سقوط الأقنعة.. المرتزقة الذين بكت عليهم الحسابات المشبوهة بعد ضبطهم
لم تعد عمليات التجنيد والاستقطاب تقتصر على الطرق التقليدية، بعدما تحولت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة يمكن من خلالها استهداف الشباب والتأثير فيهم واستدراج بعضهم إلى مسارات خطرة، عبر حسابات مشبوهة تعمل على تقديم روايات مضللة وتزييف الحقائق، قبل أن تنتهي رحلة المغرر بهم إلى الوقوع تحت طائلة القانون.
وتكشف وقائع ضبط عناصر متورطة في أنشطة مرتبطة بالتجنيد والاستقطاب عن جانب آخر من المشهد؛ فبمجرد سقوط هؤلاء الأشخاص، تبدأ بعض الحسابات المشبوهة في محاولة إعادة تقديمهم للرأي العام باعتبارهم «ضحايا» أو «مظلومين»، متجاهلة طبيعة الاتصالات والأنشطة التي قادت إلى ضبطهم، في محاولة لتحويل مسار القضية من مساءلة الأفعال إلى صناعة مظلومية رقمية.
- العقيد حاتم صابر يكشف آليات التجنيد الخفي وحقيقة الحسابات المشبوهة خلف «المرتزقة الجدد»
وفي هذا السياق، أكد العقيد حاتم صابر، خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات، أن الحروب والمعارك الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات الميدانية المباشرة، بل امتدت إلى جبهات أكثر تعقيدًا في الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أن ضبط عناصر متورطة في أعمال تخريبية أو أمنية مقابل أموال تُحوّل عبر «حسابات توريد سريعة»، يمثل تحولًا خطيرًا في أساليب الاختراق الاستخباري.
وأوضح في تصريح لـ"بوابة روزاليوسف "، أن هذه الأساليب تستغل الفئات الهشة والمغرر بهم، وتحولهم إلى «مرتزقة رقميين» ينفذون أجندات مشبوهة، لافتًا إلى أنه عند حدوث ضربة أمنية ضد هؤلاء، تسارع شبكات من الحسابات الإلكترونية والمؤثرين إلى البكاء عليهم والتظاهر بالدفاع عن «حقوقهم»، في محاولة مكشوفة لتغطية الفشل وإعادة توجيه الرأي العام.
أوضح العقيد حاتم صابر، أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الرقمية تعتمد على تقنيات متطورة وأساليب تحرٍّ هجينة لتفكيك خيوط هذه الشبكات، وذلك عبر مراحل متكاملة، أبرزها:
1- تتبع الأثر الرقمي والمالي
تُعد الحوالات المالية السريعة أو المظلات المالية عبر العملات الرقمية والمحافظ الإلكترونية «طرف الخيط» الحقيقي في كشف هذه الشبكات، حيث تعمل وحدات التحري المالي المتقدمة على رصد أنماط المعاملات المالية المشبوهة، التي تتسم بالسرعة وصغر المبالغ وتكرارها، أو قد تأتي من منصات غير خاضعة للرقابة التقليدية، ثم ربط توقيت هذه التحويلات بتوقيت تنفيذ الأنشطة المشبوهة أو نشر المحتوى التخريبي.
2- تحليل الشبكات الاجتماعية
تستخدم الأجهزة المختصة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط التفاعل بين الحسابات الموجهة والمجندين، وتحديد «العقد المركزية» داخل الشبكة، وهي الحسابات الوسيطة التي تتولى التواصل المباشر مع العناصر المستهدفة والإشراف على تنفيذ المهام.
3- الهندسة العكسية لأساليب الاستدراج
تكشف التحقيقات، أن التجنيد غالبًا ما يمر بمراحل متدرجة، تبدأ بفرز الضحايا بناءً على منشوراتهم وتوجهاتهم النفسية أو الضائقة المالية التي يمرون بها، ثم الانتقال إلى غرف الدردشة المشفرة، مثل «تليجرام» و«سيجنال»، وصولًا إلى تكليفهم بمهام بسيطة مقابل أجر، بهدف توريطهم تدريجيًا في مهام أكثر خطورة.
وأشار خبير مقاومة الإرهاب الدولي وحرب المعلومات إلى أن الحسابات التي تدير هذه العمليات ليست مجرد أفراد عاديين ينشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تمثل، بنية تحتية منظمة تتوزع فيها الأدوار بدقة، وتنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:
1- الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني
تعتمد هذه الحسابات على برمجيات آلية لتكثيف النشر وتضخيم الروايات الزائفة، بهدف خلق انطباع وهمي بوجود تعاطف شعبي مع الموقوفين، والتغطية على الجرائم المنسوبة إليهم.
2- الحسابات الواجهة
وهي حسابات تتخفى تحت أغطية براقة، مثل «منظمات حقوقية مستقلة» أو «حسابات إخبارية بديلة» أو «منصات لدعم الشباب»، حيث تُستغل هذه الواجهات كستار ناعم لاستقطاب العقول وتسهيل عمليات التمويل بعيدًا عن الشبهات المباشرة.
3- شبكات الوكلاء والوسطاء
وتُعد، الأخطر، إذ تُدار غالبًا من خارج الحدود عبر أجهزة استخبارات أجنبية أو جماعات مصالح، وتتمثل وظيفتها في توفير المظلة المالية واللوجستية، وتوجيه الحسابات الواجهة والذباب الإلكتروني، بما يضمن تجنب الملاحقة القضائية المباشرة.
وأوضح العقيد حاتم صابر أنه عندما تسقط هذه العناصر في قبضة العدالة، تبدأ حملات منظمة من «البكاء الرقمي» والتعاطف المفتعل من جانب تلك الحسابات والشبكات المشبوهة، لافتًا إلى أن ذلك يتم، لأسباب استراتيجية محددة، أبرزها:
1- صناعة مظلومية زائفة
محاولة تحويل «المرتزق الأجير» إلى «ضحية» أو «ناشط»، بهدف إحراج الأجهزة الأمنية وإثارة الرأي العام.
2- حماية ما تبقى من شبكة التجنيد
إرسال رسالة طمأنة إلى المجندين المحتملين بأن هناك من سينتفض للدفاع عنهم حال كشفهم، بما يضمن استمرار تدفق عناصر جديدة إلى تلك الشبكات.
3- تشتيت انتباه الشارع
صرف النظر عن الأدلة المادية الملموسة، مثل الحوالات المالية وتسجيلات المهام، والتركيز بدلًا من ذلك على الخطاب العاطفي.
الأمن السيبراني والوعي المجتمعي.. حائط الصد
واختتم العقيد حاتم صابر حديثه بالتأكيد على أن سقوط الأقنعة عن «المرتزقة الجدد»، وما يرافقهم من شبكات تمويل وتضليل، يبرهن على أن الأمن السيبراني والوعي المجتمعي يمثلان حائط الصد الأول في مواجهة هذه المحاولات.
وأضاف أن المبالغ المالية والتطبيقات المشفرة لم تعد قادرة، على حماية هذه العناصر من أعين الأجهزة المختصة، التي طورت أدواتها لتتبع الأموال وفك خيوط التجنيد الخفي.
واختتم مؤكدًا أن الحقيقة الواضحة، في هذا السياق، هي أن «المرتزق ليس إلا أداة رخيصة تُستغل وتُرمى بمجرد احتراق ورقتها».



