مذكرات رشدى أباظة سيئة السمعة:
ذروة التحرر وبداية الانهيار!
من طبائع الحياة أن يكون الجديد أكثر قدرة على الإدهاش، وأن يكون الصغار أكثر جرأة من الكبار، وأن يكون كل جيل أكثر شجاعة وتحرُّرًا من الجيل الذى يسبقه.
ولكن ليس هذا هو الحال لدينا، فكلما عاد المرءُ فى الماضى يكتشف أننا كنا أكثر تحضرًا وتحررًا وقدرة على الابتكار والإنجاز، ونظرة سريعة عابرة إلى تاريخ وحاضر السينما المصرية تبين ذلك بوضوح.
كذلك يمكن أن تدلنا أى نظرة على الصحافة السينمائية زمان، وبالأخص على حوارات ومذكرات الفنانين (التى كانت رائجة بشكل لافت) كيف كان الفنانون، والمجتمع، أكثر صراحة وفصاحة؛ خصوصًا فيما يتعلق باعترافاتهم عن حياتهم الشخصية وفترات تكوينهم الأولى، وإلى الآن لا توجد فى المكتبة العربية مذكرات أكثر صدقًا وإمتاعًا مما كتب نجيب الريحانى وعبدالوهاب وسامية جمال وتحية كاريوكا ويوسف وهبى وفاتن حمامة ومارى منيب وغيرهم الكثيرون ممن لا يتسع المجال لذكرهم..
مع ذلك؛ فلا شىء من كل هذه المذكرات يمكن أن يكون أكثر إثارة للدهشة والصدمة من المذكرات التى حملت توقيع رشدى أباظة على صفحات مجلة «الشبكة» والتى امتد نشرها على مدار 51 عددًا بين عامىّ 1974 و1975، والتى كان يشار إليها على أغلفة المجلة بعبارة «أمتع ما كتَب فنان عن نفسه».
هذا الحكم نسبى وربما يختلف فيه القراء، ولكن ما ليس نسبيًا وما يصعب أن يختلف فيه القراء هو أنها المذكرات الأكثر صراحة وفضائحية التى كتبها فنان مصرى سابق أو لاحق. ولكن الأهم أنها تكشف بصراحتها وتلقائيتها الكثير ليس فقط عن شخصية رشدى أباظة وحياته ولكن عن شخصيات وعوالم أخرى وعن الحياة فى مصر بشكل عام بداية من ثلاثينيات القرن الماضى، مع تفتُّح وعى وذاكرة صاحب المذكرات، وحتى بداية السبعينيات.
تبدأ مذكرات رشدى أباظة بالعبارة التالية:
«سأل أباظى شاب أباظية تجاوزت المائة ولم تخنها الذاكرة:
• ما أصل الأباظية يا جدة؟
فقالت له زجرًا كعادتها:
• غجر يا بن الكلب!
سمعت هذه القصة فى طفولتى.. سمعتها مرة كتحقيق فى الأصول والنسب..وسمعتها مرة أخرى كفكاهة وتخاريف سنين..»
يعود رشدى أباظة بعد ذلك إلى بعض الحكايات عن أصول «الأباظية» التى تعود إلى قبيلة وأقلية عرقية من بلاد القوقاز، جاءوا إلى مصر مع مَن أتى من عبيد وجوار أيام المماليك، وحسبما يقول أباظة فى مذكراته أنها قبيلة «لصوص نساء» اعتادوا على خطف نساء الجيران لقلة عدد النساء فى قبيلتهم، ولإثبات رجولتهم كفرسان ورعاة!
«نعم.. أنا أباظى.. ولهذا أخطف النساء..»
أب «أباظى»، ضابط شرطة، من عائلة كبيرة منها السياسى والكاتب والرياضى، وأم إيطالية ابنة رجل أعمال ثرى، فى قاهرة الثلاثينيات الكوزموبوليتانية، يجد هويته بين أبناء البلد مثلما يجدها بين الأجانب، وسيم جذاب مفتول العضلات، لا يأبَه سوى بالمتعة واستعراض الرجولة، فحولة تتحرك على قدمين، مهووسة بنفسها، ولديها جرح نرجسى لا يشفى من أى فعل أو سلوك من امرأة أو رجل يشعر أنه ينتقص من هذه الرجولة أو يهددها.
