الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بعد تكريمها فى المهرجان القومى للمسرح:

شهيرة: المسرح مدرستى الأولى وعدم توثيق العروض يدفن تاريخ الفنان

بوابة روز اليوسف

بعد سنوات طويلة من الغياب والاعتزال، أعاد تكريم الفنانة «شهيرة» فى الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومى للمسرح المصرى اسمها إلى دائرة الضوء من جديد، لتستعيد معها ذكريات رحلة مسرحية قصيرة فى سنواتها، لكنها ثرية فى تأثيرها.

 

رغم أن رصيدها الفنى لم يتجاوز عشرين عامًا، إلا إنها قدمت خلالها 12 عرضًا مسرحيًا تركت بها بصمة فى تاريخ المسرح المصرى الحديث. وفى هذا الحوار مع «روزاليوسف»، تفتح «شهيرة» صندوق ذكرياتها، وتتحدث عن المسرح الذى تصفه بـ«المدرسة الحقيقية»، وكواليس أبرز أدوارها، ورؤيتها لواقع المسرح اليوم، ورسالتها إلى الأجيال الجديدة.. فإلى نص الحوار..
 


 فى البداية.. ماذا يعنى لكِ أن يأتى هذا التكريم من المهرجان القومى للمسرح تحديدًا، بعد سنوات طويلة من العطاء؟
 


- سعادتى بهذا التكريم كبيرة جدًا، لأنه جاء من وزارة الثقافة ومن المهرجان القومى للمسرح المصرى، وهذا يمنحه قيمة خاصة بالنسبة لى. فقد حظيت على مدار مشوارى بتكريمات عديدة من رؤساء جمهورية ووزراء، لكن هذا التكريم «مختلف»، لأنه يحتفى برصيدى المسرحى تحديدًا، وهو الرصيد الذى لا يراه الجمهور كثيرًا بسبب عدم توثيق معظم المسرحيات وعرضها على الشاشات. فعلاقتى بالمسرح بدأت منذ السنة الأولى فى المعهد، عندما شاركت فى مسرحية «الضيوف» من تأليف «محمود دياب» وإخراج أستاذى الراحل «أحمد عبدالحليم». ورغم أن مشوارى الفنى قبل الاعتزال لم يتجاوز العشرين عامًا، فإننى قدمت عددًا كبيرًا من الأعمال، لأن المسرح كان دائمًا البداية الحقيقية لمسيرتى الفنية، وسيظل الأقرب إلى قلبى.
 

 

 قلتِ إن المسرح هو «المدرسة الحقيقية».. ما أهم الدروس التى تعلمتها من الوقوف على خشبة المسرح وما زالت ترافقك حتى اليوم؟
 


- أهم ما تعلمته من المسرح هو المواجهة والثبات الانفعالى. فالوقوف على خشبة المسرح ليس أمرًا يستطيع أى فنان القيام به، وهناك نجوم كبار فى السينما لم يخوضوا هذه التجربة، مثل «فاتن حمامة» و«سعاد حسنى»، لأن للمسرح رهبة ومسئولية من نوع خاص. لأننا فى السينما أو التليفزيون إذا أخطأ الممثل يمكن إعادة المشهد، أما فى المسرح فلا توجد فرصة ثانية، لأنك تواجه الجمهور بشكل مباشر، وكل ما تقدمه يكون أمامه فى اللحظة نفسها. لذلك يحتاج المسرح إلى تركيز شديد، وذاكرة قوية، ووعى كامل، وسرعة بديهة للتعامل مع أى موقف قد يحدث أثناء العرض. والأجمل فى المسرح أن رد فعل الجمهور يكون فوريًا ومباشرًا، وهذا ما يجعل كل ليلة عرض تجربة مختلفة، ويمنح الفنان إحساسًا لا يمكن أن يجده فى أى وسط فنى آخر.
 


شاركتِ فى 12 عرضًا مسرحيًا خلال مشوارك.. هل هناك عرض تشعرين أنه الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
 


- أعتقد أن مسرحية «عودة الغائب» هى الأقرب إلى قلبى، لأنها كانت من أصعب التجارب التى خضتها على خشبة المسرح. حيث قُدمت باللغة العربية الفصحى، وهى لغة تحتاج إلى جهد كبير فى الأداء والإلقاء، وكان النص من تأليف «د.فوزى فهمى»، وأخرجها الفنان الكبير «شاكر عبداللطيف»، وتُعد من أهم المسرحيات فى تاريخ المسرح الحديث.. كما أننى كنت أقف على المسرح إلى جانب قامات كبيرة من نجوم المسرح القومى، مثل «محمود ياسين» و«عايدة عبدالعزيز»، وذلك فى بداية مشوارى الفنى، وهو ما جعل التجربة تحمل مسئولية كبيرة بالنسبة لى.. ومن أجمل الذكريات التى أحتفظ بها من هذا العرض أننى وجدت فى أرشيفى مؤخرًا مشهد «مونولوج» قدمته على المسرح بمفردى لمدة تقارب عشر دقائق. وعندما شاهدته بعد كل هذه السنوات شعرت بالفخر، وقلت لنفسى: «فعلًا أنا عندى كنز مسرحى»، لأن هذه الأعمال توثق مرحلة مهمة جدًا من بداياتى الفنية وتظل جزءًا عزيزًا من مسيرتى.
 


