الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

100 عام على ميلاد عاشق الفن والحياة

رشدى أباظة الرجل الذى لم تهزمه الأيام

بوابة روز اليوسف

هناك ممثلون يتركهم الزمن خلفه.. وهناك نجوم يتركون الزمن واقفًا عندهم، وفى تلك الفئة حفر «رشدى أباظة» اسمه بحروف لا يطويها النسيان.
 


فبعد مرور قرن على ميلاده- حيث ولد فى 3 أغسطس 1926- لا يزال اسمه يُذكر بالطريقة نفسها التى تُذكر بها الأساطير؛ ليس لأن السينما المصرية لم تعرف وسيمًا مثله، وإنما لأنها لم تعرف كثيرين امتلكوا تلك الخلطة النادرة، المتمثلة فى حضور يسبق الكاميرا، وابتسامة تخفى تمردًا تذيب القلوب من جاذبيتها، وصوتًا يحمل ثقة رجل لا يحتاج إلى إثبات شيء. 


وعليه، كان الجمهور يراه (الدنجوان)؛ بينما كان المخرجون يرون نجمًا يملأ الكادر حتى لو وقف صامتًا؛ أما زملاؤه، فكانوا يعرفون أنه ابن المزاج الحر، الذى لا يخطط كثيرًا، ولا يحسب خطواته، لكنه حين يقف أمام الكاميرا يتحول إلى ماكينة إحساس يصعب مجاراتها.
 


وربما لهذا السبب، ظل «رشدى أباظة» حالة خاصة فى تاريخ الفن المصري، لأنه ببساطة رجل عاش وأحب وخسر كما أراد، ثم رحل مبكرًا، تاركًا خلفه إرثًا أكبر بكثير من عدد أفلامه.
 


حين كان الموظف لا يعرف أن السينما تنتظره
 


لم يولد «رشدى أباظة» وفى يده تذكرة عبور إلى الاستديوهات، رغم أنه جاء من واحدة من أعرق العائلات المصرية، بملامح أوروبية ورثها عن والدته الإيطالية. لكن، الفن لم يكن ضمن خططه.
 


فبعد دراسته فى مدرسة «سان مارك» بالإسكندرية، عمل موظفًا فى شركة لتصدير القطن والحبوب داخل عمارة (الإيموبيليا)، براتب شهرى لا يتجاوز 19 جنيهًا.
وفى حوار نادر مع مجلة «الموعد» عام 1976، تحدث «أباظة» عن تلك الأيام بلا أى محاولة لتجميلها؛ إذ لم يقدم نفسه باعتباره الشخص الذى ولد نجمًا، بل شابًا كان يبحث عن وظيفة مستقرة، قبل أن تقلب الصدفة حياته رأسًا على عقب.
 


 الصدفة التى صنعت «نجم النجوم»
 


حول لحظة اكتشاف «رشدى أباظة»، تعددت الروايات.. هناك من قال إن المخرج «كمال بركات» شاهده فى أحد أندية «الإسكندرية» أثناء ممارسته الرياضة؛ بينما تحدثت روايات أخرى عن لعبة (بلياردو) كانت سببًا فى لفت الأنظار إليه.
 


لكن، ما لا يختلف عليه أحد أن «كمال بركات» رأى فى ذلك الشاب شيئًا لا تملكه الوجوه العادية، فأسند إليه دورًا فى فيلم (المليونيرة الصغيرة) أمام «فاتن حمامة» فى عام 1948، ويقال –أيضًا- إنه اكتشفه نظرًا لعلاقة الصداقة القوية التى جمعته مع النجمان «أحمد رمزى، وعمر الشريف».
 


المفارقة أن أجر الفيلم بلغ 105 جنيهات، أى أكثر من 5 أضعاف راتبه كموظف. لكن، المكسب المادى جاء مصحوبًا بخسارة شخصية، إذ رفض والده فكرة التمثيل تمامًا، وخيره بين البيت والسينما، لأن شقيقاته كن يرجعن إلى المنزل وهن فى حالة بكاء، بسبب ما يتم إخبارهن به فى المدرسة، من أن «رشدى أباظة» لا ينتمى لعائلتهن.
 


ومع ذلك، اختار «رشدي» الشاب، السينما رغم أنه لم يكن يعرف أنه بعد سنوات قليلة سيصبح واحدًا من أهم الوجوه التى صنعت العصر الذهبى للسينما المصرية، وأن الأب نفسه سيشهد كيف تحول الابن الذى رفضه إلى فتى الشاشة الأول.
 


فصار ممثلاً من الطراز الأول يتأمله الجمهور فى انتقاله بين أفلام (فى بيتنا رجل، والزوجة 13، وامرأة فى الطريق، وشروق وغروب، والرجل الثاني)، وغيره الكثير، ليكتشفوا أن كل شخصية لها إيقاع مختلف تمامًا.. حيث كان «الدنجوان» قادرًا على أن يكون الأرستقراطى المتعجرف، والعاشق الجذاب، ورجل المخابرات، والشرير، والبحار، والرجل البسيط، من دون الشعور أن ممثلاً واحدًا يجسد كل هذه الوجوه.
 


ولهذا، اختير 12 فيلمًا من أعماله ضمن قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية.
 


 حياة شخصية صنعت جزءًا من الأسطورة
 


إذا كانت الشاشة صنعت «رشدى أباظة» نجمًا، فإن حياته الخاصة صنعت منه ظاهرة.. فالحديث يدور عن 5 زيجات معروفين، وعشرات القصص وحكايات حب لا تزال تتردد حتى اليوم.
 


فتزوج «أباظة» من الفنانة «تحية كاريوكا»، ثم الأمريكية «باربرا» التى أنجب منها ابنته الوحيدة «قسمت»، ثم «سامية جمال»، التى كانت أطول زيجاته وأكثرها استقرارًا، قبل أن يدخل فى تجربة قصيرة مع «صباح»، ثم زواجه الأخير من ابنة عمه «نبيلة أباظة».
 


ورغم أن زواجه من «صباح» لم يستمر طويلاً، فإنه ظل الأكثر إثارة، حيث يقال أنه تزوجها لأيام.
 


وفى هذا الصدد، اعترفت (الشحرورة) بعد سنوات بأنها أحبت «رشدي»، وقالت عبارتها الشهيرة: «مين ميحبش رشدى أباظة؟»، لكنها أوضحت أن اختلاف الطباع، وعصبيته، وحبه للسهر، جعل استمرار الحياة بينهما مستحيلاً، رغم بقاء الود بينهما حتى وفاته.
 


أما «سامية جمال»، فكانت بالنسبة إليه أكثر من زوجة.. وحين سُئل بعد سنوات من الطلاق، إن كان لا يزال يتواصل معها، أجاب ببساطة: «دى عشرة العمر».
وبالنسبة لابنته «قسمت» فقالت عن «رشدي» الأب -فى أحد اللقاءات التلفزيونية- إن والدها علمها الكرم، والأصول، والإقدام على مساعدة الآخرين؛ مؤكدة أنها ظلت تبحث عن شخصية أبيها فى الرجل الذى تريد الزواج منه.
 


كما قالت «قسمت» الكثير عن والدها فى لقاءاتها الصحفية، كاشفة جوانب إنسانية من حياته وشخصيته، وعن حياة والدها الأسرية؛ مؤكدة أن تقاربه مع «سامية جمال» أثناء تصوير فيلم (الرجل الثانى) كان السبب الرئيسى فى انفصال والدتها عنه. 
 


لكنها أشادت- فى الوقت ذاته- بـ«سامية جمال»، لأنها عاملتها بحب واهتمام طوال سنوات زواجها من «رشدى أباظة»، وكانت بمثابة أم لها. 
 


وفيما يخص زواج والدها من الفنانة «صباح»، فأوضحت أنه بدأ على سبيل المزاح فى «لبنان»، لكنه تحول إلى زواج حقيقى انتهى بالطلاق بعد أسبوعين فقط. 
 


وعن زيجاته الخمس، رأت «قسمت» أن سبب فشلها لم يكن تعدد علاقاته النسائية، بل شعوره الدائم بالحاجة إلى الحنان والتفاهم؛ مؤكدة أنه لم يجد الزوجة التى تمنحه ذلك بالشكل الذى كان يحتاج إليه.
 


 الرجل الذى لم يكن يحلم بالعالمية
 


رغم أن «رشدى أباظة» كان يمتلك كل المقومات التى تؤهله لعبور حدود السينما المصرية؛ بداية من ملامحه التى تحمل شكلاً مصريًا وأوروبيًا، مرورًا إجادته لعدة لغات، وصولا لحضوره الطاغى أمام الكاميرا، فإن العالمية لم تكن يومًا هدفًا يطارده بالقدر الذى تخيله كثيرون.
 


فأتقن «أباظة» (الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية) بفضل نشأته بين ثقافتين، كما شارك فى عدد من الإنتاجات الأجنبية التى صُورت فى «مصر»، من بينها فيلم (الوصايا العشر) للمخرج العالمى «سيسيل ديميل»، وشارك- أيضًا- فى فيلم (Valley of the Kings) أو (وادى الملوك) عام 1954، حيث عمل (دوبليرًا) فى بعض المشاهد بدلاً من الممثل «روبرت تايلور»، وهو ما فتح الباب مبكرًا للحديث عن إمكانية انطلاقه نحو السينما العالمية.
 


لكن، الحكاية الأكثر شهرة ظلت مرتبطة بفيلم (لورانس العرب)، الذى أخرجه البريطانى «ديفيد لين» عام 1962، وبطولة «بيتر أوتول، وعمر الشريف».
 


فيقال إن «رشدى أباظة» كان من أوائل المرشحين لأحد الأدوار الرئيسية فى الفيلم، وإن «ديفيد لين» طلب لقاءه خلال وجوده فى «مصر»، إلا أن (الدنجوان) لم يتحمس للأمر، بعدما ظن أنه سيخضع لاختبار أداء، وهو ما اعتبره لا يليق بنجم حقق مكانته- بالفعل- فى السينما المصرية.
 


كما يُقال إنه أبلغ وسيط المخرج بأن يشاهد أداءه فى فيلم (فى بيتنا رجل) إذا أراد التعرف إلى موهبته، قبل أن يستقر «لين»- فى النهاية- على اختيار «عمر الشريف»، الذى كانت تلك الخطوة بوابته الحقيقية إلى العالمية.
 


ومع ذلك، كان للتاريخ إنصافه الخاص، ففى الوقت الذى صار فيه «عمر الشريف» نجمًا عالميًا، بقى «رشدى أباظة» (دنجوان السينما المصرية) الذى لم تغادر صورته ذاكرة الجمهور، ولم يفقد بريقه بعد مرور قرن على ميلاده
 


 المشهد الأخير.. حين انطفأ الضوء
 


كان المرض أقسى أدوار «رشدى أباظة» الواقعية، حين أصيب بسرطان المخ، وأخفى المقربون عنه حقيقة حالته، حتى لا تنهار معنوياته.
 


ورغم الجراحة، عاد المرض بصورة أكثر شراسة، لكن «أباظة» رفض  أن يتلقى العلاج على نفقة الدولة، وأصر أن يتحمل كل النفقات بنفسه، ليدخل فى غيبوبة طويلة، قبل أن يستفيق لساعات قليلة، يرى خلالها حفيده الأول للمرة الوحيدة فى حياته.
 


وفى هذا السياق، روت «قسمت» أن لحظة وفاته كانت من أصعب المواقف التى عاشتها، إذ زارته فى العناية المركزة برفقة طفلها الرضيع «أدهم»؛ موضحة أن «أباظة» فتح عينيه للحظات، وقبّل قدم حفيده بحنان قبل أن يعود إلى الغيبوبة.
 


ويقال- أيضًا- إنه قبل أن يغيب فى غيبوبته الأخيرة، طلب «رشدى أباظة» لقاء رجل بسيط ظل بعيدًا عن الأضواء، لكنه كان قريبًا منه طوال سنوات العمل، وهو عامل الإكسسوارات الشهير باسم «عم دنجل».. حيث جلس الاثنان منفردين، ولم يعرف أحد ما دار بينهما.
 


وفى صباح 27 يوليو 1980، توقف القلب الذى أحب الحياة كثيرًا. لكن، «عم دنجل» أوقف مراسم الدفن حتى وصل، ثم نثر الحنة وأعواد الريحان داخل المقبرة؛ مؤكدًا أنها كانت الوصية الأخيرة لصديقه. وظل السر وراء هذا الأمر مدفونًا مع صاحبه، بينما تعددت التفسيرات، ظلت الوصية واحدة من أكثر التفاصيل غموضًا فى الساعات الأخيرة من حياة «رشدى أباظة».
 


وبعدها، خرج الآلاف لتوديعه، وبكت السينما واحدًا من أكثر فرسانها حضورًا.
 


ولكن، بعد 100 عام، لا يزال «رشدى أباظة» حاضرًا، حيث كان ممثلاً يعرف كيف يحتل الشاشة، وإنسانًا عاش حياته بكل تناقضاتها؛ يربح كثيرًا، ويخسر كثيرًا، ويضحك بصوت مرتفع، ثم ينهض فى اليوم التالى وكأن شيئًا لم يحدث.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط