كيف يكون خيارًا ناجحًا للردع فى «القرن الإفريقى»؟
فى شهر أكتوبر الماضى، وبينما كنا فى «روزاليوسف»، نُحيى مئوية صدور هذه المجلة الرائدة والعريقة، كان أكثر ما استوقفنى وقتها، هذا الكم الذى تمتلكه هذه الدار، من «تراث وكنوز» فكرية وثقافية، وليس «أرشيفًا» صحفيًا.. آلاف الصفحات التى سطّرتها أقلام عشرات من المبدعين وكبار الكتاب والمفكرين، ودونت عشرات المواجهات والمعارك، دفاعًا عن الهوية والحرية والحقيقة، فتجاوزت قيمتها حدود الخدمة الصحفية، بل كانت خير حارس لذاكرة وطنية على مر عقود طويلة.
ربما تذكرت بعضا مما قرأت واطلعت عليه فى تراث «روزاليوسف» الصحفى، الأسبوع الماضى، وبينما كنا وسط نخبة المسئولين عن الإعلام المصرى، وبعضٌ من صُناعه، فى مبنى «ماسبيرو» العريق، لتدشين مشروع «رقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون المصري»، على مدار مائة عام.. فالقيمة والمعنى واحد، سواء إذا كنا نتحدث عن ذاكرة وطنية مكتوبة، وأخرى موثقة بالسمع والصورة، فهى صفحات تروى كثيرًا من اللحظات الفارقة فى تاريخ الدولة المصرية، ليس على الصعيد السياسى أو الاقتصادى فقط، وإنما نبض هذا المجتمع وحضارته وثقافته وفنونه ودفاعه المستمر عن هويته.
كان أبلغ وصف استمعتُ إليه، عند استعراض مشروع «رقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون»، الذى جاء بتوجيهات رئاسية، أنه لا يقل أهمية عن ترميم الدولة لآثارها، وإرثها الحضارى، وتراثها المعمارى، على اعتبار أن هذا المشروع «الأكبر ثقافيًّا وفكريًّا»، وذلك بالنظر إلى حجم هذا التراث ونوعيته وقيمة محتواه الذى يضم آلاف الساعات لرواد ومبدعين ومفكرين، ونوادر عن عشرات الرموز الوطنية.
وإذا كنا نتحدث عن تراث ظل لعقود شاهدًا على دور الإعلام كأحد أدوات الدولة الناعمة، فى التأثير والإقناع فى الداخل والخارج، إلى جانب خبرات ممتدة شكلت «قوى مصر الناعمة» سواء ثقافيًّا وفنيًّا ورياضيًّا واقتصاديًّا، فالتساؤل الذى يطرح نفسه هنا، هو إلى أى مدى يمكن التعويل على «قوى التأثير الناعم»، ومن بينها الإعلام، فى معارك الدولة الخارجية؟، وإلى أى مدى يمكن أن تشكل سلاحًا للردع، أو نصيرًا لتحركات الدولة السياسية والدبلوماسية للحفاظ على حقوقها ومصالحها الاستراتيجية فى محيطها الإقليمى، ونخص هنا دوائر التحرك المصرى فى منطقة القرن الإفريقى وحوض النيل.
وطرح مثل هذه المقاربة، يستند إلى تجارب عديدة ناجحة للقوى الناعمة المصرية، خصوصًا الإعلام وتأثيره فى المحيط الإفريقى، وهنا يأتى من بين شواهده، تجربة الإذاعات الموجهة باللغات الإفريقية، وإذاعة صوت إفريقيا، التى كانت تُبث فى عهد الزعيم جمال عبدالناصر، ومثّلت صوتًا لحركات التحرر الإفريقية فى ستينيات القرن الماضى، وهذه فى حد ذاتها واحدة من تراث «ماسبيرو» الذى يمكن إعادة إنتاجه واستثماره فى رؤية وتوجهات الحاضر.. فكيف يكون إذن؟
مبنى الـ«مليون وثيقة»
نقطة التوقف الأولى، تتعلق بما نمتلكه من قدرات وأدوات قادرة على صناعة التأثير، أو بمعنى أوضح قادرة على إنتاج رواية إعلامية وطنية ونشرها، وفى الواقع أننا نمتلك مؤسسات لديها رصيد طويل من هذه الصناعة، فالمؤسسات الإعلامية الوطنية (صحافة قومية وإذاعة وتليفزيون)، تمتلك تراثًا فكريًّا وثقافيًّا، وليس أرشيفًا صحفيًّا وإعلاميًّا، هكذا كان تقديرى عند إحياء مئوية روزاليوسف، أكتوبر الماضى، أننا نمتلك «كنزًا» وليس أرشيفًا.
