هدى العراقي تكتب: كنوز الملوك المنسية (فرعون مصر الفضي)
في الوقت الذي يستحوذ فيه بريق الذهب على المخيلة الجمعية عند الحديث عن الفراعنة، تبرز قصة الملك "بسوسنس الأول" (حوالي 1039-991 ق.م) كحالة استثنائية في التاريخ المصري القديم، ففي قاعتة، وتحديدا في المتحف المصري بالتحرير حيث ينعكس بريق الفضة على ملامح ملكٍ غاب عن الدنيا منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، يقف التاريخ في مواجهة الحاضر. ليس المشهد مجرد عرضٍ لمقتنيات ملكية نادرة، ولا مجرد مجموعة من المعادن النفيسة والأحجار الكريمة فكل قطعة هنا تحمل جزءًا من قصة مصر القديمة، وتكشف عن عصرٍ طالما اختُزل في كتب التاريخ باعتباره زمنًا من الضعف والانقسام، قبل أن تأتي كنوز تانيس لتقدم رواية أكثر تعقيدًا وثراءً.
إنها إحدى الاكتشافات اثرية على الاطلاق إنه قبر فرعون مصر الوحيد غير المصاب بأذى، فعندما يُذكر الفراعنة، غالبًا ما يتجه الخيال مباشرة إلى الذهب؛ ذلك المعدن الذي ارتبط في مصر القديمة بالشمس والخلود وجسد الآلهة. غير أن قصة الملك بسوسنس الأول، أحد أبرز ملوك الأسرة الحادية والعشرين، ففي عصره، كانت الفضة من أندر المعادن وأعلاها قيمة، حتى إن امتلاكها واستخدامها في صناعة تابوت ملكي كان تعبيرًا استثنائيًا عن المكانة والثروة والسلطة.
في عامي 1939 و1940، وبينما كان العالم يتجه إلى واحدة من أكثر لحظاته اضطرابًا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه يعمل في موقع صان الحجر، أو تانيس القديمة، في شمال شرق الدلتا. وهناك، تحت أنقاض المدينة الملكية، عثر على مقابر ملكية حفظت جانبًا استثنائيًا من ثروات الأسرة الحادية والعشرين.
إذ كشفت مقبرة الملك بسوسنس الأول عن مجموعة من الكنوز الملكية التي ظلت مدفونة قرونًا طويلة، ومن بينها تابوته الفضي الشهير، وقناعه الجنائزي الذهبي، ومجوهرات وأحجار كريمة، بما أعاد فتح النقاش حول طبيعة عصر الانتقال الثالث، الذي ظل لفترة طويلة أسير صورة نمطية تصفه بالاضطراب والانحلال.
لقد أثبتت كنوز تانيس أن التاريخ لا يُقرأ دائمًا من خلال الروايات السياسية وحدها، وأن عصر الانقسام السياسي لم يكن بالضرورة عصرًا خاليًا من الثراء الفني أو القدرة الاقتصادية أو التطور الحرفي. فالمقبرة التي كشف عنها مونتيه كانت بمثابة نافذة نادرة على مجتمع ملكي ظل قادرًا على إنتاج أعمال فنية بالغة التعقيد، وتسخير موارد نادرة لصناعة رموز الخلود والسلطة.
وتكمن المفارقة الكبرى في أن الذهب، الذي أصبح رمزًا خالدًا للحضارة المصرية القديمة، لم يكن دائمًا المعدن الأكثر ندرة أو قيمة.
فقد امتلكت مصر مصادر مهمة للذهب، خاصة في مناطق الصحراء الشرقية والنوبة، بينما كانت الفضة أكثر ندرة، ولم تكن مصر تمتلك موارد محلية مماثلة لها، ما جعل الحصول عليها مرتبطًا بالتجارة والاتصال بالمناطق الآسيوية.
ولهذا اكتسبت الفضة مكانة استثنائية في المخيلة الدينية المصرية القديمة.
فبينما ارتبط الذهب بالشمس وبفكرة الجسد الإلهي الذي لا يفنى، ارتبطت الفضة بالعالم السماوي وباللمعان والصفاء، حتى إن بعض التصورات الدينية المصرية ربطت بين المعادن النفيسة وأجزاء من أجساد الآلهة.
ففي العقيدة المصرية القديمة، لم تكن المقبرة مجرد مكان لدفن الجسد، بل كانت بوابة إلى عالم آخر. وكان التابوت جزءًا من منظومة عقائدية متكاملة، تهدف إلى حماية الملك وضمان استمراره في الحياة الأبدية.
وقد جعلت هذه المجموعة من مقبرة بسوسنس الأول واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية في مصر الحديثة، واللافت أن اكتشاف كنوز تانيس جاء في توقيت تاريخي بالغ الصعوبة؛ فالعالم كان غارقًا في الحرب، وهو ما أثر على صدى الاكتشاف وانتشاره عالميًا. ومع ذلك، ظلت المقبرة وما خرج منها شاهدًا على أن مصر القديمة لم تتوقف عن إنتاج الفن والثراء والرموز الملكية، حتى في الفترات التي بدت سياسيًا أكثر تعقيدًا.
فالملك الذي يُدفن داخل تابوت مصنوع من معدن نادر، ويُحاط بمجوهرات وأحجار ثمينة، لا يعلن فقط عن ثروته؛ بل يؤكد مكانته، ويقدم صورة عن قدرته على السيطرة على الموارد، واستمرار تقاليد الملكية المصرية، وقدرته على الحفاظ على الصلة بين الحكم الأرضي والنظام الديني والكوني.
فبسوسنس الأول، الذي حكم مصر خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد، لم يترك خلفه مجرد تابوت فضي وقناع ذهبي.
لقد ترك سؤالًا مفتوحًا أمام التاريخ: هل يمكن اختزال عصر بأكمله في الانقسامات السياسية التي شهدها؟ وتجيب كنوز مقبرته بالنفي
فوراء الفضة المصقولة، والذهب المشغول، واللازورد، والأحجار الكريمة، تظهر مصر أخرى؛ مصر التي واصلت تقاليدها الفنية والدينية، وطورت مهاراتها في صناعة المعادن، وحافظت على مفهوم الملك المقدس والخلود، حتى في أوقات التحولات الكبرى.
وهنا تكمن عظمة قصة بسوسنس الأول، فالتاريخ لا يُقاس دائمًا بكمية الذهب التي تركها الملوك وراءهم، ولا بمدى شهرة أسمائهم في الذاكرة الحديثة.
أحيانًا، يكفي تابوت من الفضة
ليعيد كتابة فصل كامل من التاريخ. يروي لنا قصة ملكٍ لم يكتفِ بأن يحكم في حياته، بل أراد أن يظل حاضرًا في الأبدية.



