12 فيلمًا تكشف الوجه الآخر لأحد أعظم ممثلى السينما المصرية:
عفوًا.. رشدى أباظة ليس مجرد «دنجوان»
على مدار سنين طويلة، ارتبط اسم «رشدى أباظة» فى الذاكرة العربية بصورة «الدنجوان»، الرجل الوسيم، صاحب الحضور الطاغى، والكاريزما غير العادية. غير أن هذه الصورة، على ما فيها من صدق، حجبت وجها آخر لا يقل أهمية، هو وجه الممثل القادر على التحول والتلون، وصاحب الأداء الذى حطم الكثير من القوالب التقليدية فى السينما المصرية.
بدأ «رشدى أباظة» رحلته السينمائية عام 1948 مع فيلم (المليونيرة الفقيرة)، ومنذ ذلك الحين وحتى رحيله، قدم 156 فيلمًا سينمائيًا ومسلسلين تليفزيونيين، عُرض أربعة من أفلامه بعد وفاته. وخلال أكثر من ثلاثة عقود لم يكتف بالنجاح كنجم جماهيرى، بل أثبت، فيلمًا بعد آخر، أنه ممثل يمتلك أدوات استثنائية، قادر على الانتقال بين الشر والخير، والكوميديا والتراجيديا، والشخصيات الشعبية والأرستقراطية، والدراما النفسية والروايات ذات الأبعاد الفلسفية.
فى السطور التالية لا نحاول إعادة قراءة تاريخ «رشدى أباظة»، ولا استعراض أشهر أفلامه، وإنما نتوقف أمام اثنى عشر دورًا شكلت علامات فارقة فى مسيرته، لنكتشف كيف استطاع أن يُعيد تشكيل عدد من الشخصيات السينمائية، وأن يغير صورة البطل على الشاشة، سواء كان البطل الأول، أو الثانى... أو حتى العاشر.
جميلة
فى التاسع من ديسمبر عام 1958 وبينما كانت ثورة التحرير الجزائرية التى بدأت منذ 1954 واستمرت حتى عام 1962، فى ذروتها. قدم المخرج «يوسف شاهين» أول أفلامه السياسية على شاشة السينما بعنوان (جميلة)، ليحكى من خلاله قصة واحدة من بطلات المقاومة الجزائرية وهى «جميلة بوحيرد». فى هذا الفيلم قدم «رشدى أباظة» دورًا رئيسيًا كان تجسيدًا للشخصية الحقيقية وهى شخصية الجنرال الفرنسى «مارسيل بيجار» قائد قوات المظليين خلال تلك الفترة، والذى ارتبط اسمه بقيادة عمليات مكافحة جبهة التحرير الوطنى الجزائرى، واتُهمت القوات التى كان يقودها باستخدام التعذيب المنهجى أثناء التحقيق مع أعضاء المقاومة الجزائرية.
فى الفيلم يؤدى «رشدى أباظة» شخصية «بيجار»، المسئول المباشر عن ملاحقة «جميلة بوحيرد» ورفاقها، ثم الإشراف على تعذيبها ومحاولة انتزاع اعترافاتها، قبل تقديمها إلى المُحاكمة. ويذكر الفيلم الشخصية باسمها الحقيقى «بيجار»، وليس باسم مستعار ويتحول من خلال الفيلم إلى رمز للاستعمار الفرنسى فى مواجهة رمز المقاومة الجزائرية، «جميلة بوحيرد». وقد نجح «رشدى أباظة» فى تجسيد الشخصية شكلًا ومضمونًا، فمن حيث الشكل حرص على تقديم الصورة الدقيقة لمظهره الخارجى وأسلوب حديثه وطريقة تحركاته وعلى مستوى المضمون أدرك «رشدى أباظة» رمزية الشخصية سواء بشكل خاص أو عام على أنها مثال للعنف الممهنج والشراسة فى التعامل مع عناصر المقاومة الجزائرية. من هنا جاء أداء لا ينسى لـ«رشدى أباظة» فى أحداث الفيلم رغم مشاهده القليلة به.