يقال إن التجربة الأولى تشكل السلوك النفسى والمَيل الجنسى وموضوع الرغبة.. ويكشف رشدى أباظة فى الحلقات الأولى من مذكراته بصراحة نادرة عن تجربته الأولى التى مر بها فى صباه المبكر، حين قامت بـ«اغتصابه»، على حد تعبيره، والدة صديقه الذى كان يذهب ليذاكر معه. تجربة تركت بصمة متناثرة بين مذكراته، كما تتجلى فى اعترافه فى الحلقة الخمسين حين يقول: «أنا لا أحب مَن يطاردننى وأعزف عن الفتيات الصغيرات، وأستطيع أن أحصى وأحصر مَن عرفت فأجد بين كل ثلاث اثنتين أكبر منّى وواحدة فى سنّى، وبين كل عشر أجد واحدة فقط دونى سنًا».
معظم الحلقات مخصّصة بالفعل لروى حكايات النساء اللواتى عرفهن رشدى أباظة، من التجارب الفاشلة والناجحة فى بيوت البغاء إلى زواجه الأول من «تحية كاريوكا» الذى انتهى بمشاجرة وتبادل للصفعات فى كازينو عام بلبنان، ثم زوجته الأجنبية «باربارا» التى أنجب منها ابنته الوحيدة، ثم «سامية جمال» التى يعترف أنها أكثر مَن أحبها وأحبته وتحمّلته حتى بعد انفصالهما، وبقية زيجاته وعلاقاته الأخرى.. وقبل كل هؤلاء علاقته بأمّه الإيطالية قوية الشخصية التى شكلت معظم مفاهيمه عن الحياة والنساء، والتى، كما يقول، ظل يبحث عنها فى كل امرأة عرفها، دون أن يجد مثلها.
نُشرت هذه المذكرات عندما كان رشدى أباظة يقترب من عامه الخمسين، وقبل سنوات قليلة من مرضه وموته المبكر والصادم.. يمكن القول إنها مرحلة تدهور للنجم الذى كان تجسيدًا للقوة البدنية والجاذبية، وربما يفسر ذلك تركيزه الأساسى على المعارك التى خاضها، كأبطال أفلام الأكشن، منذ نعومة أظفاره، ضد البلطجية وجنود الإنجليز وغرمائه فى الحب، وعلى علاقاته وغزواته فى الحب. كان الرجل يتمسك بصورته التى تتسلل من بين يديه، وربما كان خياله يغذيها بالمبالغات، وبالتأكيد ساهم فى ذلك الجَو الذى كتبت فيه هذه المذكرات، أو بالأدق تُليت على أحد محرّرى المجلة، فى بيروت السبعينيات، ما قبل الحرب الأهلية، فى ذروة الحرب والانفتاح الذى شهدته المدينة. كانت صورة رشدى أباظة فى لبنان، كما تشير الأخبار والحوارات التى تغطى تحركاته فى القاهرة وبيروت، تحوله إلى تمثال للفحولة، يبدو أنه وافق تصوُّر النجم عن نفسه، وغذى هذه الصورة.
لا يمكن فصل هذه المذكرات، الممتعة حقًا فى أسلوب كتابتها وقراءتها، على طريقة كتب ومجلات الإثارة البيروتية، عن مناخ الحرية الذى وجد فيه الفنانون المصريون أنفسهم، سواء من خلال الأفلام التى عملوا فيها، وبعضها يوصف بأنه «إباحى»، أو من خلال الصور التى كانت تنشر للنجمات على صفحات المجلات، والحوارات الصريحة التى يدخلون فيها.
كانت مذكرات رشدى أباظة ذروة هذه المرحلة، التى سرعان ما اقتحمتها الحرب الأهلية اللبنانية، ثم الهجوم الوهابى على مصر والمنطقة، حتى إن «الشبكة» نفسها، التى كانت واحدة من أجرأ المجلات العربية، سرعان ما غطت أغلفتها بألوان الرقابة، ثم لاحقًا بألوان المطبعة نفسها، قبل أن تختفى الصور والموضوعات «الجريئة» من المجلة كليًا.
مذكرات رشدى أباظة، بمعنى ما، كانت ذروة عصر انفتاح وتحرُّر بدأ من مصر ووصل إلى لبنان، ثم تعرَّض للمؤامرة والهدم فى كلا البلدين وما حولهما.
ومع أنها تبدو مذكرات شخصية و«جنسية»؛ لكنها فى جوهرها عامة وسياسية أيضًا!
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