 شخصية «نفيسة» فى مسرحية (بداية ونهاية) تُعد من أبرز محطاتك المسرحية.. كيف تتذكرين كواليس التحضير لها، وما الذى أضافته لكِ كفنانة؟
 


- مسرحية «بداية ونهاية» لها مكانة خاصة جدًا فى قلبى، ليس فقط بسبب الشخصية التى قدمتها، ولكن أيضًا لأنها كانت تجربة وطنية وإنسانية قبل أن تكون عملًا فنيًا. فقد قُدم العرض للمساهمة فى سداد ديون مصر، وتبرع جميع الفنانين المشاركين فيه بأجورهم لمدة تجاوزت الشهر، ومن بينهم «فاروق الفيشاوى، ومحمود ياسين، وحسين فهمى، وممدوح عبدالعليم، ويسرا، وأبو بكر عزت، وكريمة مختار»، وغيرهم من كبار النجوم.. وجود هذا العدد الكبير من الفنانين فى عرض واحد صنع حالة وطنية استثنائية، وشهد المسرح وقتها إقبالًا جماهيريًا غير مسبوق، ولذلك يؤلمنى أن هذا العرض لم يُعرض تليفزيونيًا حتى اليوم، رغم قيمته الفنية والتاريخية.. أما شخصية «نفيسة» فكانت من أصعب الشخصيات التى قدمتها، لأنها شخصية شديدة التعقيد، تحمل بداخلها قدرًا كبيرًا من المعاناة والفقر والصراع النفسى. وكان التحدى أكبر بالنسبة لى لأن الفنانة القديرة الراحلة «سناء جميل» كانت قد جسدت الشخصية فى الفيلم السينمائى، لذلك كنت أشعر بمسئولية كبيرة لتقديم رؤية مختلفة تليق بقيمة الشخصية. والحمد لله، نجحت التجربة، وحظيت بإشادة واسعة من النقاد والجمهور، وأعتبرها حتى اليوم واحدة من أهم المحطات فى مسيرتى المسرحية.
 


 هناك عروض مسرحية قدمتها ولم تُصوَّر، وبالتالى لم يشاهدها الجيل الجديد.. هل تشعرين بالحزن لأن هذه الأعمال لم تُوثق؟ وهل هناك عرض كنتِ تتمنين أن يظل محفوظًا للأجيال؟
 


- بالتأكيد أشعر بالحزن، لأن عدم توثيق العروض المسرحية يعنى أنها تُدفن بمرور الزمن، وكأنها لم تُقدم، رغم ما بذله فيها الفنانون من جهد وما حققته من نجاح. المسرح فن يعيش مع جمهوره لحظة العرض، لكن إذا لم يُوثق تضيع هذه اللحظات ولا تصل إلى الأجيال الجديدة. 
 


 المسرح يضع الفنان فى مواجهة مباشرة مع الجمهور.. هل ما زلتِ تتذكرين أول مرة وقفتِ فيها أمام الجمهور؟ ومن أول من شجعك على المسرح؟
 


- أول من شجعنى على الوقوف على خشبة المسرح كان أستاذى الراحل «أحمد عبدالحليم»، الذى منحنى الفرصة الأولى وآمن بموهبتى. وبعده جاء أستاذى الراحل «عبدالرحيم الزرقانى»، الذى قدمنى فى ثانى أعمالى المسرحية، «طائر البحر» لـ«تشيكوف»، أمام الفنان الكبير «فاروق الفيشاوى»، وكانت تجربة مهمة جدًا فى بداياتى. أما عن أول مرة وقفت فيها أمام الجمهور، فالمفاجأة أننى لا أتذكر تفاصيلها أو كواليسها. ربما لأننى بطبيعتى لا أشعر بالخوف أو التوتر قبل الصعود إلى المسرح. كنت أدخل فى الشخصية بسرعة كبيرة، وأعيشها بمجرد بدء العرض. وأتذكر أن زوجى الراحل الفنان «محمود ياسين» كان يستغرق أيامًا حتى يتقمص الشخصية ويستعد لها نفسيًا، بينما كنت أنا أدخل فى الحالة مباشرة، وكان يمازحنى دائمًا ويقول لى: «أنتِ جبارة.».
 