امرأة فى الطريق
عُرض هذا الفيلم يوم 22 ديسمبر عام 1958 وعلى خلاف الشخصية العنيفة التى قدمها رشدى أباظة فى فيلم (جميلة) فى ذات العام، تأتى هنا شخصية «صابر» المسالم الطيب. الذى يواجه ضغوطًا نفسية شديدة القسوة بسبب معاملة والده السيئة له، ومن ذاك الصراع الذى يعيشه «صابر» مع والده والمرأة التى اقتحمت حياة عائلته لتمزقها تأتى براعة الأداء التمثيلى لـ«رشدى أباظة» حيث يُقدم لوحات تمثيلية تجسدت فى مشاهده مع الفنان الكبير «زكى رستم»، الذى قدم دور الأب، فى مشاهد يملؤها الألم.
الفيلم أخرجه «عزالدين ذو الفقار» فى تجربة درامية استثنائية عبر من خلالها عن الحياة التى تعيشها أسرة فى مكان ناء، موحش، يعكس طبيعة الشخصيات التى تبدو كالكائنات المفترسة.. شخصية «صابر» تواجه شتى أنواع الظلم، والافتراء لكنه يواجه كل ذلك بشجاعة وإدراك وتسامح يملأ قلبه تجاه عائلته، وهو ما استوعبه «رشدى أباظة» بدقة.
الرجل الثانى
الفيلم الأشهر فى تاريخ «رشدى أباظة» الفنى، وشهرة الفيلم لم تأت فقط من كونه واحدًا من الأفلام الجيدة والمتميزة فى قصتها ومكوناتها الفنية من تمثيل وموسيقى وتصوير وإخراج ولكن العنصر الأهم فى هذا الفيلم هو «رشدى أباظة» نفسه، الذى قدم أداءً غير عادى أسس من خلاله منهجًا جديدًا لشخصية الشرير على شاشة السينما، والسبب وراء ذلك أن «رشدى أباظة» عندما قدم شخصية الرجل الثانى فى التنظيم الإجرامى، اعتمد على الحضور الهادئ والنظرات الثابتة، والصوت المنخفض، والحركات المحسوبة، ما جعل الإحساس بالخطر منه يصدر من حضوره نفسه أكثر من العنف المباشر.
فى هذا الفيلم أيضًا أثبت «رشدى أباظة» أن الوسامة ليست عائقًا أمام تجسيد شخصية شريرة، بل يمكن أن تتحول إلى عنصر درامى يزيدها خطورة وإغواء. لذلك ظل أداء «رشدى أباظة» مرجعًا فى أفلام الجريمة المصرية، وأحد أبرز النماذج التى جمعت بين الكاريزما والشر والعمق النفسى.. الفيلم أخرجه «عز الدين ذو الفقار» وعُرض فى 24 ديسمبر عام 1959.
صراع فى النيل
«بتلعب بسبس نو والمركبة غارزة فى الطين».. هكذا كان رد «مجاهد، رشدى أباظة» على «محسب، عمر الشريف» وهكذا يمكن التقاط حجر الأساس فى شخصية «مجاهد»، الجاد، القوى، كاظم الغيظ من الفتى المدلل الذى تولى قيادة المركب فى رحلة من الصعيد إلى القاهرة باعتبار أنه ابن أحد الأعيان أصحاب المركب، لكن الفتى المدلل يقع فى غرام راقصة تنوى سرقته، وهو ما يلتقطه «مجاهد»، المراكبى القوى صاحب الشخصية المتزنة الذى يحاول حماية الجميع من تلك الراقصة وأول من يحاول حمايتهم، هو نفسه، فهو الهدف الأصعب بسبب صلابته.. من هنا جاء أداء «رشدى أباظة» فى فيلم (صراع فى النيل) إخراج «عاطف سالم» والذى عُرض يوم 28 ديسمبر عام 1959 ومن هنا ظهر الوجه الجديد الذى يقدمه «أباظة» وخاصة فى مظهره الخارجى الذى يظهر فيه وهو يرتدى ملابس «المراكبى» بعيدًا عن أناقة أبناء الذوات التى اعتاد الجمهور رؤيته بها.
