إقالة «كريم خان» لحماية نتنياهو
ضغوط واشنطن لتفكيك «الجنائية الدولية»
فى مشهد يفضح ازدواجية المعايير ويكشف هشاشة منظومة العدالة العالمية أمام سطوة المصالح الأمريكية، تواصل «واشنطن» ممارسة أبشع صور «البلطجة» وفرض الوصاية على المؤسسات الدولية التى تكشف جرائم الاحتلال الإسرائيلى، متجاوزة كل الأعراف والقوانين، وذلك فقط إرضاءً لإسرائيل وتوفير غطاء سياسى لجرائمها، حيث جاء قرار إقالة المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، ليؤكد أنه ليس تغييرا إداريًا فى أعلى هرم الادعاء الدولى، بل مثل منعطف مؤسسي غير مسبوق منذ إنشاء المحكمة.
القضية لم تعد تتعلق بشخص المدعى العام بقدر ما أصبحت تمس قدرة المحكمة نفسها على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين مسائلة كبار مسئوليها وحماية استقلالها عن التأثيرات السياسية الخارجية.
من جانبها، رحبت وزارة الخارجية الأمريكية بإعلان رئيسة فنزويلا المؤقتة انسحاب بلادها من المحكمة الجنائية الدولية، داعية إلى تفكيك المحكمة وانسحاب كل الأعضاء منه.
وأصبحت تشاد أيضا خامس دولة، تبدأ إجراءات الانسحاب الرسمية فى الأشهر الأخيرة، بعد كل من فنزويلا وبوركينا فاسو ومالى والنيجر؛ إذ بدأت رسميا إجراءات الانسحاب والتى تستمر عاما حتى تدخل حيز التنفيذ.
بيان الخارجية الأمريكية
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية فى بيان لها:» ترحب الولايات المتحدة بقرار الرئيسة المؤقتة ديلسى رودريجيز وفنزويلا، بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وبشراكة الحكومة الفنزويلية الجديدة فى الجهود التى تقودها الولايات المتحدة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية الفاسدة وعديمة الجدوى، فما يسمى بالمحكمة ظل يحقق مع نيكولاس مادورو منذ عام 2018 دون أن يتوصل إلى أى نتيجة، وبدلا من ذلك أهدرت المحكمة مواردها فى التحقيق مع أشخاص وتوجيه اتهامات إليهم من دول تمتلك أنظمة قضائية كفء مستقلة، ولم تخضع قط لاختصاص المحكمة، ويعتبر ذلك تجاوزا صارخا للصلاحيات وانحيازا سياسيا وإنفاذا انتقائيا للقانون، فالمحكمة الجنائية الدولية ليست مؤسسة ذات مصداقية ولا مستقلة ولا تتمتع بالشرعية، وتدعو الولايات المتحدة جميع الدول الأطراف فى المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من نظام روما الأساسى».
وبررت حكومة ديلسى رودريجيز هذه الخطوة بتعرضها لما وصفته بالانحراف المنهجى والمسيس، مشيرة إلى أن الأدوات القضائية الدولية أصبحت تستخدم كسلاح چيوسياسى من قبل قوى غربية لهدم السيادة الوطنية والتدخل فى الشئون الداخلية لفنزويلا.
ويعود التصعيد الأمريكى إلى فتح المحكمة الجنائية تحقيقات رسمية حول انتهاكات وممارسات مزعومة نسبت إلى منتسبى الجيش الأمريكى وكوادر الاستخبارات فى أفغانستان، وإصدارها مذكرات توقيف ضد مسئولين إسرائيليين بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع جالانت على خلفية اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان فى فلسطين.
كما طالت العقوبات الأمريكية المدعى العام للمحكمة كريم خان والقاضى الفرنسى نيكولا جيو والقاضية البنينية رين ألابينى جانسو، والسلوڤينية بيتى هوهلر، والكندية كيمبرلى بروست وقضاة آخرين.
تعهد روبيو بحل المحكمة
ووفقا لشبكة CNN، فقد واجهت المحكمة الجنائية الدولية التى تحاكم الأفراد على جرائم دولية خطيرة، ردة فعل عنيفة من الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب قرارها بإصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خلال الحرب التى شنتها إسرائيل ضد حماس فى غزة.
كما أصدرت مذكرة اعتقال ضد مسئول حماس محمد ضيف الذى اتهمته إسرائيل بأنه أحد العقول المدبرة لهجوم 7 أكتوبر، حيث أكدت حماس الشهر الماضى أن إسرائيل قتلته فى غارة جوية العام الماضى.
كما تعهد وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية وحث الدول الأخرى على الانضمام إلى هذا المسعى، وذلك فى ظل تصعيد إدارة ترامب لحملتها ضد هذه المؤسسة الدولية.
واتهم روبيو المحكمة الجنائية الدولية بشن حرب على بلاده ليس بالرصاص أو الصواريخ بل بقوة ما يسمى بالقانون الدولى.
انتقادات فقهاء القانون
ولاقت هذه الخطوة انتقادات من فقهاء القانون ومنظمات حقوق الإنسان، الذين يرون أن تفكيك المحكمة الجنائية الدولية الدائمة الوحيدة فى العالم من شأنه أن يضعف المسائلة العالمية عن الفظائع ويقوض النظام الدولى القائم على القواعد، والذى أرسى بعد الحرب العالمية الثانية.
ورفض القادة الأوروبيون، موقف واشنطن، واصفين التهديدات الموجهة للمحكمة بأنها غير مقبولة، ومؤكدين دعمهم للمحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة قضائية مستقلة.
ووقعت الولايات المتحدة على نظام روما الأساسى لكنها لم تصادق عليه، وظلت تؤكد باستمرار على أنه لا يجب للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها القضائى على رعايا الدول غير الأطراف فى المعاهدة.
ضغوط أمريكية وإسرائيلية
ونقل مراسل موقع أكسيوس عن مسئول إسرائيلى قوله إن وزير الخارجية جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية حول العالم كثفوا خلال الأيام الأخيرة اتصالاتهم لحشد أكبر عدد ممكن من الدول للتصويت لصالح عزل كريم خان أو على الأقل الامتناع عن التصويت.
كما يأتى عزل خان فى أعقاب إعلان الولايات المتحدة أنها ستشن حملة دبلوماسية جديدة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، التى تقول إنها تشكل تهديدا لسيادتها، وكانت الولايات المتحدة التى ليست عضوا فى المحكمة قد فرضت عقوبات على 11 قاضيا ومسئولا فى الادعاء العام بالمحكمة من بينهم كريم خان على خلفية إصدار المحكمة مذكرتى اعتقال ضد رئيس الوزراء الإسرائيلى ووزير الدفاع السابق.
يقول أندرياس شولر الرئيس المشارك فى برنامج الجرائم الدولية والمسئولية القانونية فى المركز الأوروبى للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان فى برلين، إن ماركو روبيو يواصل حملة بدأت منذ أكثر من عام تتجلى فى قيام الولايات المتحدة بضغوط دبلوماسية على دول أخرى بوسائل مختلفة من أجل دفعها إلى تغيير مواقفها وأحيانا سلوكها التصويتى تجاه المحكمة الجنائية الدولية.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