فى «ماسبيرو»، كان أهم ما لفت الانتباه، واستحق التوقف مع معناه، ذلك الحصر المعلن عن كم ما تحتويه مكتبة الإذاعة والتليفزيون من أرشيف إذاعى وتليفزيونى، والذى يُقدر بمليون شريط (أى مليون وثيقة)، يحتوى على نحو 800 ألف ساعة مسموعة ومرئية، توثق مائة عام من المحتوى الإعلامى، ما يعنى أننا نتحدث عن (كنز) مسموع ومرئي، يوثّق حقبا عديدة مرت بها الدولة المصرية على مدار قرن، من خلال جميع النخب الفكرية والثقافية والسياسية والمجتمعية.
والواقع أن قيمة مشروع رقمنة هذا التراث، ليست فقط فى مسألة حمايته والحفاظ عليه من عوامل التلف أو السرقة أو الإهدار، وإنما فى حُسن إدارته، فالغاية من مشروع بهذا الحجم، الذى تصل تكلفته إلى 38 مليون دولار (ما يقرب من مليارى جنيه)، هو سرعة إتاحة هذا المحتوى الرائد والفريد، وإعادة إنتاجه بلغة العصر، وتقديمه للأجيال المعاصرة، عبر منصات التواصل الجديدة والحديثة، لنعيد تقديم رموز الفكر والثقافة والأدب والفن للأجيال اللاحقة.
أهمية هذا المشروع، تنطلق أولًا من هذا التقدير الرئاسى للإعلام وتأثيره وتراثه، ذلك أن تدشينه جاء بتوجيه ومتابعة مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسى، ليسجل محطة من محطات اهتمام القيادة السياسية بالإعلام الوطنى ودوره خصوصا فى معارك الوعى والهوية، أما البعد الآخر، فيتعلق بمكتسبات هذا المشروع، التى تتجاوز حدود الجماعة الإعلامية والصحفية، فهو ليس توثيقًا لتاريخ الإعلام فقط، وإنما «قوة ثقافية وحضارية» فى معارك الهوية، ومرجعًا حيًّا للأجيال القادمة، واستثمارًا ثقافيًّا وفكريًّا، وفى نفس الوقت، وشاهدًا على إحدى أهم أدوات «قوى مصر الناعمة»، فى التأثير الحضارى على مدار قرن.
ولا يعنى الحديث عن تاريخ وتراث المؤسسات الإعلامية الوطنية، أنها لم تعد حاضرة فى معادلة التأثير الناعم، وإذا كانت تواجه تحديات فى مستويات انتشارها بالمقارنة بفترات سابقة، فإن ذلك لا يعنى أنها فقدت القدرة، ولعل الشاهد على ذلك أن مصر تصدرت تصنيف قائمة الدول الإفريقية ذات التأثير الأكبر من حيث القوة الناعمة، وفق المؤشر الصادر فى أغسطس 2024، عن شركة «براند فاينانس» العالمية.
وقيمة هذا التصنيف، أنه يأتى استنادًا إلى استطلاع رأى جميع الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة، بشأن ترتيب الدول ومدى تحقيقها لمعايير المؤشر، خصوصا أنه يقيس ثمانى ركائز أساسية، تتعلق بأدوات القوى الناعمة، من بينها الثقافة والتراث، والإعلام والاتصالات، والأعمال والتجارة، والعلاقات الدولية، والتعليم والعلوم، والحوكمة، والقيم التى يتمتع بها الشعب، والمعنى هنا، أن الدولة تمتلك القدرة والفرصة لتحقيق التأثير الناعم.. والسؤال هنا، كيف يتم استثمار هذه الأدوات لصالح التحركات والمصالح المصرية فى القرن الإفريقى؟
قناة فضائية إفريقية
الواقع أن هناك جهودًا سياسية مبذولة لتعميق الشراكات المصرية مع دول هذه المناطق (حوض النيل والقرن الإفريقي)، لكن أى تحرك سياسى من المهم أن تتكامل معه مسارات أخرى على صعيد المجتمع المدنى ومجتمع الأعمال وصولًا لقنوات التعاون الثقافى والفني.. وهنا نستطيع الحديث عن مجموعة من الفرص التى تعزز التأثير الناعم فى هذه الدوائر.
