الغموض يفرض نفسه على الجميع: أمريكا، إيران، دول الخليج، الشرق الأوسط بأكمله. ربما تنجح الوساطات العُمانية والمصرية والباكستانية فى احتواء التصعيد العسكرى بين إيران وأمريكا، وربما تتغلب لغة القوة على لغة السياسة، لكن المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة دقيقة، حيث أصبحت القرارات المصيرية تُتخذ خلال دقائق أو ساعات بينما تستمر آثارها سنوات وسنوات.
وفى مثل هذه الأوقات العصيبة يبقى أخطر ما يحدث فى الشرق الأوسط أن الجميع يستعد للحرب حتى وهم يعملون لمنعها. يتحدث الكثيرون عن مواجهة بين أمريكا وإيران بمشاركة إسرائيل وإنجلترا مع أمريكا، قد تنتهى بمنتصر ومهزوم، وليس بمجرد وقف إطلاق نار مؤقت، مع بقاء كل الاحتمالات مفتوحة وعدم الجزم بمسار الأحداث، فى مقابل التحركات الدبلوماسية وكأنها سباق مع الزمن.
وقد اقترحت سلطنة عمان على إيران أن يكون هناك رسوم اختيارية تدفعها السفن التى تمر بمضيق هرمز كمساعدة طوعية مقابل الخدمات البحرية التى تقدمها إيران وسلطنة عمان، ويُحتمل أن توافق إيران على هذا المقترح وكذلك أمريكا، ويتم أيضًا إنهاء الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية. إضافة إلى ذلك ستبدى أمريكا مرونة لرفع التحفظ عن جزء من الأموال الإيرانية، وفى الوقت نفسه تبذل الصين جهودًا كبيرة عبر اتصالاتها مع أصدقائها الإيرانيين لإبداء مرونة فى مفاوضاتها غير المباشرة مع أمريكا حتى لا تنزلق المنطقة إلى حرب واسعة.
هذه الجهود الكبيرة لمنع اتساع رقعة الحرب لا تعكس فقط استعدادًا عسكريًا، بل تؤكد أن القوى الدولية ودول الشرق الأوسط، خصوصًا دول الخليج ومصر، تدرك حجم التكلفة العسكرية للحرب إذا خرج الوضع عن السيطرة. وسط كل هذه الظروف والمؤشرات قام رئيس وزراء الكيان الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بزيارة واشنطن بحجة تأبين السيناتور ليندسى غراهام الصهيونى الذى توفى منذ أكثر من أسبوع، حتى تتاح له الفرصة لمقابلة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى رفض مقابلة نتنياهو عدة مرات. ويعلّق المراقبون على اجتماع نتنياهو مع ترامب آمالًا كبيرة فى ملف لبنان وأيضًا ملف غزة، ليؤكد فى النهاية أن ترامب له الكلمة الأولى والأخيرة على سياسات إسرائيل فى لبنان، التى لا يزال نتنياهو يعرقل انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التجريبية التى اتفقت عليها إسرائيل مع لبنان فى واشنطن.
الأمر نفسه يتكرر فى غزة، فما زالت إسرائيل تحتل مساحة كبيرة من القطاع ولا تريد الانسحاب وإعطاء قوة الاستقرار التابعة لمجلس السلام فرصة لأداء مهامها العسكرية والمدنية. والمصيبة الكبرى أن إسرائيل تواصل بناء ما يسمى بالجدار العازل الذى سيمكنها من احتلال %65 بشكل دائم من القطاع، وتترك أكثر من مليونَى فلسطينى فى الجزء المتبقى بهدف أساسى هو خنق الفلسطينيين وإجبارهم على الهجرة الطوعية أو الجبرية.
الساعات المقبلة قد تكون الأكثر حساسية منذ أشهر، فالتصعيد بين أمريكا وإيران تجاوز مرحلة الرسائل المتبادلة وانتقل إلى مستوى باتت فيه كل خطوة محسوبة بدقة، لأن أى خطأ فى التقدير قد يشعل مواجهة لا تشبه سابقاتها. وإذا ضربت أمريكا إيران ضربة كبيرة مباشرة فإنها على الأرجح لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة يمكن احتواؤها، بل قد تتحول إلى معركة هدفها فرض ميزان قوة جديد فى منطقة الشرق الأوسط.
ومن هنا يبقى ويظل الأهم أن تقوم أمريكا وإيران عبر الوسطاء بالتوصل إلى اتفاق جديد وفتح مضيق هرمز ورفع بعض العقوبات عن إيران.
ويسود العالم الآن أن ترامب، وليس إيران، هو الخطر الأكبر على العالم، وأنه سلاح دمار شامل بمفرده. ومع وقف قصفه لإيران بات من الواضح أنه جرّ أمريكا إلى كارثة لا حدود لها، بل أيضًا العالم الذى سقط فى مستنقع اقتصادى كبير بارتفاع أسعار البترول ووقف الاستثمارات وحركة التنقل. وقد وصفت وسائل إعلام غربية ترامب بأنه عديم الكفاءة وجاهل وعاجز عن إيجاد مخرج من الحرب الكارثية التى أشعلها، ولا يعبأ كثيرًا بمعاناة شعبه.
إن السيطرة على مضيق هرمز الذى أُغلق بسبب هجمات ترامب على إيران أصبحت الهدف المحدود والمراوغ لترامب، أما الأهداف الأمريكية والإسرائيلية الأوسع للحرب والمتمثلة فى القضاء على البرنامج النووى الإيرانى وإضعاف الميليشيات الإقليمية التابعة لإيران فأصبحت أبعد منالًا من أى وقت مضى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