 ما أبرز المغامرات أو المواقف الاستثنائية التى عشتِها خلال مشوارك على خشبة المسرح؟
 


- أعتقد أن من أغرب وأصعب التجارب التى عشتها فى المسرح أننى قدمت عرضين مختلفين تمامًا فى الليلة نفسها، أحدهما كوميدى والآخر تراجيدى. ولا أعرف إن كان هناك فنان فعل ذلك من قبل، لكننى أظن أننى كنت الوحيدة التى خاضت هذه المغامرة. فى ذلك الوقت كنت بطلة مسرحية (البلدوزر) مع الفنان «محمد نجم»، ثم توقفت المسرحية لفترة، وخلالها تعاقدت على بطولة (بداية ونهاية) التى قُدمت فى ظروف وطنية خاصة. ومع النجاح الكبير الذى حققته المسرحية، جاء موسم العيد المسرحى، وكان لا بد من إعادة تقديم (البلدوزر) للجمهور. واقترح عليّ الفنان الكبير الراحل «عبدالمنعم مدبولى» تأخير رفع ستار (البلدوزر) لمدة ساعة، حتى أتمكن أولًا من تقديم عرض (بداية ونهاية) على مسرح آخر، ثم أذهب مباشرة لتقديم (البلدوزر). وكانت المفارقة أننى كنت أخرج من شخصية «نفيسة» بكل ما تحمله من مآسٍ ودموع، لأقف بعد دقائق قليلة على مسرح آخر وأقدم عملًا كوميديًا بالكامل. كان انتقالًا شديد الصعوبة بين عالمين متناقضين، لكنه يظل من أكثر المغامرات المسرحية التى أعتز بها فى مشوارى.
 


 كيف ترين حال المسرح المصرى اليوم؟ وهل تعتقدين أن المهرجان القومى للمسرح نجح فى إعادة الاهتمام بالمسرح، خاصة بعد التوسع فى المحافظات؟
 


- للأسف، أرى أن حال المسرح المصرى اليوم ليس كما كان فى الماضى. فى فترة بداياتنا كانت هناك طفرة حقيقية فى الإنتاج المسرحى، وتنوع كبير فى العروض، إلى جانب وجود نصوص مميزة لكبار الكُتّاب، والاعتماد على أعمال الأدب العالمى، وهو ما جعل الجمهور يعشق المسرح ويدرك قيمته الفنية والثقافية. أما بالنسبة للمهرجان القومى للمسرح، فأستطيع أن أقول بكل أمانة إنه شهد خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة، خاصة مع الإدارة الحالية. فى السابق كان كثير من الناس لا يهتمون بالمهرجان أو لا يسمعون عنه بالشكل الكافى، لكن ما تحقق مؤخرًا من إقامة عروض وورش وفعاليات فى المحافظات، وعدم الاكتفاء بالعاصمة، جعل المهرجان يصل إلى جمهور أوسع، وأعاد الاهتمام بالمسرح فى أماكن كثيرة داخل مصر. 
 


 بعد هذا التكريم، ما الرسالة التى تحبين توجيهها إلى شباب المسرحيين الذين يبدأون خطواتهم الأولى على خشبة المسرح؟
 


- رسالتى لكل شاب وشابة فى بداية الطريق أن يؤمنوا بموهبتهم، ويتمسكوا بحلمهم مهما كانت الصعوبات. النجاح لا يأتى بسهولة، وإنما يحتاج إلى اجتهاد وصبر وإصرار، وأعتقد أن أكبر مشكلة لدى بعض أبناء الجيل الجديد هى الرغبة فى الوصول السريع، بينما الفن الحقيقى يحتاج إلى وقت وخبرة وتراكم. لذا أنصحهم أن يحبوا المهنة ويحترموها.
 


 وأخيرًا.. لو قررتِ يومًا العودة إلى الفن، هل ستكون العودة من بوابة المسرح، أم السينما، أم الدراما التليفزيونية؟ ولماذا؟
 


- أعتقد أن العودة إلى المسرح ستكون صعبة، لأن المسرح يحتاج إلى طاقة كبيرة وصحة ومجهود بدنى. لذلك أعتقد أننى إذا فكرت يومًا فى العودة إلى الفن، فأرى أن السينما أو الدراما التليفزيونية ستكونان الأقرب. ففيهما يمكن تقديم أدوار مؤثرة حتى وإن كانت مساحتها محدودة، فالمهم بالنسبة لى هو قيمة الشخصية وأثرها.

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط