسيق الأمنى، وبحث سبل توحيد المؤسسات الليبية، بما يعكس رغبة مصر فى لعب دور الوسيط القادر على تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب.
وفى خطوة تعكس اهتمام القاهرة بالشق الأمنى، استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير حسن رشاد، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية الفريق عبدالسلام الزوبى، حيث تناول اللقاء سبل دعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، بما يسهم فى إنهاء حالة الانقسام العسكرى التى تعيشها البلاد، وتهيئة المناخ أمام تسوية سياسية شاملة.
وواصلت مصر دعمها لعمل اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، باعتبارها أحد أهم المسارات التى تجمع ممثلين عن شرق ليبيا وغربها.
واعتمدت القاهرة خلال الفترة الماضية سياسة متوازنة؛ تقوم على الحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى الليبية، سواء فى الشرق أو الغرب، بما يشمل مجلس النواب، والقيادة العامة للجيش الليبى، وحكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الرئاسي.
ويهدف هذا النهج إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، ودعم أى توافق يمكن أن يقود إلى إنهاء الانقسام؛ وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
دور محورى لاستقرار ليبيا
وفى هذا السياق، أكد رامى إبراهيم، الباحث فى العلاقات الدولية، أن مصر لها دور محورى فى دعم جهود إعادة استقرار ليبيا، وذلك من خلال تسوية سياسية شاملة تؤدى إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتوحيد المؤسسات؛ وإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضى الليبية، وتفكيك الميليشيات المسلحة؛ وإعادة دمج عناصرها فى مؤسسات الدولة، حيث تكثف القاهرة جهودها وتنسيقها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة فى الأزمة الليبية بهدف حلها.
وأضاف الباحث فى تصريحات لروزاليوسف؛ أن الأزمة الليبية تعد من أكثر الأزمات تعقيدًا المنطقة، نظرًا لتداخل مساراتها السياسية والأمنية والعسكرية، واستمرار انتشار الميليشيات المسلحة، ووجود المرتزقة والقوات الأجنبية، إلى جانب الانقسامات القبلية والسياسية، ويعد استمرار الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب أحد أبرز التحديات أمام توحيد مؤسسات الدولة، فى ظل عدم التوافق بين القوى السياسية؛ وتضارب مصالح الأطراف الفاعلة داخليًا وخارجيًا.
وأشار إلى وثيقة مبادئ خارطة طريق إنهاء المرحلة التمهيدية، التى توافق عليها رؤساء مجلس النواب، المجلس الأعلى للدولة، المجلس الرئاسى فى يونيو الماضى، تمثل إطارًا سياسيًا يمكن أن يسهم فى إنهاء حالة الانسداد السياسى، إذا ما توفرت الإرادة اللازمة لتنفيذ بنودها والالتزام بها من جميع الأطراف.
كما رأى أن أبرز التحديات أمام تنفيذ الخارطة يتمثل فى استمرار الخلاف حول السلطة التنفيذية، حيث تتهم بعض القوى السياسية حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بتأخير الانتقال إلى مرحلة جديدة عبر التمسك بالسلطة؛ ورفض تسليمها قبل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
الانتخابات الليبية
وحول المسار العسكرى والأمنى، فقد ركزت الوثيقة على تأمين العملية الانتخابية، بما يضمن توفير بيئة آمنة لتنفيذ الاستحقاق الانتخابى، كما ركز المسار الاقتصادى على حزمة إصلاحات وتوحيد المؤسسات الاقتصادية، وإعداد ميزانية موحدة لعام 2027، بما يعزز الاستقرار المالى ويدعم تنفيذ خارطة الطريق.
وفى هذا السياق أوضح رامى إبراهيم، أن أبرز التحديات التى تعوق توحيد مؤسسات الدولة الليبية؛ ودمجها فى هيكل إدارى موحد، تتمثل فى تضارب مصالح بعض الأطراف الداخلية المتمسكة بمواقعها فى السلطة، وما يرتبط بذلك من تعطيل لمسار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وإطالة أمد المرحلة الانتقالية، كما يفاقم وجود القوات الأجنبية والمرتزقة وانتشار الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، واستمرار التدخلات الإقليمية والدولية وتباين أجنداتها، من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
واعتبر أن الاجتماعات الأخيرة بين الجيش الوطنى الليبى والتشكيلات المسلحة فى الغرب، وإجراء تدريبات مشتركة أو موحدة فى المنطقة الجنوبية، تأتى من أجل التهدئة وعدم التصعيد بين الشرق والغرب، وأيضا لإدارة الأزمة فيما يتعلق بمهددات الحدود فى المنطقة الجنوبية؛ التى لها حدود مشتركة مع السودان وتشاد والنيجر، حيث تنعكس تشهد هذه المنطقة أعمال جريمة منظمة منها الإرهاب والهجرة غير الشرعية والتهريب، مما ينعكس على أمن ليبيا.
المؤسسة العسكرية.. الهدف الأصعب
وتؤكد مصر فى مختلف لقاءاتها واتصالاتها؛ أن توحيد المؤسسة العسكرية لا يمكن فصله عن المسار السياسى، وأن وجود جيش وطنى موحد؛ يعد أحد أهم الضمانات لإنجاح أى عملية انتخابية أو تسوية شاملة.
ومن هذا المنطلق، تدفع القاهرة باتجاه السير فى المسارين السياسى والعسكرى بالتوازى، باعتبارهما الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار الدائم فى ليبي
ويعد توحيد الجيش الليبي؛ أحد أبرز الملفات التى تدفع مصر نحو إنجازها، انطلاقًا من خبرتها السابقة فى استضافة اجتماعات ضباط الجيش الليبى على مدار سنوات، بهدف التوصل إلى هيكل عسكرى موحد بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
ورغم وجود مؤشرات على تحسن الاتصالات بين الأطراف الليبية، فإن الوصول إلى جيش موحد لا يزال يواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الانقسام السياسى، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتباين مواقف القوى الإقليمية والدولية.
3 زوايا للرؤية المصرية لحل الأزمة الليبية
وكشف الدكتور إسماعيل تركى الباحث فى العلاقات الدولية؛ أن الجهود المصرية المبذولة من أجل إنهاء الأزمة الليبية؛ ليست جديدة بل هذه جهود مخلصة وصادقة تبذلها مصر؛ منذ اللحظة الأولى للأزمة فى ليبيا؛ توافق هذه الجهود مع ثوابت السياسة الخارجية المصرية.
ولطالما طالبت مصر بدعم المؤسسات الوطنية الجيش الليبي؛ للحفاظ على مقدرات الدولة الليبية؛ وطالبت بوقف العنف وتوحيد المؤسسات الوطنية؛ وعدم التدخل الخارجى فى الشأن الليبي؛ تفكيك الميليشيات والجماعات المسلحة وتسليم سلاحها؛ وخروج المرتزقة والأجانب؛ حيث تنطلق السياسة الخارجية المصرية نحو ليبيا من ثلاث زوايا؛ أولها زاوية الأمن القومى المباشر؛ وذلك من خلال حماية الشريط الحدودى الأكبر (أكثر من 1100 كم) على المحور الغربي؛ ومكافحة الإرهاب والتهريب؛ ودعم المؤسسات الوطنية «الجيش والشرطة»؛ ورفض التعامل مع الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة.
وأوضح أن أهم العوامل التى تدعم هذا الطرح هو التوافق «المصرى - التركى – الأمريكي» فى الفترة الأخيرة بشأن الملف الليبي؛ حيث تحول المشهد الإقليمى والدولى من التنافس الصفرى إلى إدارة المصالح المشتركة ودعم جهود التسوية ، فالتقارب المصري-التركى وصل لمرحلة التنسيق الذى يصب فى صالح مسار التهدئة؛ حيث ترغب القاهرة فى استقرار الغرب واستعادة التوازن، بينما تسعى أنقرة لحماية مصالحها الاقتصادية والبحرية، مما خلق مساحة مشتركة للتهدئة.
توحيد الجيش الليبي
وعن التحديات والأفق الواقعى لتوحيد الجيش الليبى، قال إن توحيد الجيش الليبى ممكن عمليا، لكن الأمر يتطلب الوصول إلى صيغة هيكلية مرنة؛ تعتمد على القيادة المشتركة بدلًا من الدمج المباشر التى ستواجه عقبات كبيرة وإشكاليات.
ومن أهم الإشكاليات والتحديات هى الجماعات المسلحة؛ حيث تعد إشكالية تفكيك الميليشيات فى الغرب؛ وحصر السلاح من أهم التحديات.
ولطالما طالبت مصر بخروج الميليشيات المسلحة وتفكيكها؛ كما أن مشكلة توحيد الجيش وتحديد من يحمل صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة أمر معقد؛ وصعب يزيد من تحديات توحيد الجيش.
وأشار إلى أن السيناريو الأقرب للواقع هو العمل على زيادة التنسيق؛ وتوحيد المؤسسات بشكل مرحلى، مع إنشاء غرف عمليات مشتركة لإدارة الحدود والأمن القومى، والاتفاق على هيكل قيادى «مدني-عسكري» متوازن؛ يتجاوز خيارات الإقصاء؛ مع تمهيد الأرضية لتأمين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة؛ تحت مظلة أمنية متفق عليها بين الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



