الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

القاهرة تواجه التحركات الإسرائيلية بالتنمية

خط «سفاجا - دار السلام» يعيد صياغة جغرافيا التجارة الإفريقية

بوابة روز اليوسف

«بحثنا استحداث خط ملاحى جديد يربط ميناء سفاجا بميناء دار السلام، بما يعزز حركة التجارة البينية ويسهل نقل البضائع والمنتجات المختلفة»، بهذه الكلمات اختصر الرئيس عبدالفتاح السيسى ملامح مرحلة جديدة فى العلاقات «المصرية-التنزانية»، إلا أن هذا الإعلان يتجاوز أبعاده الثنائية ليؤسس لرؤية استراتيجية أعمق، تهدف إلى إعادة توظيف الجغرافيا البحرية للبحر الأحمر وتحويله من مجرد معبر لترانزيت السفن إلى مساحة اقتصادية متكاملة يربط بين التجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، ويمتد تأثيره عبر الساحل الشرقى لـ «إفريقيا» وصولاً إلى المحيط الهندى.


 من «سفاجا» إلى «دار السلام»
 


يمثل ميناء «سفاجا» أحد أهم الموانئ المصرية على البحر الأحمر، ويخدم حركة البضائع والركاب؛ بينما يعد ميناء «دار السلام» أكبر موانئ «تنزانيا» وأحد أهم الموانئ المطلة على المحيط الهندى،  كما يمثل بوابة رئيسية للتجارة مع عدد من دول شرق ووسط «إفريقيا»؛ فيما يعد الطريق بينها مسارًا حيويًا يمر بمحاذاة السواحل الإريترية، والجيبوتية، والصومالية.
 


ورغم أن الإعلان الرسمى اقتصر على الربط المباشر بين الميناءين المصرى والتنزانى،  فإن هذا المسار يعكس الإمكانات التى توفرها شبكة الموانئ المطلة على البحر الأحمر، سواء فى دعم حركة التجارة، أو فى تعزيز التكامل الاقتصادى بين دول المنطقة.
 


ويعنى الربط المباشر بين الميناءين تقليص حلقات النقل، وتيسير حركة البضائع، وخفض الوقت والتكلفة أمام المصدرين والمستوردين، فضلاً عن فتح مسارات أكثر انتظامًا للتبادل التجارى بين «مصر»، و«تنزانيا»، مع إمكانية استفادة أسواق إفريقية مجاورة تعتمد على ميناء «دار السلام» فى تجارتها الخارجية.
 


وبالنسبة لمصر، فإن توسيع التعاون مع الموانئ الواقعة على الساحل الشرقى لإفريقيا يفتح فرصًا جديدة أمام الصادرات المصرية، ويعزز حضور الشركات العاملة فى مجالات الإنشاءات، والطاقة، والخدمات البحرية، والنقل.
 


 مواجهة العدوان بسلاح التنمية
 


لا يمكن النظر إلى مشروع المسار الملاحى بين ميناءى «سفاجا»، «دار السلام» باعتباره مجرد خط تجارى جديد يربط بين ميناءين، وإنما باعتباره أحد مسارات إعادة صياغة الحضور المصرى فى البحر الأحمر وشرق «إفريقيا»، وربط اعتبارات التنمية بالأمن الإقليمى.
 


وفى هذا السياق، أكد السفير «صلاح حليمة»، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الإفريقية لمجلة «روزاليوسف»، أن هذا المشروع لن يقتصر تأثيره على زيادة كثافة الحركة التجارية وحركة البضائع والأفراد فحسب، بل سيمتد ليشجع الاستثمار، وينعكس على دول شرق «إفريقيا» التى تتعاون فى إطار (الكوميسا)، وكذلك على منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، باعتبار أن الهدف الرئيسى للدول الإفريقية جميعًا، هو تنشيط العلاقات التجارية بين دول القارة بعضها البعض، وبين «إفريقيا» والعالم الخارجى.
 


وأوضح «حليمة»، أن هذا الخط الملاحى يمثل إحدى آليات ومسارات البنية التحتية، ضمن منظومة أوسع تشمل الربط البرى،  والبحرى،  والنهرى،  والسكك الحديدية، والربط الكهربائى،  بما يجعله بداية قوية نحو تنشيط الحركة التجارية والاستثمارية، وحركة رؤوس الأموال والأفراد، وتعزيز دور الطرق البحرية فى الربط بين البحر الأحمر وشرق «إفريقيا».
 


وأشار إلى أن أهمية هذا المسار تتجاوز البعد الاقتصادى المباشر، إذ يمثل خطوة ذات مغزى استراتيجى كبير، من خلال الربط بين المنطقة العربية والمنطقة الأفريقية، وهو ما يرتبط –أيضًا- بدور مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، الذى يؤكد أن حوكمة البحر الأحمر والأمن فيه مسئولية الدول المشاطئة له فقط، دون السماح لأى دولة غير مشاطئة بالتدخل فى شئونه، خاصة فى ظل وجود –ما وصفه- بنوايا عدوانية وغير ودية تجاه الأمن والاستقرار فى هذه المنطقة، بما ينعكس سلبًا على عملية التنمية، سواء من جانب «إثيوبيا» أو إسرائيل.
 


وشدد «حليمة»، على أن أهمية هذا الخط الملاحى ترتبط بمهمتين متلازمتين، وهما (الأمن، والتنمية)، باعتبارهما يمثلان عاملاً مستحدثًا فى منظومة البنية التحتية التى ترتبط بالأمن الإقليمى،  وفى الوقت نفسه تدعم عملية التنمية عبر تنشيط حركة التجارة والاستثمار، والسياحة، ونقل البضائع.
 


 تحديات المنطقة
 


وشدد السفير «صلاح حليمة»، على ضرورة النظر للبحر الأحمر والقرن الإفريقى من منظور جيوسياسى وليس جغرافيًا فقط، انطلاقًا من الامتداد المتبادل بين المنطقتين، ما يجعل الأمن فى إحداهما يمثل جزءًا من أمن الأخرى، والتنمية فى إحداهما تنعكس على الأخرى.
 


وفى هذا السياق، أشار إلى التحديات التى تواجه أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقى،  ومنها المخاوف من انتقال تداعيات أزمة مضيق «هرمز» إلى «باب المندب»، فى ظل تحركات الحوثيين واتباعهم أوامر «إيران»، وما قد يترتب على ذلك من رد فعل إسرائيلى محتمل، فى ظل سعى الأخيرة إلى وضع موطئ قدم لها جنوب البحر الأحمر، من خلال -ما يسمى- بأرض الصومال، والتى اعترفت بها إسرائيل بطريقة غير مشروعة، فضلاً عن النوايا الإثيوبية فى الاتجاه نفسه بما يخالف القوانين الدولية.
 


وأوضح أن هذه التطورات تؤكد أهمية الحفاظ على أمن البحر الأحمر باعتباره مسئولية الدول المشاطئة له، وأن الربط بين الأمن والتنمية يمثل عنصرًا أساسيًا فى التعامل مع مستقبل المنطقة.
 


وفى نهاية حديثه، توقع «حليمة» أن تشهد المرحلة المقبلة اهتمامًا متزايدًا وتناميًا فى مجالى الأمن والتنمية، لافتًا إلى أن هذا التنامى ظهر بالفعل فى تطور العلاقات بين «مصر» وعدد من دول المنطقة، ومنها «السودان، وإريتريا، والصومال»، وغيرهم، سواء فى المجال الأمنى والعسكرى،  أو المجال التنموى.
 


 نحو خريطة بحرية جديدة
 


من جانبه، قال «رامى زهدى» خبير الشئون الإفريقية - لمجلة «روزاليوسف»، إن مصر لم تعد تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممرًا مائيًا فقط، وإنما باعتباره فضاء اقتصاديًا متكاملاً يشمل الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والصناعة، والاستثمار، والربط مع الأسواق الإفريقية.
 