ملاك وشيطان
«الأسطى أونكل عزت».. جملة ألقاها «عزت، رشدى أباظة» لنفسه وهو ينظر فى المرآة شاعرًا بالزهو بذاته، ومنتظرًا مستقبلًا مشرقًا بالحياة الكريمة، وهى جملة تعكس الطفل بداخل هذا «الوحش» الذى يظهر لمن حوله.. الجملة والشخصية والأداء كانوا فى فيلم (ملاك وشيطان) أحد روائع المخرج «كمال الشيخ» والذى عرض يوم 22 فبراير عام 1960. «عزت» ضمن أحداث الفيلم مجرم يشترك فى جريمة خطف طفلة وطلب فدية وبعد فترة يطالب بقتلها من أجل حماية أفراد العصابة، لكن الطفلة الصغيرة، كانت بعاطفتها ورقتها قد أوقظت الطفل بداخل «عزت» ومنحته من حنانها ما جعله يكبر وينضج ويسيطر على الشخصية العنيفة القاسية التى تملكت صاحبها لسنين.. ويأتى التحول تدريجيًا، ومعه يكون تدرج الأداء التمثيلى لـ«رشدى أباظة» ليحقق إنقلاب الشخصية من النقيض للنقيض بنعومة وحذر دون أن يترك للمتفرج ثغرة ينتقد منها هذا التغيير الكامل.
فى بيتنا رجل
«أسرعت خطواته كأنه يريد أن يصل إلى نهاية الحياة قبل غيره..لقد عاش طوال حياته معتمدًا على ذكائه وأخذ كل ما يريد من الحياة بالذكاء» هكذا وصف الكاتب الكبير «إحسان عبدالقدوس» شخصية «عبدالحميد» فى رواية (فى بيتنا رجل) والتى تحولت لاحقًا إلى فيلم من إخراج «هنرى بركات» وأدى الشخصية المذكورة به، «رشدى أباظة»، ومثل عادته يختلط عنده الظاهر بالباطن، فما يظهره يكون أحيانًا أكثر مما يخفيه وأحيانًا أقل، لكن استيعاب «رشدى أباظة» لطبيعة شخصية «عبدالحميد» وتفكيره وتحليله الداخلى للشخصيات من حوله والذى كان واضحًا بالكلمات فى رواية «إحسان»، جاء واضحًا بالإحساس فى أداء «رشدى أباظة» فى الفيلم.
ورغم أن «عبدالحميد» ليس بطل (فى بيتنا رجل) إلا أن «رشدى أباظة» منح الشخصية حضورًا وأهمية كان من الممكن ألا يحققه ممثل آخر. «رشدى أباظة» أدرك أن «عبدالحميد» يلعب دورًا محوريًا فى الأحداث، ويحركها أحيانًا، ويحدد مصير القصة، وفى ذات الوقت يعيش صراعًا مع نفسه ومن حوله. وهو استيعاب لم يكن ليحدث بسهولة إلا فى عقل «رشدى أباظة».. (فى بيتنا رجل) عُرض للمرة الأولى يوم 17 أبريل عام 1961.
الزوجة 13
يعد من أجمل وأبسط بل وباللغة الدارجة «ألطف» أفلام «رشدى أباظة». نحن فى هذا الفيلم الممتع، أمام شخصية «مراد»، شخص متعدد العلاقات والزوجات، يبدأ قصته مع البطلة بأسلوبه المعتاد فى الإيقاع بها حتى يتزوجها ثم يتركها كما حدث مع غيرها، ولكنها تكتشف خطته فتقرر أن ترسم له خطة تلقنه من خلالها درسًا قاسيًا كى يتوقف عن هذه «اللعبة» مع النساء.. من هنا يصنع «رشدى أباظة» و«شادية» ومعهما المخرج «فطين عبدالوهاب» أحد أجمل الأفلام الكوميدية الخفيفة التى تظهر وجها جديدا لـ«رشدى أباظة» فى فن الكوميديا.. وكالعادة يخرج «رشدى أباظة» من خزانة مشاعره الكثير، ويقدم الوجهين، الطيب والمتلاعب، لينقل المشاهد من حالة إلى أخرى بمنتهى الرشاقة الإبداعية.. الفيلم عُرض يوم 5 مارس عام 1962.
لا وقت للحب
الفيلم واضح من عنوانه، أنه يقدم قصة رومانسية لكن فى إطار درامى سياسى، من خلال بطل يناضل من أجل حرية مصر أثناء الاستعمار الإنجليزى ويُطارد من الإنجليز والبوليس السياسى وفى طريقه يتعثر فى قصة حب يشعر وكأنها سوف تعيق طريقه فيزيحها جانبا لأن بالطبع فى وسط ما يعيشه «لا وقت للحب».
هذا الفيلم أدى به «رشدى أباظة» شخصية ذات وجه واحد على غير عادته لأننا أمام بطل يسخر كل حياته من أجل نصرة قضيته لتحرير الوطن ولكن الأداء لا يخلو من كبت مشاعر رومانسية تشتعل بداخله لفتاة التقاها مصادفة ووقعت فى حبه.. واحد من أجمل أفلام الأربعة، «رشدى أباظة» و«فاتن حمامة» والمخرج «صلاح أبو سيف» وكاتب القصة والحوار «يوسف إدريس».. وقد عُرض يوم 25 مارس عام 1963.
الطريق
قبل الحديث عن «رشدى أباظة» فى هذا الفيلم الذى أخرجه «حسام الدين مصطفى» وعُرض لأول مرة يوم 14 ديسمبر 1964.. يجب التوقف قليلا أمام رواية (الطريق) تأليف «نجيب محفوظ» والتى صدرت فى نفس العام الذى صنع به الفيلم.. الرواية تمثل مرحلة جديدة فى عالم «نجيب محفوظ»، انتقل فيها من الواقعية الاجتماعية إلى الرواية ذات الطابع الفلسفى والرمزى. فبطل الرواية هنا يبحث عن الأب، لكن الأب يتحول إلى رمز للحقيقة واليقين.
أما عن «رشدى أباظة» فى الفيلم فقد قدم واحدًا من أكثر أدواره تعقيدًا ونضجًا، إذ ابتعد عن صورة الرجل الواثق المسيطر، ليجسد شخصية شاب تائه، يبحث عن أب مجهول فى ظاهر الأمر لكنه فى الحقيقة عن معنى لحياته وهويته. «رشدى أباظة» هنا ضعيف الإرادة والشخصية، متردد ينساق وراء الآخرين، تقوده الظروف أكثر مما يقودها. والرحلة نفسية أكثر منها جسدية.
ولكل هذه الأسباب يعد (الطريق) نقطة فارقة فى مسيرة «رشدى أباظة»، لأنه أثبت قدرته على أداء الشخصيات ذات العمق الفلسفى والنفسى، وقد جاء أداؤه منسجمًا مع عالم «نجيب محفوظ»، الذى يجعل الصراع الحقيقى يدور داخل الإنسان قبل أن يدور مع الآخرين.
غروب وشروق
كما عنوان الفيلم كان أداء «رشدى أباظة» يُغرب ويُشرق فى تجسيد شخصية «عصام»، ففى مرحلة غروبه، كان مستهترًا، عابثًا، فوضويًا، وزير نساء أما فى مرحلة شروقه فكان جادًا، مناضلًا، هادئًا وعاشقًا.. وكعادة الطالب المجتهد الدؤوب يؤدى «رشدى أباظة» واحدًا من أروع أدواره على شاشة السينما، وللحق، فكل من فى هذا الفيلم قدم إبداعًا استثنائيًا بداية من سيناريو «رأفت الميهى» ثم أداء كل طاقم التمثيل، وصولا لبصمة مخرج غير عادى هو «كمال الشيخ».
وهنا نجد أيضًا تحولا لـ«رشدى أباظة» لكنه تحول يأتى سريعًا وليس تدريجيًا عندما يصطدم بحقيقة ما فعله استهتاره، وما تعرض له من خديعة أودت بحياة صديقه.. الفارق بين أداء «رشدى أباظة» قبل وبعد الحدث الرئيسى بالفيلم، وهو موت الصديق، يجعلنا نشعر كما لو أننا أمام ممثلان إحداهما يقدم شخصية «عصام» الغاربة والثانية تقدم شخصية «عصام» الشارقة.. ولا يوجد لحظة انفصال نفسى بين هذا وذاك.. لذا يظل (غروب وشروق) علامة مشرقة لأقصى حد فى قائمة أفلام، ليس «رشدى أباظة» فقط، وإنما لكل العاملين به.. الفيلم عُرض يوم 16 مارس عام 1970.
الحب الضائع
عن قصة (الحب الضائع) الصادرة فى مجموعة حملت ذات العنوان وضمت 8 قصص عن الحب والتى تُعد واحدة من روائع عميد الأدب العربى «طه حسين»، يأتى فيلم (الحب الضائع) الذى عُرض يوم 20 أكتوبر عام 1970 عن سيناريو وحوار «يوسف جوهر» وإخراج «هنرى بركات» ويُشارك «رشدى أباظة» فى البطولة كل من «سعاد حسنى» و«زبيدة ثروت».
القصة عن رجل وقع فى حب امرأتين، بالأحرى صديقتين، إحداهما زوجته والثانية يتزوجها لاحقًا.. اعتمد «رشدى أباظة» فى أدائه لشخصية «مدحت» على الانفعال المكتوم ولكن بعيدًا عن المبالغة، فجاءت مشاعره معبرة من خلال النظرات الحائرة والكلمات المترددة. وقد منح هذا الأسلوب للشخصية صدقًا وإنسانية، فلا يمكن أن نشعر بالكراهية تجاه «مدحت» رغم ما فعله من تمزيق علاقة صديقتين وارتكابه لفعل الخيانة الزوجية وما يمكن اعتباره أنانية بمحاولة الحفاظ على كل شىء، الزوجة والحبيبة، رغم كل ذلك لا يمكن للمشاهد إلا أن يتعاطف مع «مدحت» وأزمته وصراعه مع ظروفه ونفسه، فهو رجل ممزق بين التزاماته الاجتماعية ورغبته فى الحب.. وهو الأمر الوحيد الذى يتفق مع الأصل الأدبى لـ«طه حسين» الذى ركز فيه على الصراع النفسى عند الأبطال الثلاثة أكثر من فعل الخيانة.. بالطبع قصة «طه حسين» مختلفة تمامًا فى تفاصيلها، لكن فيلم (الحب الضائع) التزم بالخط الرئيسى دون التفاصيل ومنح للرجل دورًا كبيرًا على خلاف القصة التى جاءت كلها من وجهة نظر الزوجة الأولى.
شىء فى صدرى
الفيلم مأخوذ عن رواية كتبها «إحسان عبدالقدوس» عام 1958.. وقد أرجع البعض أن «إحسان» استلهم شخصيتها الرئيسية، «حسين شاكر باشا»، الشخصية التى قدمها «رشدى أباظة»، من شخصية أحد الباشوات الفاسدين قبل الثورة، وهو «أحمد عبود باشا»، أحد أثرياء الحرب الذى بنى ثروته بإنشاء معسكرات وجسور للمستعمر الإنجليزى فى مصر والدول العربية.. عُرض الفيلم يوم 30 أغسطس عام 1971، ورغم حذف الكثير من التفاصيل والحكايات التى كتبها «إحسان» فى روايته، إلا أن الفيلم أبدع مثلثه الكاتب «رأفت الميهى»، المخرج «كمال الشيخ» والبطل «رشدى أباظة» -نفس مثلث فيلم (غروب وشروق)- فى تقديم واحد من روائع السينما.. هنا يجسد «رشدى أباظة» شخصيته المفضلة والتى يملؤها الصراع وتظهر عكس ما تبطن والعكس، إنسان فاسد، ورجل شرير، يصارع ويحارب ضميره طوال الوقت، وهذا الضمير يأتيه متجسدًا فى صورة صديق قديم.. وفى تجسيده لشخصية «حسين باشا» يقدم «رشدى أباظة» أنضج أدواره السينمائية، شكلًا ومضمونًا، ويُعبر عن الصراع الداخلى الذى يعيشه بأداء قوى، لا يغلبه الضعف إلا فى لحظات قليلة ولا تنخر قواه إلا عندما يرى فى عقله صورة صديقه النبيل.. وعندما يشعر أنه سقط وأنه سيواجه اتهامًا علنيًا فى قضية شرف، يجلس على مقعد ويموت بأزمة قلبية، وهى النهاية التى أثارت الجدل لأن «حسين باشا» لم يلق جزاء ما فعله، لكن النهاية لا تختلف عن تلك التى كتبها «إحسان عبدالقدوس» فى روايته، حيث يأتى فيما سماه «إحسان» الفصل بعد الأخير لحظة موت «حسين باشا» بعد أن أحرق أوراق كانت خطابًا يعترف فيه بكل خطاياه.. لكن أيا كانت النهاية فيبدو أن نهايات «رشدى أباظة» كانت كما لو أنها تُكتب خصيصًا له، فهو رجل لا يُهزم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



