الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ما يواجهه العالم اليوم.. يعد من أخطر المراحل اضطراباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أوروبا تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة دون حلول واضحة، حالة من التنافس الأمريكى- الصينى فى تصاعد صامت، وروسيا تحاول استعادة دورها دولياً بهدوء. وفى المقابل، تحولت منطقة الشرق الأوسط لملعب.. تقتسم فيه الدول الكبرى والتكتلات الاقتصادية إعادة سيطرة النفوذ العالمى وتوزيعه.


 براجماتية النخبة..
 


إعادة توزيع خريطة النفوذ العالمى.. المرتكز على تحالفات وتكتلات، هى خريطة جديدة.. أسقطت من ملامحها وحدودها الاعتبارات الأيديولوجية التقليدية. وأصبحت معايير حساباتها تقتصر على السيطرة على سلاسل الإمداد والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن.. بهدف امتلاك موازين الردع الجديدة.
 


انعكس ما سبق، على الخطاب الثقافى والسياسى العربى. وما ترتب عليه من تحول لمفاهيم عديدة.. كانت تبدو من الثوابت لسنوات طويلة. وأصبحت الآن محل اختبار ومراجعة.. تصل إلى حد التخلى عنها. وتبدلت مواقف العديد من الدول، وتغيرت لغتها.. قبل أن يتغير موقف شعوبها، بل وأسرع منه. وهو تعبير واضح عن أقصى درجات البراجماتية السياسية فى ظل تفاعلات دولية غير منطقية. 
 


 إسرائيل: الدولة أم الحرب..
 


أكتب هنا عن ثلاثة تحولات تبدو ظاهرياً منفصلة، غير أن حقيقتها.. تعبر وتؤكد على مسار سياسى واحد.
 


التحول الأول هو استمرار الخطاب الثقافى والسياسى العربى برموزه ومنظريه ونخبته.. الذين يعتبرون إسرائيل هى العدو الأول الحقيقى والأوحد والفعلى، وأنها كيان لقيط.. تم فرضه على المنطقة العربية. كما ترى أن جوهر الصراع معها لم يتغير.. لأن القضية الفلسطينية فى تفاقم دون حل حاسم مرتقب أو تسوية عادلة للسلام. وأن استمرار تلك الحالة العدائية.. يفرض واقعًا رافضًا لإسرائيل، وصعوبة التعامل معها باعتبارها ضمن دول المنطقة بشكل طبيعى. وهو ما يدعم استمرار.. ترسيخ حالة الصراع التاريخى، ليس فقط باعتباره مجرد موقف وطنى، ولكن باعتباره انعكاساً لموقف أخلاقى وسياسى وإنسانى.. قبل أن يكون مجرد توصيف للعلاقات الدولية.
 


وفى الوقت نفسه، تحرص العديد من الدول العربية على بناء علاقات وشراكات ضخمة مع إسرائيل.. ولا تتحرك حالياً بالمنطق نفسه لساستها ونخبتها. وذلك بعد أن أصبحت العلاقات الدولية.. لا يحكمها منطق العدو أو الصديق.. بقدر ما يحكمها منطق تقدير المصالح ومواجهة مصادر التهديد سواء الداخلية أو الخارجية.
 

خاصة، بعد أن تحولت أولويات غالبية الدول العربية من التركيز على الصراع العربى - الإسرائيلى باعتباره الخطر الأعظم.. إلى التركيز على التحديات الأخرى، على غرار: الاستقرار الداخلى، والتحولات الاقتصادية، والأمن الإقليمى، والتهديدات غير التقليدية، والمنافسة الرقمية.
 


هنا.. تظهر الفجوة الواضحة بين خطابين. خطاب ينظر إلى التاريخ باعتباره المرجعية الوحيدة، وخطاب ينظر إلى المستقبل باعتباره مربع إعادة ترتيب الأولويات. وفى اعتقادى، أن الخطأ الأكبر هو فى محاولة تفسير أحد الخطابين بفهم ومنطق الطرف الثانى. المفكرون والمثقفون لا يملكون مسئولية إدارة الدولة، والدولة لا تستطيع إدارة سياساتها بمنطق الخطابات الشعبية. ولذا، فإن استمرار الاختلاف بينهما ليس استثناء، بل هو نتيجة طبيعية لاختلاف الوظيفة والوسيلة والغاية.
 


 سياسات أم كلمات..
 


التحول الثانى هو فى رصد ما تغير.. هل هى السياسات أم الكلمات فقط؟!
 


مفردات اللغة السياسية لدول الإقليم.. أصبحت أكثر حرصاً على إعادة إنتاج المفاهيم. عندما تحول مصطلح «التطبيع» إلى مصطلح سيئ السمعة، ومستفز شعبياً وسياسياً لارتباطه فى الوعى العام بمركزية القضية الفلسطينية وعدم تهميشها. ظهر فى الأفق تعبيرات تبدو أكثر إنسانية على غرار «ثقافة السلام»، والتى نقلت الحوار والنقاش من المجال السياسى إلى المجال المجتمعى والحقوقى. وسرعان ما تطورت الفكرة إلى ظهور مفهوم «اتفاقات أبراهام».. باعتباره عنواناً لاتفاقيات رسمية دولية.. تركز على التعاون الاقتصادى والاستثمارى والرقمى والأمنى.. فى محاولة للإحلال وعدم التركيز على الإرث التاريخى للصراع.
 


تغيير المفاهيم والمفردات والمصطلحات.. لا تعنى بالضرورة تغيير الحقائق، لأن تلك المفاهيم السياسية لا تؤدى فقط وظيفة استراتيجية.. لأنها فى واقع الأمر لا تصف الحاضر فقط، وإنما تسهم فى إعادة تشكيله فى الذاكرة الجمعية، ورسم ملامح جديدة ومغايرة للمستقبل. والقاعدة السياسية تنص على أنه عندما يصبح مفهوماً أو مصطلحاً.. مسبباً لأزمة ما لدى صانع القرار، يجب استبداله سريعاً بمفهوم جديد غير قابل للرفض، ويتسم بالقدرة على تقديم فكرة أو سياسية جديدة والتسويق لها. 
 


ولذا، فإن نجاح أى مفهوم أو مصطلح جديد.. لا يقاس نجاحه بدرجة انتشاره فى البيانات الرسمية، وإنما عبر قدرته على تغيير قناعات الرأى العام واتجاهاته. وهو ما لم يتحقق بالكامل إلى الآن، ولا تزال قطاعات متعددة من المجتمعات العربية تردد كلمة «التطبيع» وتستخدمها بدلالتها القديمة، بغض النظر عن تغير الأسماء الرسمية سواء كانت «ثقافة السلام» أو «اتفاقات إبراهام».
 


 تغيير التحالفات واستبدال الشراكات..
 


التحول الثالث.. هو الأكثر أهمية لكونه لا يتعلق بإسرائيل فقط، بل بإعادة هيكلة النظام الإقليمى فى مجمله. على مدار سنوات طويلة، ظلت معادلة الأمن القومى لدول الخليج العربى مرتكزة على علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها الضامن الرئيسى للاستقرار العسكرى والأمنى فى المنطقة. غير أن ما حدث خلال السنوات الأخيرة، دفع إلى سيناريو إعادة تقييم هذه الفرضية.. ليس بسبب توتر العلاقة مع البيت الأبيض، ولكن بسبب تغير الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية. والتى أصبحت تنظر إلى منافستها مع الصين باعتبارها التحدى الأكبر ضمن سلم أولوياتها، بالإضافة، إلى أن الرأى العام الأمريكى.. لا يميل إلى الانخراط فى صراعات طويلة الأمد خارج حدوده.. بعد تجربة فيتنام. ولا يعنى ما سبق، انسحابها من إقليم الشرق الأوسط، ولكن الواضح، أنه لم يعد يحتل المكانة التى كانت تشغلها فى العقود السابقة. وبالتالى، من الطبيعى، أن تتجه دول الخليج إلى تنويع خياراتها لتكثف شراكاتها الاقتصادية مع الصين، وتعزز تعاونها مع دول أخرى مثل باكستان وغيرها. فضلاً عن فتح قنوات اتصال مع أطراف إقليمية.. كانت تصنف معها قبلاً ضمن قائمة العلاقات المتوترة.
 


لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية.. تمتلك القدرات العسكرية والاستخباراتية التى تجعلها أهم شريك أمنى فى المنطقة، بل والأكثر تأثيراً. غير أن الاعتماد الكامل على شريك واحد لم يعد ضمن مقتضيات وطبيعة النظام الدولى الجديد.. الذى يتجه بقوة نحو تعدد الأقطاب التى توازن بين تنوع الشراكات واستبدال التحالف.
 


ليست جزرًا منعزلة..
 


التحولات الثلاثة ليست مسارات منفصلة، وإنما تعبر عن انتقال إقليم الشرق الأوسط من مرحلة السياسة المرتكزة على الهوية والشعارات والإيديولوجيا، إلى مرحلة السياسة القائمة على إدارة المصالح وتوزيع المخاطر.
 


ولا يزال الخطاب الثقافى والسياسى العربى.. يتحرك داخل سردية الصراع التاريخى القومى، ولم يتفاعل مع انتقال دول المنطقة إلى حسابات أكثر براجماتية.
 

تغيرت المفاهيم والمصطلحات السياسية فى سبيل التكيف مع واقع دولى جديد، وليس لنجاحها فى تغيير قناعات المجتمعات. وتحددت صياغة التحالفات الأمنية.. وفق توازنات القوى العالمية، وليس حسب منطق الولاءات السياسية التقليدية.
 


 نقطة ومن أول السطر.. 
 


مَن هو العدو الحقيقى؟! وهل حدث تطبيع حقيقى أم لا؟!
 


كيف يمكن لدول الإقليم أن تعيد تعريف منظومة مصالحها فى عالم.. لا يعترف بالثوابت التى حكمت السياسة الدولية منذ 1945 وإلى الآن؟ 
الإجابة عن هذا السؤال هى التى ستحدد ملامح الشرق الأوسط وحدوده الجديدة.. خلال السنوات القليلة القادمة. ولن يتحدد فى كل الأحوال بالشعارات السياسية أو المصطلحات الإعلامية. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط