الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الشهامة طول عمرها مصرية

بوابة روز اليوسف

حطمت الزجاج وربنا كرمنى وكسرته، وأكدت لهم «مش هسيبكم ثانية وهطلعكم»؛ بهذه الكلمات المُلهمة يحكى الشاب أحمد مجدى البنا، ابن قرية أبشواى، الذى تمكن من إنقاذ أسرة مصرية كادت تغرق بسيارتها فى ترعة القاصد بمحافظة الغربية.


أحمد البنا الذى يعمل سباكًا، لم يفكر مرتين أثناء رؤيته لمشهد السيارة الغارقة، ويحكى تفاصيل الحادث قائلًا: «أثناء توجهى لعملى شاهدت سيارة انحرفت عن الطريق لتنزل إلى ترعة المقاصد، وأنه لم يفكر فى المخاطرة أو الثمن الذى يدفعه من محاولة إنقاذهم».
 


هذا ما أظهرته مقاطع الفيديو التى تداولتها وسائل التواصل الاجتماعى، وهو يحاول بكل قوته أن ينقذ الأسرة المكونة من أب وأم وطفلة- ويقول الحمدلله نجحت فى إنقاذهم بمساعدة أحد المارة، فى وقت انهمك فيه عديدون فى تصوير الحادث دون التدخل.
 


وحظيَ الشاب باستحسان وتقدير كل من شاهد الفيديو، ووصف بإنه مثالًا للشجاعة والمبادرة الإنسانية، ولكن هذه ليست الواقعة الأولى التى يشهدها الشارع المصرى، يوميًا هناك مئات المواقف من جدعنة وشهامة المصريين، التى تعكس روح التضامن الحقيقى بين أبناء هذا الوطن وفى أصعب الظروف لم يتوقف هذا الحس المليء بالواجب والمسئولية وإيثار الآخرين على النفس.
 


 «ليلى الأنصاري.. سيدة القطار»
 


تصدت ليلى الأنصارى، ابنة محافظة أسوان، بشجاعة لمجموعة من الصبية أثناء محاولتهم رشق أحد قطارات السكك الحديدية بالحجارة، ووثقت ذلك لحماية الأرواح والممتلكات.
 


ومن جهته، كرَّم الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل المواطنة المصرية الشجاعة، ومنحها الوزير شهادة تقدير وعقد تعيين للعمل فى شركة أبيلا مصر لإدارة قطارات النوم بأسوان، تقديرًا لشجاعتها فى حماية الركاب والممتلكات العامة.
 


إنقاذ شاب لفتاة سودانية من الانتحار
 


فى مشهد إنسانى مؤثر حبس أنفاس المارة، تمكن شاب مصرى من إنقاذ سيدة سودانية كانت تقف فى وضع خطير بالطابق الأخير لأحد المبانى فى منطقة عين شمس، وسط حالة من القلق والترقب، وأظهر الشاب شجاعة كبيرة وسرعة بديهة فى التعامل مع الموقف، حيث خاطر بسلامته من أجل الوصول إليها وتهدئتها، لينجح فى إبعادها عن الخطر وإنهاء الموقف بسلام.
 


 خالد.. بطل العاشر من رمضان
 


فى يونيو 2025، دفع السائق البطل خالد محمد شوقى عبد العال الثمن غاليًا من حياته، عندما شب حريق بسيارة وقود داخل محطة بنزين فى العاشر من رمضان، الواقعة بالمجاورة 70 فى المدينة المكتظة بالسكان، وبينما عمّ الذعر بين المتواجدين، أظهر خالد شجاعة نادرة، حيث أسرع إلى السيارة المشتعلة وقادها بعيدًا عن المحطة، متحملًا مخاطر الانفجار المحتمل، ليحول دون وقوع كارثة كانت ستؤدى إلى خسائر فادحة فى الأرواح والممتلكات.
 شهيد الشهامة
 


فى نوفمبر 2025، أنقذ المواطن حسن أحمد الجزار؛ فتاة من الغرق بعد انقلاب ميكروباص فى إحدى ترع محافظة الإسماعيلية، ثم توفى لاحقًا، تاركًا خلفه أطفاله وزوجته دافعًا ثمنًا باهظًا من أجل إنقاذ أرواح الآخرين بشهامته وإخلاصه.
 


 مات لينقذ فتاة من الانتحار
 


فى أبريل 2024، شيع المئات من أهالى مدينة المنصورة جثمان الشماس يوسف عماد الدين، بعد أن لقى مصرعه غرقًا أثناء إنقاذه فتاة ألقت بنفسها فى مياه النيل بالدقهلية، وتم أداء صلاة الجنازة على الشاب بكنيسة الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا وسط انهيار أسرته وأصدقائه.
 


 عاصفة التنين
 


لم تخلُ أزمة فى مصر من تسجيل قصص بطولية تؤكد تكاتف المصريين دومًا فى المواقف الصعبة، وفى ظل موجة الطقس السيئ التى شهدتها البلاد قبل الإغلاق العام لجائحة كورونا، عرفت بعاصفة التنين والتى شهدت توابعها الخطيرة عدة محافظات. 
 


بطل «التاى شي»
 


إجادته للسباحة وحبه لمساعدة غيره كانت الدافع الرئيسى للشاب المصرى أحمد شعبان، الذى نجح فى إنقاذ نحو 20 شخصًا من الغرق فى منطقة نويبع جنوبى سيناء.
 


أحمد شعبان «32 عاما»؛ جاء لقضاء إجازته مع زوجته برفقة 22 شخصا من أصدقائه؛ بأحد المخيمات الواقعة بمنطقة رأس شيطان بمدينة نويبع، وسرعان ما تحولت هذه الإجازة إلى نهاية درامية للشاب الذى ضحى بنفسه من أجل إنقاذ أصدقائه من السيول.
 


 سيارة العون
 


وفى منطقة التجمع الخامس، تسببت الأمطار فى محاصرة عشرات السيارات وتعطل الطرق، وعلى الفور مد استخدم شريف خيرى، سيارته فى مساعدة السيارات العالقة وسحبها خارج المياه، واستمر فى مهمته الإنسانية لإنقاذ أرواح عشرات الأشخاص المحاصرين بمياه الأمطار داخل سيارتهم.
 


ونجح خيرى فى إنقاذ 22 سيارة، باستخدام سيارته الـ «jeep» التى تتحمل أوزانا كبيرة ومكنته من إتمام مهمته بنجاح، قبل أن تتعرض لعطل.
 


تفجير معهد الأورام
 


فى أغسطس 2019، عندما وقع «حادث انفجار معهد الأورام»، بشارع كورنيش النيل أمام المعهد، وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا، تعاون المواطنون مع رجال الإطفاء وسيارات الإسعاف، بإسعاف المرضى وحملهم بعيدًا عن الانفجار.
 


المصريون عرفوا حقوق الإنسان من 7 آلاف سنة
 


ومن جانبها، تحلل الدكتورة هدى زكريا، أستاذ علم الاجتماع السياسى بكلية الآداب جامعة الزقازيق، هذه السلوكيات قائلة، إن استعداد المصرى لإنقاذ الآخرين لا يرتبط بموقف استثنائى، ولكنه يعكس شعورًا عميقًا بالمسئولية تجاه الإنسان وكل ما يحيط به.
 


وأضافت د. هدى زكريا فى تصريحاتها لـ»روزاليوسف»، أن المصرى رغم انشغاله اليومى بأعباء الحياة وتدبير احتياجاته، لا يتردد فى التوقف لمساعدة الآخرين عند الحاجة، ويمتد هذا السلوك إلى إنقاذ الحيوانات أيضًا، وكم من مشاهد وفيديوهات تتداولها منصات التواصل الاجتماعى يوميًا؛ تكشف إنقاذ أحد الشباب أو الفتيات لقطة أو كلب فى الشارع.
 

 


أكدت عالمة الاجتماع؛ أن هذا السلوك ليس وليد اللحظة، إنما يعود لطبيعة تكوين الشخصية المصرية عبر تاريخ طويل، حيث ينشأ المصرى وهو يحمل شعورًا بالمسئولية والرغبة فى إنقاذ الآخرين، وتُغذية الروح الجماعية التى تُميز المجتمع المصرى، ليتحول لإنسان يعيش وكأنه يحمل على عاتقه مسئولية سلامة البشرية.
 

 


وأن هذا الإحساس بالواجب لدى المصرى متأصل فى تاريخه منذ آلاف السنين، فهو ينظر إلى أمنه الشخصى باعتباره جزءًا من أمن الجماعة، ولا يرى أن سلامته تكتمل إلا إذا شعر بالأمان داخل المجتمع الذى يعيش فيه، مشيرة إلى أن هذا السلوك يسبق المفاهيم الحديثة التى عرفتها الإنسانية لاحقًا فى القرن الـ 19 تحت مفاهيم ومواثيق حقوق الإنسان.
 


وشددت على أن ما يظهر من مواقف بطولية فى أوقات الأزمات لا يمكن اعتباره سلوكا شخصيا أو فرديا، ولكنه هو امتداد لمنظومة قيم راسخة، معربة أن هذه الروح تتجلى بوضوح فى المواقف التى لا تصدر فيها أوامر رسمية، حيث يبادر الأفراد من تلقاء أنفسهم لإنقاذ الآخرين.
 


استشهدت د. هدى زكريا، باستشهاد اللواء أحمد الشربينى، خلال أداء واجبه، بصفته مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، فى أوائل شهر يوليو 2026؛ متأثرًا بإصابته إثر انهيار عقار عليه أثناء قيادته الميدانية لعمليات إخماد حريق هائل اندلع فى منطقة منشأة ناصر بمحافظة القاهرة، حيث واصل تواجده فى الصفوف الأمامية وسط النيران لضمان السيطرة على الحريق ومنع امتداده للمناطق السكنية.
 

 

الأمان الفردى المترابط مع الجماعة
 


وطالبت أستاذ علم الاجتماع السياسى بضرورة تكريم أصحاب المواقف البطولية، مؤكدة أن من يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين يستحق تقديرًا يليق بتضحيته، سواء من الدولة أو من رجال الأعمال.
 


وقالت إن الشاب الذى خاطر بحياته لإنقاذ ثلاثة أشخاص من الغرق فى محافظة الغربية يجب أن يحظى بتكريم سريع يضمن له حياة كريمة، لأنه منح الآخرين فرصة للحياة على حساب سلامته الشخصية.
 


سألتها «روزاليوسف» عن العوامل الاجتماعية التى تدفع شخصًا للمخاطرة بحياته لإنقاذ آخر لا يعرفه، ودور الأسرة فى غرس قيم النجدة والشهامة منذ الطفولة، قالت: «من حسن حظنا إن الأمهات لا زالت ترضع أطفالها مع لبن الرضاعة معانى وقيم كالانتماء للوطن والارتباط بالجماعة والأمة» مستشهدةً بأغانٍ قديمة كانت تغرس حب النيل والوطن فى وجدان الأجيال.
 


وأضافت أن هذا الترابط الاجتماعى يمنح المصريين شعورًا بالأمان يلفت انتباه شعوب أخرى، موضحة أن كثيرين يشعرون بالاطمئنان فى الشارع المصرى لثقتهم بأن من حولهم سيتدخلون للمساعدة إذا تعرضوا لأى خطر.
 


الضغوط الاقتصادية لم تؤثر فى روح التضامن
 


وسألتها «روزاليوسف»، كيف تمكن المجتمع المصرى من الحفاظ على قيم التضامن الاجتماعى، رغم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التى يواجهها؟ قالت أستاذة علم الاجتماع السياسى ، إن الأزمات الاقتصادية لم تنجح فى إضعاف قيم التضامن داخل المجتمع، لافتة لأن بقاءنا فى الأساس مرتبط بتضامننا، نحن باقون ببقاء الروح الجمعية والضمير الجمعي».
 


خطورة الترند والسعى للشهرة
 


وفيما يتعلق بدور وسائل الإعلام، انتقدت زكريا ما وصفته بانجراف كثير من المنصات وراء منطق «الترند»، معتبرة أن السعى إلى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أصبح يدفع بعض وسائل الإعلام إلى التركيز على السلوكيات السلبية؛ أو السخرية من الأشخاص أو البحث عن أخطائهم، على حساب النماذج الإيجابية التى تستحق تسليط الضوء عليها.
 


وطالبت الإعلام باستعادة دوره فى إبراز القيم الإيجابية التى تعزز التماسك المجتمعى، بدلًا من الانشغال الدائم بالمحتوى المثير للجدل.
 


معايير مهنية لتغطية قصص البطولة والإنقاذ
 


وترى الدكتورة رضوى عبد اللطيف، المُحاضر فى الإعلام الرقمى ومديرة مركز أخبار اليوم للتدريب، أن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت المنصة الأولى لنشر المبادرات الإيجابية، لما توفره من سرعة فى الوصول إلى الجمهور بمختلف فئاته العمرية، سواء الشباب أو الفئات الأكبر سنًا.
 


ورغم أهمية تغطية وسائل الإعلام لقصص البطولة والإنقاذ، أكدت عبد اللطيف فى حديثها لـ « روزاليوسف» على أهمية الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، وضرورة احترام خصوصية الناجين وعدم نشر صورهم أو مقاطع الفيديو التى تُظهرهم أثناء وقوع الحادث.
 


التصوير لا يجب أن يكون بديلًا عن الإنقاذ
 


وأشارت إلى ظاهرة وصفتها بأنها تحمل جانبًا إيجابيًا وآخر سلبيًا فى الوقت نفسه، تتمثل فى انتشار تصوير الحوادث عبر الهواتف المحمولة، وأن توثيق الأحداث قد يكون مفيدًا، لكنه لا ينبغى أن يأتى على حساب تقديم المساعدة للمصابين أو الضحايا.
 


وأضافت أن بعض الأشخاص أصبحوا يعتقدون أن تصوير الحادث يمثل مساهمة كافية، بينما يؤدى ذلك فى بعض الحالات إلى تأخر إنقاذ المصابين، لأن الجميع ينشغل بالتصوير بدلًا من التدخل للمساعدة.
 


 «أبطال من ورق»
 


وردًا على سؤال حول ما إذا كانت بعض التغطيات الإعلامية؛ تسهم فى صناعة بطولات زائفة؛ أو تمنح أصحابها شهرة مبالغًا فيها، قالت خبيرة الإعلام الرقمى إن الأمر يرتبط بالسياسة التحريرية لكل مؤسسة إعلامية، فهناك بعض المنصات تحول الموقف البطولى إلى قصة شخصية ممتدة، من خلال تتبع تفاصيل حياة صاحبها الخاصة وأفراد أسرته، وهو ما يخرج عن الدور المهنى للإعلام.
 


أوضحت هناك بعض المؤسسات تخلق ما يمكن أن نسميه (أبطالًا من ورق)، بينما المطلوب هو الالتزام بالموضوعية وعدم المبالغة فى تضخيم الحدث. 
 


اختتمت رضوى عبد اللطيف حديثها قائلةً: «ليس من دورى كإعلامى الذهاب إلى جيران البطل أو أسرته، وإنما أن أبحث عن أسباب المشكلة وكيفية منع تكرارها».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط