لهذه الأسباب: حبيتك أخطر ألبوم فى مسيرة «عمرو دياب»
ربما يكون ألبوم (حبيتك) علامة فارقة فى المشوار الفنى للهضبة، الذى بدأ عام 1983 وما زال مستمرًا بالقوة نفسها حتى اليوم. فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد ألبوم جديد يضيفه «عمرو دياب» إلى رصيده، ولا عن استمرارية تضمن له البقاء فى المشهد، وإنما عن فنان يفرض هيمنة كاملة على عرش الموسيقى العربية.والأهم أنه لا يتحرك وفقًا لاتجاهات السوق، بل هو من يرسم هذه الاتجاهات ويحدد بوصلة الصناعة.
ومن هنا تحديدًا تأتى أهمية (حبيتك)؛ فهذا الألبوم لا يعكس فقط رؤية «عمرو دياب» الموسيقية، وإنما يؤسس أيضًا لرؤيته لشكل السوق الغنائية خلال المرحلة المقبلة.
وعلى مدار أكثر من 35 عامًا، اعتدنا أن يتحول كل ما يقدمه «عمرو دياب» إلى اتجاه عام تتبعه الأغلبية. وما يغامر به اليوم، نجده بعد أشهر أو سنوات يتحول إلى قاعدة يسير عليها عدد كبير من المطربين وصناع الموسيقى، وهو ما يمنح القراءة الفنية لهذا الألبوم أهمية خاصة، ويجعل التفاصيل التى سنتناولها فى السطور المقبلة تستحق التوقف أمامها.
يمكن تقسيم الألبوم إلى مسارين رئيسيين: الأول يعتمد على الطابع الشرقى التقليدى، ويضم أغنيات مثل (جيتلك، غيابه فرق، المفضل، 12 بليل، واتأخر عتابنا).
أما المسار الثانى، فيغلب عليه الطابع العالمى، من خلال توظيف عدد من الأشكال الموسيقية المختلفة؛ فنجد إيقاعات Dancehall فى أغنية (لولا البنات)، والفلامنكو فى (الألوان وحبيتك)، بينما تستند (وانتى جنبى وبحاول) إلى روح الموسيقى اللاتينية، فى حين تنتمى (وأنا معاك) إلى قالب Rock، وتأتى (سلام كبير) فى إطار موسيقى Electropop.
إذن، من أين تأتى أهمية هذا الألبوم؟ ولماذا أراه علامة فارقة فى مسيرة «عمرو دياب»؟
الإجابة ببساطة أننا، كما أشرنا فى السطور السابقة، اعتدنا أن يتحول ما يقدمه «عمرو دياب» إلى اتجاه تتبعه السوق. فهو لا يكتفى بمواكبة التغيرات، بل يصنعها، ثم يبدأ الآخرون فى السير على الطريق نفسه.
ولعل المثال الأوضح على ذلك ما حدث العام الماضى، عندما قدم أغنية (بابا) فى قالب Dancehall. الأغنية حققت نجاحًا استثنائيًا، وتحولت إلى واحدة من أهم أغانى عام 2025.
ولم يمر وقت طويل حتى بدأ هذا التأثير ينعكس على السوق. فرأينا «أحمد سعد» يلجأ إلى القالب نفسه فى إعلان لإحدى شركات الاتصالات، ثم قدم «رامى صبرى» أغنية (فلتة) بالروح الموسيقية ذاتها، قبل أن يطرح «تامر حسنى» هذا العام أغنية (وش الخير).
واليوم، يعود «عمرو دياب» فى ألبوم (حبيتك) ليكرر التجربة من خلال أغنية (لولا البنات)، وكأنه يؤكد ثقته فى هذا الاتجاه الموسيقى، بعد أن أثبت نجاحه جماهيريًا.
لكن، ورغم تعدد المحاولات، يظل «عمرو دياب» هو صاحب الضربة الأولى، وهو من رسم الملامح الأساسية لهذا الشكل من التوزيع الموسيقى، قبل أن يتحول إلى أحد الاتجاهات الرائجة فى السوق.
ومن هنا تحديدًا تبدأ خطورة هذا الألبوم.
فإذا كان «عمرو دياب» قد نجح سابقًا فى تصدير قالب موسيقى معين إلى السوق، فإن (حبيتك) قد يفعل الأمر نفسه، لكن هذه المرة بأداة مختلفة تمامًا؛ وهى الذكاء الاصطناعى الموسيقى.
فالألبوم يعتمد، فى أجزاء كبيرة منه، على أدوات التوليد الموسيقى، وبالتحديد تطبيق Suno. وأى شخص سبق له التعامل مع هذا التطبيق، سواء بتوليد مقطوعات موسيقية أو تحليل مخرجاته، سيدرك بسهولة أن له بصمة صوتية خاصة، وأن هناك خامات وآلات افتراضية متكررة تميزه عن التسجيلات التى تعتمد على العزف البشرى التقليدى. وهذه البصمة يمكن تمييزها بوضوح فى أكثر من موضع داخل الألبوم، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول المرحلة المقبلة، وما إذا كان «عمرو دياب» بصدد تدشين موجة جديدة ستنتقل، كالعادة، إلى بقية السوق.
إذا عدنا إلى ألبومات «عمرو دياب» السابقة، سنجد أنه كان دائمًا حريصًا على التأكيد أن الرؤية الموسيقية لأعماله تنطلق من عنده هو، وأن الألبوم يُبنى وفق تصوره قبل أن يبدأ أى صانع موسيقى فى تنفيذ دوره. والاستثناء الأبرز كان خلال فترة تعاونه مع الموزع الكبير «طارق مدكور».
وبخلاف هذا الاستثناء، فكل ما صنع فى الماضى يؤكد أن مسؤولية اختيار القوالب الموسيقية، وسرعات الإيقاع، والهوية العامة للألبوم، كانت -ولا تزال- جزءًا من رؤية «عمرو دياب» نفسه، بينما يتحرك الموزع الموسيقى داخل هذا الإطار.
ولعل تجربة الفلامنكو خير مثال على ذلك. فقد بدأ «عمرو دياب» توظيف هذا اللون منذ عام 1994، بالتعاون مع «حميد الشاعرى»، فى أغنيتى (ويلومونى والعيون)، ثم ظل هذا الخيط حاضرًا، بدرجات متفاوتة، فى معظم ألبوماته، حتى وصلنا هذا العام إلى (حبيتك والألوان)..
لكن مع الحضور الطاغى لتطبيق Suno داخل ألبوم النجم الأكبر فى الوطن العربى، أصبحنا أمام أسئلة تتجاوز هذا الألبوم نفسه، وتمتد إلى مستقبل مهنة الموزع الموسيقى أساسًا.
فإذا كان صاحب الرؤية الموسيقية هو «عمرو دياب»، وهو من يحدد القالب الموسيقى لكل أغنية، وهو من يختار سرعات الإيقاع، بل ويقترح المزج مثلا بين Dancehall والآلات المصرية مثل الربابة كما حدث فى (بابا، ولولا البنات)، وإذا كانت مساحة العازفين أصبحت محدودة فى معظم الأغنيات، فما الدور الحقيقى الذى يؤديه الموزع الموسيقى اليوم؟
وهل ما زال شريكًا إبداعيًا فى صناعة الأغنية؟ أم أن دوره بدأ يتحول تدريجيًا إلى تنفيذ رؤية جاهزة باستخدام أدوات باتت قادرة على إنجاز جانب كبير من العمل؟
هذه الأسئلة لا تحمل موقفًا عدائيًا من التكنولوجيا، ولا تنطلق من منطق المؤامرة. على العكس تمامًا، فأنا شخصيًا أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعى فى عملى الصحفى بشكل مستمر، لكنها لم تصادر هويتى المهنية، ولم تكتب مقالاتى بالنيابة عنى.
ولعل المثال الأقرب على ذلك ما أعلنته الكاتبة البولندية «أولجا توكارتشوك»، الحائزة على جائزة نوبل فى الأدب، عندما كشفت عن استخدامها أدوات الذكاء الاصطناعى فى البحث الأولى، والتحقق من المعلومات، والعصف الذهنى، وتوليد بعض الأفكار. ورغم ذلك، أكدت أن النصوص الأدبية كتبَتها بنفسها، وأن الذكاء الاصطناعى لم يكن سوى أداة مساعدة، لا بديلًا عن الكاتب.
وهذا، إلى حد كبير، هو ما يحدث مع «عمرو دياب» الآن فى 2026. فأغنيات (حبيتك) خرجت محتفظة بهويته الفنية المعروفة؛ بالطريقة نفسها التى اعتدناها فى بناء المقسوم، والمزج بين الشرقى والغربى، والحرص الدائم على التقاط أحدث الاتجاهات الموسيقية العالمية وإعادة تقديمها بروح عربية.
لكن السؤال الذى يفرض نفسه بعد هذا الألبوم ليس عن هوية «عمرو دياب»، فهى واضحة ولم تتغير، وإنما عن هوية الموزعين الموسيقيين المشاركين فى هذا العمل. فهذه هى المرة الأولى التى تصبح فيها بصمة الموزع أقل حضورًا إلى هذا الحد، لتتحول من عنصر يمكن تمييزه بالاستماع، إلى علامة استفهام تستحق النقاش.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