ولفت إلى أن البحر الأحمر والقرن الإفريقى سيشكلان أحد أهم محاور الاستراتيجية الاقتصادية المصرية خلال العقد المقبل، لأنهما يمثلان امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصرى،  ولحركة التجارة العالمية، ولمستقبل التكامل الاقتصادى مع «إفريقيا».
 


وأوضح، أن خط الربط البحرى بين «سفاجا»، و«دار السلام» يمثل نقلة استراتيجية تتجاوز كونه مجرد خط ملاحى،  فهو يفتح ممرًا تجاريًا مباشرًا بين «مصر»، وسوق شرق «إفريقيا» الذى يضم أكثر من 500 مليون نسمة، ويربط الاقتصاد المصرى بإحدى أسرع المناطق نموًا فى القارة؛ خاصة أن «دار السلام» ميناء محورى وربما الأهم فى شرق القارة، ويخدم أكثر من 8 دول حبيسة؛ ويمتلك إمكانات لوجستية.
 


ورأى أن الخط سيؤدى إلى خفض زمن وتكلفة النقل، وتقليل الاعتماد على المسارات غير المباشرة، بما يزيد تنافسية الصادرات المصرية خاصة مواد البناء، والصناعات الهندسية، والدوائية، والمنتجات الغذائية؛ كما يمنح الواردات القادمة من شرق «إفريقيا» منفذًا أكثر كفاءة إلى السوق المصرية، ومنها إلى البحر المتوسط و«أوروبا»، وبشكل غير مباشر يدعم حرية وإتاحة وسهولة الحركة الاقتصادية للأفراد سواء من «مصر» أو من دول شرق القارة.
 


 تعظيم قيمة البحر الأحمر
 


وأكد «زهدى» أن دول البحر الأحمر تمتلك ميزة جغرافية استثنائية، لكن هذه الميزة لن تتحول إلى قوة اقتصادية إلا إذا استثمرت فى البنية التحتية البحرية واللوجستية، وتطوير الموانئ، وإنشاء خطوط ملاحية منتظمة، وربطها بشبكات السكك الحديدية، والطرق، والمناطق الصناعية، ما يضاعف من قيمة الموقع الجغرافى ويحول الموانئ إلى مراكز للتصنيع، والخدمات، وإعادة التصدير، وليس مجرد نقاط عبور للبضائع.
 


وأضاف، أنه فى الوقت نفسه، فإن الحفاظ على السيادة الوطنية يقتضى أن تقوم عمليات التطوير وفق استراتيجيات وطنية تحقق التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وبين بقاء القرار السيادى للدولة على موانئها وأصولها الاستراتيجية.
 


وأوضح أن التعاون الإقليمى بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر فى مجالات الأمن البحرى،  وحماية سلاسل الإمداد، وتبادل المعلومات، يمثل ضمانة أساسية لاستدامة التنمية، وتقليل المخاطر الناتجة عن التوترات الجيوسياسية؛ معتبرًا أنه فى الوقت الذى يمنح الموقع الجغرافى الفرصة، فإن الإدارة الاستراتيجية هى التى تحول هذه الفرصة إلى قوة اقتصادية وسيادية مستدامة.
 


وأردف:» فى ظل التنافس الدولى المتزايد على البحر الأحمر، فإن أفضل وسيلة لحماية المصالح المصرية ليست فقط عبر الأدوات الأمنية، وإنما –أيضًا- عبر تعميق الحضور الاقتصادى والاستثمارى،  وبناء شراكات تنموية تحقق مصالح جميع الأطراف، لأن من وجهة نظرى الدول التى تكتفى بحماية الممرات البحرية تحافظ على حاضرها، أما الدول التى تستثمر فى محيطها البحرى فتؤمن مستقبلها الاقتصادى لعقود مقبلة».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط