الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يعد الخلاف حول الساحل الشمالى متعلقًا بمكان قضاء الإجازة، بقدر ما أصبح نقاشا اجتماعيًا واقتصاديًا يكشف طريقة نظرنا إلى النجاح والرفاهية والطبقية. وبين «الساحل الطيب» و«الساحل الشرير» صنعنا تصنيفا شعبيا يبدو ساخرًا فى ظاهره، لكنه يحمل فى داخله أحكاما اجتماعية واسعة، وكأن اختلاف القدرة على الإنفاق أصبح معيارًا للحكم على الناس، لا مجرد اختلاف فى أنماط الحياة والاختيارات.
 


لا أنكر انتمائى الوجدانى إلى الساحل الطيب، ذلك الساحل الذى يحمل رائحة مصايف زمان وطقوسها البسيطة، حيث كانت الإجازة تعنى البحر واللمة والسهر الهادئ، لا قوائم الانتظار ولا أسعار المطاعم ولا سباق الظهور على مواقع التواصل. لكن هذا الحنين لا يمنعنى من الدفاع عن الساحل الشرير، أو هكذا يسمونه، باعتباره جزءًا من مشروع سياحى واستثمارى أكبر من الصورة التى تختزل المكان فى حفلة أو فاتورة مرتفعة أو مشهد استعراضى عابر.
 


فالساحل الشمالى اليوم لم يعد مجرد شريط من القرى الموسمية، بل يتحول تدريجيًا إلى واجهة اقتصادية جديدة لمصر على البحر المتوسط. الدولة أنفقت خلال السنوات الماضية استثمارات ضخمة فى الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمدن الجديدة، وفتحت المجال أمام مشروعات كبرى مثل العلمين الجديدة ورأس الحكمة، بما جعل المنطقة أكثر قدرة على جذب رءوس الأموال وتطوير أنشطة تتجاوز العقار التقليدى إلى السياحة والفنادق والخدمات والمراسى والتجارة والترفيه.
 


وإذا كانت بعض مناطق الساحل تستهدف الشرائح الأعلى دخلًا، فهذه ليست ظاهرة مصرية ولا اختراعا محليا فى ميكونوس وماربيا وكان ونيس  توجد منتجعات صُممت لجمهور يملك اليخوت أو يستأجرها، وينفق آلاف الدولارات خلال أيام قليلة، ويبحث عن فنادق فاخرة ومطاعم عالمية ومراسٍ متطورة وخدمات لا تتوافر فى المنتج السياحى التقليدى.
 


وجود هذا النوع من السياحة لا يعنى أن الدولة تبنى شواطئ للأغنياء وتغلق البحر أمام الآخرين، بل يعنى أنها تنوع منتجاتها السياحية وتنافس على شريحة مرتفعة الإنفاق. والسائح الذى يدفع آلاف الدولارات لا يستهلك رفاهية خاصة فقط، وإنما يخلق دورة اقتصادية كاملة تمتد إلى الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات البحرية وشركات التنظيم والتسويق، وتوفر فرص عمل لآلاف الشباب والعاملين.
 


المشكلة إذن ليست فى الساحل الشرير، وإنما فى تحويله إلى معيار اجتماعى. فبعض المحتوى المنتشر على مواقع التواصل يصنع شعورًا زائفا بأن الاستمتاع بالصيف لا يكتمل إلا بالدخول إلى الأماكن الأكثر تكلفة، وكأن قيمة الإجازة تُقاس بسعر الطاولة أو اسم المطعم أو عدد الصور المنشورة.
 


وهنا يتحول الترفيه إلى عبء، ويتحول التطلع المشروع إلى استهلاك يفوق القدرة، ويقع البعض فريسة مقارنة لا تنتهى مع أنماط حياة قد لا تناسب ظروفهم ولا ميزانياتهم.
 


لدينا الساحل الطيب بالبحر نفسه والرمال نفسها والهواء نفسه، وبمساحات واسعة تناسب الأسر والشباب وميزانيات مختلفة. وليس مطلوبًا أن تتشابه كل الشواطئ أو أن تقدم جميعها المنتج نفسه ، فتنوع الأسعار والخدمات جزء طبيعى من أى سوق سياحية ناضجة.
 


لا أكتب دفاعا عن المبالغة فى الأسعار، ولا عن الاستعراض الطبقى، وإنما عن حق مصر فى بناء منتجعات عالمية قادرة على جذب الاستثمارات والسياحة مرتفعة الإنفاق، وعن حق الناس فى اختيار المكان الذى يناسبهم دون أن يشعر أحد بالنقص أو يتعامل مع الآخر باعتباره خصمًا اجتماعيًا.
 


استمتع بمصيفك حيث تجد راحتك، ولا تسمح لفيديو عابر أن ينغص عليك إجازتك أو يضعك داخل تصنيف لم تختره. فالبحر لا يعرف الساحل الطيب ولا الساحل الشرير، لكننا نحن من حولنا اختلاف الإمكانات إلى معركة اجتماعية لا ضرورة لها.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط