الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

وجيه نزيه يكتب: مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد.. بين مستجدات المشرعين واعتراضات الحقوقيين

وجيه نزيه
وجيه نزيه

تشهد الساحة القانونية والمجتمعية نقاشاً مُحتدماً حول (مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد)، الذي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات الأسرية من خلال استحداث وتعديل مجموعة واسعة من البنود التشريعية بالتوازي مع موجة عارمة من الانتقادات والاعتراضات التي تبنتها قوى المعارضة والمنظمات الحقوقية مُعتبرةً بعض هذه المقترحات تراجعاً أو شططاً تشريعياً.

 

تتضمن أبرز المُستجدات في بنود القانون المقترح وضع ضوابط صارمة لـ(مرحلة الخُطبة) تشمل آليات واضحة لرد المَهر والهدايا والتعويض في حال الفسخ إلى جانب إلزامية توثيق الطلاق والحد من الطلاق الشفهي عبر اشتراط آليات إثبات رسمية لتقييد الانفصال المبكر.. كما استحدث التشريع بنداً يسمح بإدراج شروط خاصة في عقد الزواج أو عبر وثيقة اتفاقية مُستقلة تنظم الحقوق والواجبات والالتزامات قبل إتمام العقد.. وعلى ذلك منح الزوجة حق اشتراط عدم الزواج بأخرى إلا بإذن كتابي منها وبجانب الحق في تفويضها في تطليق نفسها على الصعيد المالي.. ومن هنا قد أقر القانون استقلالية الذمة المالية لكل من الزوجين مع إمكانية الاتفاق على كيفية إدارة واستثمار الأموال المشتركة المكتسبة بينهما أثناء الزواج.. بالإضافة إلى فرض وثيقة تأمين إجبارية لصالح الزوجة لضمان مُستحقاتها المالية والنفقة بعد الطلاق.. وكذلك حقها في انتفاع بمسكن الزوجية في حالات الطلاق أو الوفاة.

 

وفيما يخص الطفولة والرعاية حدد القانون سن الحضانة بـ ١٥ عاماً للذكور والإناث على حد سواء قبل تخييرهم أو نقل الولاية مع إجراء تعديل جوهري يقضي بتقديم ترتيب حضانة الأب ليكون في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم إلى جانب إدخال (مفهوم الاستزارة والرؤية الإلكترونية) وإسناد الولاية التعليمية للطرف الحاضن بصفة أصيلة مع تفعيل الربط التقني بالمنظومة الإلكترونية بين نيابات ومحاكم الأسرة وصندوق دعم الأسرة لتسريع آلية تنفيذ النفقات.

 

وفي المقابل وصفت قوى المعارضة والحركات الحقوقية والنسوية العديد من هذه البنود بالهراء القانوني والتجاوزات الصارخة التي تكرس التمييز وتهدد الاستقرار الأسري والمجتمعي المصري.. حيث انصبت الانتقادات الحادة على آلية صياغة القانون ذاته واعتبرت المعارضة أن تشكيل اللجنة الحكومية يعكس خللاً بنيوياً وهيمنة ذكورية واضحة نظراً لضعف التمثيل النسائي فيها مما أدى لإنتاج نصوص لا تعبر عن الواقع الفعلي لمشكلات النساء والأطفال.. وكما اعتبرت المعارضة تقديم ترتيب الأب في الحضانة إلى المرتبة الثانية التفافاً على حقوق الأمهات والمصلحة الفُضلى للطفل محذرة من استخدام هذا البند كوسيلة ضغط لابتزاز النساء ومقايضتهن بحقوقهن المالية مقابل الاحتفاظ بأطفالهن.. وانتقدت المعارضة كذلك فرض عقوبات وغرامات مالية على الحاضن في حال تعذر الرؤية دون مراعاة للأسباب النفسية معتبرين إياها نصوصاً تعسفية.

وأما على الجانب المُتعلق بمشروع قانون الأسرة لإخواننا المسيحيين فقد واجه المُقترح هجوماً حقوقياً واسعاً لمطالبته بفتح حوار مجتمعي علني ووُصفت صياغته الحالية بأنها تُكرس عقوبات أبدية ليس لها مثيل وتضيق الخناق على أسباب ما يُسمون الإنحلال المدني للزواج فضلاً عن غياب قانون مدني موحد وشامل للأحوال الشخصية يضمن المواطنة الكاملة ويقضي على التضارب في الأحكام القضائية الناتجة عن تباين هذة المرجعيات الدينية.

 

ولنتطرق معاً أكثر وضوحاً وتفصيلاً مُرتباً وفي تمعن للمُستجدات والاستحداثات:

أولاً: مُستجدات وتعديلات بنود قانون الأحوال الشخصية:

- البند الأول (الخُطبة ومُستحقاتها): تنظيم قانوني مُستحدث يضع ضوابط صارمة لفترة أو مرحلة الخطبة حيث ينص التعديل على آليات قانونية واضحة ومحددة تلزم الأطراف بآلية رد المَهر والهدايا بالإضافة إلى إقرار الحق في التعويض المادي والمعنوي للطرف المُتضرر في حال فسخ الخُطبة دون مُقتضى.

- البند الثاني (توثيق الطلاق ومنع الشفهي): وهو تعديل جوهري يقضي بإلزامية التوثيق الرسمي لكل حالات الطلاق، والحد بشكل قاطع من الاعتداد بالطلاق الشفهي؛ حيث يشترط القانون آليات إثبات رسمية وقنوات توثيقية مُقيدة لتقليل نسب الانفصال السريع والمبكر وحماية الحقوق المُترتبة عليه.

 

- البند الثالث (الشروط الخاصة وثيقة الاتفاق): استحداث مادة تتيح للأطراف إدراج شروط خاصة ومُخصصة ضمن عقد الزواج أو صياغتها عبر (وثيقة اتفاق مُستقلة)، حيث منها تُنظم الحقوق والواجبات والالتزامات المُشتركة قبل إتمام العقد بشكل رسمي، ويتضمن هذا البند منح الزوجة الحق في اشتراط عدم زواج زوجها بأخرى إلا بإذن كتابي ومسبق منها فضلاً عن إمكانية تفويضها في تطليق نفسها وهي أن تصبح (العصمة) بيدها.

 

- البند الرابع (استقلالية الذمة المالية): وهو إقرار بند تشريعي يضمن الاستقلال التام للذمة المالية لكل من الزوج والزوجة مع توفير مساحة قانونية تسمح بالاتفاق المكتوب على كيفية إدارة استثمار وتوزيع الأموال والمُمتلكات المُشتركة التي يتم اكتسابها أو تحصيلها أثناء قيام العلاقة الزوجية.

 

- البند الخامس (وثيقة التأمين الإجبارية والمسكن): ومنها تفعيل مادة تلزم بفرض وثيقة تأمين إجبارية لصالح الزوجة عند الزواج لضمان سرعة استيفاء مُستحقاتها المالية والنفقة المُقررة لها فور وقوع الطلاق، ويتكامل هذا مع نص قانوني يضمن حقها الأصيل في الانتفاع بمسكن الزوجية والامتياز به في حالات الطلاق أو وفاة الزوج.

 

- البند السادس (سن الحضانة وترتيب الأب): ويتطرق إلى تعديل المادة الخاصة بالحقوق والرعاية لتوحيد سن الحضانة عند ١٥ عاماً لكل من الذكور والإناث على حد سواء قبل تخيير المَحضون أو نقل الولاية، ويتزامن ذلك مع تعديل هيكلي يرفع ترتيب الأب في منظومة الحضانة ليكون في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم مُتقدماً على الجدة للأم.

 

- البند السابع (الاستزارة و الرؤية الإلكترونية): وعليها تم إدخال بند مُستحدث يشرع هذا النظام وتفعيله عبر وسائل التواصل كبديل تكنولوجي مُكمل يضمن تواصل المحضون مع الطرف غير الحاضن في الظروف الاستثنائية أو السفر.

- البند الثامن (الولاية التعليمية والربط الرقمي): وهو شأنان في آن واحد بتعديل المادة الناظمة للشؤون التعليمية لتسند الولاية التعليمية بصفة أصيلة ومباشرة للطرف الحاضن وهي الأم في الغالب.. منعاً للمُناكفات الأسرية وحزم الجدال وتطويقه، ويرتبط ذلك إدارياً بإنشاء منظومة ربط تقني إلكترونية شاملة بين نيابات ومحاكم الأسرة وصندوق دعم الأسرة لتسريع وتيرة تنفيذ النفقات والأحكام المالية وتفادي البيروقراطية ومُعاناتها في التنفيذ.

 

 

ثانياً: تجاوزات ومآخذ المُعارضة على بنود ومواد القانون:

- البند التاسع (آلية الصياغة والتمثيل النسائي): حيث ترى المُعارضة والحركات الحقوقية أن آلية تشكيل اللجنة الحكومية المُكلفة بصياغة القانون تشوبها تجاوزات بنيوية وخلفية ذكورية واضحة.. نظراً لضعف التمثيل النسائي والحقوقي الفاعل فيها.. مما ترتب عليه إنتاج مواد ونصوص معزولة عن الواقع الفعلي والمعاناة الحقيقية التي تواجهها النساء والأطفال في المحاكم.

 

- البند العاشر (الالتفاف على الحضانة و الابتزاز): تعتبر المعارضة أن المادة التي تقضي بتقديم ترتيب الأب إلى المرتبة الثانية في الحضانة تعد تجاوزاً صارخاً يلتف على المصلحة الفضلى للطفل وحقوق الأمهات.. حيث تُحذر أصوات القوى النسائية من استغلال هذا البند كأداة ضغط غير مشروعة لابتزاز الأمهات ومقايضتهن بالتنازل عن حقوقهن المالية والشرعية مقابل الاحتفاظ بأطفالهن.

 

- البند الحادي عشر (للعقوبات التعسفية في الرؤية): انتقدت المعارضة بشدة البند الذي يفرض غرامات مالية وعقوبات مُشددة على الطرف الحاضن في حال تعذر تنفيذ الرؤية، ووصفته بالهراء القانوني لكونه يغفل تماماً الأسباب النفسية المُعقدة للمحضون أو التطرق للظروف القهرية مما يجعلها نصوصاً تعسفية تزيد من احتقان العلاقة الأسرية.

- البند الثاني عشر (انتقادات قانون الأسرة للأخوة المسيحيين وغياب القانون المدني): وعلى هذا واجهت المسودة الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين هجوماً حقوقياً واسعاً بسبب غياب الحوار المُجتمعي العلني والشفاف حولها، ووصفت المُعارضة نصوصها الحالية بأنها تكرس عقوبات أبدية و تضع قيوداً مُشددة تضيق الخناق على أسباب الانحلال المدني للزواج.. كما شددت المُعارضة على أن الإصرار على القوانين الطائفية يمثل تجاوزاً للمواطنة الكاملة مُطالبة بضرورة إقرار (قانون مدني موحد و شامل للأحوال الشخصية) لجميع المواطنين ينهي التضارب القضائي الناتج عن تباين المرجعيات والمحاكم الدينية، وبالحق تنويه أن أشاعت الكنيسة المصرية ومشيخة الأزهر الشريف عبر صفحاتهما الرسمية بعدم تمرير ومناقشة وإيجاز الموافقة لهذة التعديلات التشريعية حتى الآن، ومنها الجانب التنفيذي وواقعها على البيت المصري لنسيج واحد مُتماسك ومُتكامل في رباط، في ظل راية الوطن.

 

تم نسخ الرابط