أولى هذه الفرص، مرتبطة بمسار التعاون الإعلامى والثقافى، على غرار ما حدث فى الحقبة الناصرية، من إنشاء جهاز إعلامى مؤثر لدول إفريقيا، كان من بينه إذاعة صوت إفريقيا والإذاعات الموجهة باللغات الإفريقية، وهنا نتوقف أمام فرصة إقامة «قناة فضائية إفريقية»، تُبث من القاهرة، وهو مشروع سبق أن اتخذ الاتحاد الإفريقى خطوات تنفيذية بشأنه، قبل عدة سنوات.
أذكر فى هذا الصدد، شهادة السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون الإفريقية، رواها لى من واقع مشاركته الرسمية (كمساعد لوزير الخارجية للشئون الإفريقية)، فى مشاورات ومفاوضات مع مفوضية الاتحاد الإفريقى، فى عام 2006، بشأن إقامة قناة فضائية إفريقية تنطلق من القاهرة، بمبادرة أقرها مؤتمر وزراء الإعلام الأفارقة وقتها.
يروى السفير حجازى، أن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقى الأسبق، «ألفا عمر كوناري»، وهو كان رئيس مالى الأسبق، وتولى مفوضية الاتحاد فى الفترة من 2003 حتى 2008، طلب أثناء انعقاد مؤتمر وزراء الإعلام الأفارقة، تفقد القدرات اللوجستية والفنية لاستديوهات البث الإذاعى والتليفزيونى فى مصر، سواء التابعة لمبنى الإذاعة والتليفزيون، أو المقامة فى مدينة الإنتاج الإعلامى، وأشار إلى أن المسئول الإفريقى، أشاد بتطور هذه البنية مقارنة بعديد من الدول الإفريقية، وقرر وقتها إطلاق القناة الفضائية الموجهة لدول إفريقيا من القاهرة.
واقع الأمر، أن مثل هذه الفرصة لم يتم استثمارها، بإجراءات تنفيذية فعلية، فتدشين منصة إعلامية إفريقية من القاهرة، ستفتح كثيرًا من قنوات التواصل مع نخب عديدة بالبلدان الإفريقية، على الأقل النخب الإعلامية، ذلك أن مثل هذه القناة، ستكون قِبلة للعديد من كوادر الإعلام والصحافة فى الدول الإفريقية، وبالتالى ستفتح الباب أمام فرص التعاون الإعلامى والثقافى والفكرى، وما يعزز من فرص إقامة مثل هذا المشروع، أن القاهرة تستضيف عددًا من الوكالات التابعة للاتحاد الإفريقى، من بينها مقر مركز الاتحاد الإفريقى لإعادة الإعمار، وأيضا مقر «وكالة الفضاء الإفريقية».
ومن فرص التأثير الناعم عبر المنصات الإعلامية، مسألة إقامة مشروعات صحفية مشتركة، وأذكر هنا، نموذجًًا رائدًا سبق أن دشنته مؤسسة روزاليوسف، فى بداية ثمانينيات القرن الماضى، حينما أصدرت مع دار «الأيام» السودانية، مجلة «الوادي»، كإصدار شهرى، يصدر بمجلس تحرير مشترك (مصري - سوداني)، وكان لها أثر فى تعميق التواصل مع النخب المصرية السودانية، خصوصا أن هذا الإصدار امتد نشره لنحو خمس سنوات، حتى إن أصدقاء سودانيين مازالوا يذكرون محتوى هذه المجلة، ويحتفظون ببعض أعدادها.
والمعنى مما نذكره، أن بالتفكير فى مثل هذه المنصات، يمكن أن نقدم رواية إعلامية وطنية، تعبر عن حقيقة الخطاب المصرى تجاه الشعوب الإفريقية، وتحديدًا منطقتى حوض النيل، والقرن الإفريقى، والقائم على «الشراكة والتعاون والدعم ووحدة المصير»، وبما يساعد فى نفس الوقت، على دحض أى روايات «غير منصفة» أو كاذبة عن حقيقة التوجه المصرى جنوبًا، كما تدعى دول أحيانًا فى خطابها ببعض الملفات، مثل إثيوبيا.
الشركات المصرية
مجال آخر من فرص التحرك والتأثير الناعم، مرتبط بالاستثمارات المصرية فى إفريقيا، خصوصا الشركات والمستثمرين الذين يقدمون مشروعات تنموية عدة فى عدد كبير من دول القارة، سواء مشروعات استثمارية أو تنموية، ونذكر هنا النموذج الأبرز، لتحالف الشركات المصرية (السويدى، والمقاولون العرب) الذى يقيم مشروع سد «جوليوس نيريري»، فى تنزانيا، وهو أحد أكبر المشروعات التنموية التى ينفذها القطاع الخاص المصرى فى دول القارة.
والواقع أن الشركات التى أقامت هذا المشروع، تمتلك أعمالًا عديدة فى دول إفريقيا، شرقًا وغربًا وشمالًا، وحتى جنوبًا، وشاركت فى تنفيذ عديد من الخطط التنموية لهذه الدول، وتتشارك حضورها مع أيادٍ مصرية صاعدة أيضًا، بشركات واستثمارات ربما يتركز حضورها فى منطقة شرق ووسط القارة، والدليل على ذلك، أن حجم الاستثمارات المصرية فى إفريقيا وصل إلى 12 مليار دولار، فيما ارتفع التبادل التجارى مع دول القارة إلى 10 مليارات دولار، وفقًا لإحصائيات رسمية.
لا شك أن أى حديث عن نفاذ مصرى للسوق الإفريقية، يواجه بمنافسة كبيرة من دول قطعت خطوات كبيرة فى الاستفادة من هذه السوق، ورغم أن تقديرات أغلب الاقتصاديين، وتوصيات كثير من المختصين، وتوجيهات العديد من الجهات الحكومية، بأهمية التركيز على السوق الإفريقية، بما تمتلكه من عشرات الفرص والاستثمارات، إلا أن كل هذه الدعوات تظل تواجه بتحدٍ المخاطر الأمنية وضمانات الاستثمار، وبالتالى صعوبة التنفيذ.
وهنا تأتى أهمية دراسة إقامة «صندوق لتمويل نشاط الشركات المصرية بإفريقيا»، على غرار ما فعلته دول كثيرة، مثل الصين وأيضًا الهند وكوريا الجنوبية وروسيا، والغاية تقديم حوافز وضمانات للشركات الراغبة فى الاستثمار بهذه السوق.
وتجارب الآخرين، أتت ثمارها، فنجد الصين التى خصصت صندوقًا بنحو 15 مليار دولار، فتحت الباب أمام نحو 10 آلاف شركة صينية تعمل فى السوق الإفريقية، والهند التى خصصت صندوقًا بنحو 5 مليارات حققت نفاذًا متصاعدًا فى السوق الإفريقية، وحتى كوريا الجنوبية وروسيا التى خصصت كل منهما 2.5 مليار دولار فى صناديق الاستثمار، وسجلت مؤشرات حضورها الاستثمارى تصاعدًا أيضًا، والمعنى هنا أنه بمثل هذه الإجراءات يمكن أن نوفر نافذة لإحدى أدوات القوى الناعمة المصرية لتحقيق أثر بالسوق الإفريقية الواعدة.
منح جامعية
من فرص التأثير الناعم، فى المحيط الإقليمى، برامج بناء القدرات وتدريب وتأهيل الكوادر الإفريقية، فمنح التعليم والتثقيف والتدريب، من المسارات التى يتم التعويل عليها فى العلاقات الدولية، للتأثير فى الثقافات الأخرى، وبناء جسور من العلاقات الشعبية، والنماذج هنا كثيرة أوروبيًّا ودوليًّا، وحتى إقليميًّا، وواقعيًّا، تقدم الدولة المصرية برامج تدريب وتأهيل كما أشرنا، من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التى قدمت 700 برنامج منذ عام 2014.
وحتى على مستوى منح الدراسة فى الجامعات، فهناك أكثر من ألفى منحة دراسية تقدمها الجامعات المصرية لطلاب من القارة الإفريقية، إلى جانب استضافة مصر لأحد أبرز الجامعات المتخصصة فى بناء الكادر الإفريقى، وهى جامعة «سنجور» الفرنسية، ومقرها برج العرب فى الإسكندرية، وهذه الجامعة التى جرى تدشينها قبل 35 عامًا، تظل قِبلة للدارسين من الكوادر الإفريقية فى تخصصات مختلفة، وقدمت مئات الخريجين الذين تقلدوا مناصب تنفيذية فى دولهم.
من هذا المنطلق، نستطيع أن ننظر باهتمام، إلى توجه وزارة التعليم العالى، لفتح فروع لجامعات مصرية فى إفريقيا، مثل فرع جامعة القاهرة فى السودان، وفرعى جامعة الإسكندرية فى جنوب السودان وتشاد، وفرع جامعة طنطا فى جيبوتى، والقيمة التى نتحدث عنها هنا، فى الأثر الذى تتركه تجربة التدريس والتدريب والتأهيل لدى كل دارس داخل مصر، أو على يد خبرات مصرية، وهو أثر باقٍ لا يُمحى بتعدد التجارب والخبرات، ويجعل المستفيدين من تلك البرامج سفراء لتجربة التحديث والتطوير فى مصر داخل بلدانهم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



