البعض يتذكر حكاية خامس أباطرة روما "نيرون"، الطاغية الذي لم يكن يبحث عن المجد العسكري، بل كان مريضاً بـ "عقدة النقص" وجنون العظمة، مقنعاً بأنه إله وفنان لا مثيل له، وأن روما بأكملها مجرد خشبة مسرح لجريمته الكبرى، فأحرق روما ووقف يعزف الكمان.
وأنت هل شاهدت فيلم "الحرب الأهلية" Civil War الذي أنتج 2024، الذي يصوّر الولايات المتحدة الأميركية المعاصرة في خضم انهيارٍ عنيف، بصورة قاتمة؟ ما جعله فيلم إثارةٍ مؤثرا للغاية هو واقعيته المُخيفة، فرغم أن طرفي الحرب الأهلية كانا خياليين، إلا أنه لامس وتراً حساسا بسبب الانقسامات الواضحة التي تُشوّه أمريكا المعاصرة.
ويأتي "جنون الرؤساء" أو جنون العظمة (النرجسية المطلقة) هو حالة نفسية وسلوكية يصاب بها بعض القادة والزعماء عند تملكهم للسلطة المطلقة، فتتضخم ذواتهم، ويشعرون بالتعالي، وفقدان التعاطف مع الشعوب، والاعتقاد بالخلود أو الصواب المطلق في كل القرارات.
جنون مُعدٍ، ولم يظهر ذلك بوضوح أكبر من أي وقت مضى كما بدا في اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران الذي أُبرم، واستمر طوال فترة أولمبياد كرة القدم 2026، وأستأنف بعدها في اليوم 39 من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 148 يوماً من اندلاع الحرب، وأول أمس، نقلت الاخبار عن مسؤولين أمريكيين أن الرئيس الأمريكي ترمب وجه مفاوضيه سرا بمواصلة المحادثات حتى بعد صرح بأنه يدرس شن هجوم واسع النطاق على إيران، بناءً على رغبة الدولتين في العودة إلى مفاوضات وقف إطلاق النار.
أو ما يمكن تسميته "جنون الملك دونالد" فمن المستحيل ألا تكون قد لاحظت أن الرئيس الأمريكي ليس ذكياً جداً، بل ويبدو أقرب إلى شخصية معادية للمجتمع (سيكوباتية)؛ وهي مزيج قاتل.
إن نشر عبارة "افتحوا ذلك المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين وإلا ستعيشون في الجحيم" على حسابه في وسائل التواصل الاجتماعي ليس تصرفاً يصدر عن شخص سويّ العقل، ولا سيما في وقت يقف فيه الشرق الأوسط على حافة الهاوية.
وراء الرئيس ترمب بيت هيجسيث 46 عاماً وزير الحرب والدفاع الأمريكي، ويتميز بكونه متخصصاً في "الجنون"؛ فقد أعلن أن الحرب حققت نجاحاً ساحقاً، رغم عدم وجود أي مؤشر على تغيير النظام في إيران، ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تحاول تدمير المنشآت النووية التي زعمت أنها قضت عليها في العام السابق، فضلاً عن أن إيران باتت تسيطر فعلياً على مضيق هرمز، وهو ما لم تكن تسيطر عليه قبل اندلاع الحرب.
تعود خدمة الوزير العسكرية خلال غزو العراق قبل 20 عاما، فهو عسكري ومذيع وكاتب أمريكي محافظ، ومن قدامى المحاربين في الجيش الأمريكي، خدم في العراق وأفغانستان ومعتقل جوانتانامو، وهو واحد من أبرز وجوه الشاشة الأميركية، كمقدم برامج بفوكس نيوز، إذ ظهر في برامج رئيسية عدة على قناة فوكس نيوز، ومنها سطع نجمه وبدأ يروج لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن ما قد يكون فاتك هو أن هذا الجنون مُعدٍ؛ فهو يصيب أيضاً الكثيرين ممن يتعاملون معه. إذ إن محاولة التعامل مع هذا الجنون تجعلهم مجانين هم أيضاً، حيث يحاولون التصرف وكأن أموراً غير طبيعية بالمرة هي مجرد أحداث عادية وروتينية.
ولم يتجلَّ هذا الأمر بوضوح أكبر من أي وقت مضى كما حدث في اتفاق وقف إطلاق النار الذي استمر أسبوعين؛ وهو اتفاق لم يتمكن أحد من الاتفاق على تفاصيله الدقيقة - أو حتى ما إذا كان قد تم التفاوض على شيء أصلاً - في حين اعتبرته إسرائيل ضوءاً أخضر لمواصلة قصف لبنان.
والآن، ليس من المستغرب أن يتأثر المقربون من ترامب في البيت الأبيض بذلك؛ فهذا جزء من اللعبة. فعندما يُظهر مستشاروه بوادر تعقل، ينتاب الرئيس القلق ويقرر إقالتهم. وهذا ما يجعل وزير الدفاع، في مأمن تام من الإقالة في الوقت الراهن.



