جدار غزة العازل
الاحتلال الإسرائيلى يسير عكس اتجاه السلام
تسير إسرائيل فى مسار يناقض تمامًا خطط السلام والدعوات الدولية، إذ تجمع بين بناء جدار عازل يقسم قطاع غزة ويكرس عزلة الفلسطينيين، وبين إطلاق يد المستوطنين فى الضفة الغربية لتنفيذ اعتداءات ومذابح منسقة ضد القرى والبلدات. وهذا المشهد المزدوج لا يبدو تحركًا عارضًا، بل يكشف عن استراتيجية غير معلنة لفرض أمر واقع جديد على الأرض. فبينما تسوق إسرائيل إعلاميًا لنفسها على أنها منفتحة على المبادرات الدولية، تظهر خطواتها الميدانية تحديًا صارخًا للجهود العالمية ورفضًا قاطعًا للعودة إلى حدود ما قبل 7 أكتوبر. وتتكامل هذه التحركات لتحدث تهميشًا كاملًا لحقوق أصحاب الأرض وتجاهلًا لمتطلبات العدالة الدولية، سواء فى فلسطين أو لبنان أو سوريا.
تدويل صورى واشتراطات مقيدة للقوات الدولية
فى خطوة تكشف عن تناقضات السياسة الإسرائيلية، صوت المجلس الوزارى الأمنى على السماح بدخول محدود لقوة الاستقرار الدولية إلى غزة بموجب خطة مجلس السلام، بحيث تضم نحو 200 جندى فقط من دول صديقة ودون تحديد جدول زمنى واضح لنشرها. غير أن هذه الموافقة بدت شكلية؛ إذ قررت الحكومة الإسرائيلية أن تنشر قواتها أولًا على طول حدود المنطقة الإنسانية التجريبية المزمع إنشاؤها فى رفح المدمّرة قبل أى وجود فعلى للقوة الدولية. بالتوازى مع ذلك، تمضى إسرائيل فى بناء جدار عازل يسيطر على نحو %65 من قطاع غزة، مما يرسخ واقع الاحتلال ويقوض فكرة الانسحاب الكامل. كما منح المجلس الوزارى قوات الأمن الإسرائيلية حصانة خاصة بموجب قانون الحصانات الإسرائيلى، بحيث تعمل القوة الدولية بالتنسيق الكامل مع جيش الاحتلال خارج المناطق الخاضعة لسيطرته، بينما يبقى دخول أى فرد من القوة الدولية مشروطًا بموافقة مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع. وأكد المسئولون الإسرائيليون عبر إعلامهم تمسك الجيش بالخط الأصفر الذى انسحب إليه فى أكتوبر الماضى دون إجراء أى انسحاب إضافى حتى نزع سلاح حركة حماس وتجريد غزة من السلاح بالكامل.
واشترط المجلس أن تحديد الدول المشاركة بيد إسرائيل، مما استبعد عمليًا إندونيسيا التى تعهدت بالمساهمة بنحو 8000 جندى لكونها لا تقيم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب.
جدار غزة العازل وإعادة تشكيل الجغرافيا
تسعى إسرائيل لفرض واقع جيوستراتيجى جديد بإنشاء جدار وحاجز ترابى عملاق يذكر بـ«خط برليف» داخل قطاع غزة، ليحول الخط الفاصل المؤقت إلى حدود رسمية. وفى ظل صمت القيادة المركزية الأمريكية المعنية بمراقبة وقف إطلاق النار، وغياب دور مجلس السلام الذى يرأسه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يمضى الجيش الإسرائيلى متسارعًا فى التشييد. وأظهرت صور الأقمار الصناعية تجاوز طول الجدار 23 كيلومترًا (ما يعادل نصف طول القطاع الساحلى البالغ 40 كيلومترًا)، ممتدًا عبر تجمعات سكنية جرفت بالكامل ليقتطع أكثر من %50 من مساحة غزة.
ووفق تحليل صور أقمار بلانيت لابس التى نشرتها بى بى سى، جرى تمديد شبكة الساتر الترابى جنوب غزة بأكثر من 2.4 كيلومتر (1.2 ميل) خلال أسبوعين فقط فى شهر يوليو (بعد أن كان طوله 500 متر فى 1 يوليو ووصل إلى 2.4 كيلومتر بحلول 15 يوليو)، ليفصل بين أنقاض مدينة رفح الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ومنطقة المواسى التى تضم أكبر مخيمات النازحين. وتوثق المصادر بدء العمل بهذا الجزء منذ فبراير مرارًا ببيئة قريبة من قاعدة عسكرية بنيت على أنقاض بلدة بنى سهيلة قرب خان يونس، ممتدًا إلى سواتر ترابية شمالًا خارج بلدة بيت لاهيا التى جرى تسويتها بالأرض، إلى جانب إنشاء منطقة أمنية معززة بتقنيات استخباراتية على طول الشريط الحدودي.
اعتداءات المستوطنين وحملات الاعتقال بالضفة
تسير التحركات الإسرائيلية فى الضفة الغربية فى اتجاه معاكس لفكرة السلام؛ حيث سمحت الحكومة لمئات المستوطنين بتنفيذ هجوم منظم فى قرية فلسطينية جنوب غرب نابلس يوم 25 يوليو، أحرقت خلاله المنازل ودمرت الممتلكات واعتدى على السكان بالحجارة وزجاجات المولوتوف الحارقة، مما أجبر عدة عائلات على النزوح. وتزامنت اعتداءات المستوطنين مع حملة اعتقالات موسعة نفذتها القوات الإسرائيلية، أسفرت عن اعتقال ما لا يقل عن 66 فلسطينيًا؛ شملت 30 مواطنًا من قرية تل جنوب نابلس، و4 من قرى أبوين وسنجيل والمغير ودير أبو مشعل، بالإضافة إلى 5 معتقلين فى جنين، و8 فى بلدة وقرى قرب الخليل، و3 فى بيت لحم، و5 فى طولكرم. ويعكس هذا التنسيق الميدانى بين المستوطنين والجيش استراتيجية تقوم على التوسع والقمع وتفكيك المجتمع الفلسطيني.
رفض الانسحاب وتحدى الإدارة الأمريكية
تؤكد وسائل الإعلام الإسرائيلية أن الموقف الراهن يمثل تحديًا صريحًا للجهود الدولية؛ إذ يصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على رفض أى انسحاب من غزة أو سوريا أو لبنان رغم الضغوط الأمريكية المتزايدة. وأفاد تقرير لـ القناة 13 الإسرائيلية أن نتنياهو عبر عن معارضته الشديدة لمطالب واشنطن بتنفيذ انسحابات ميدانية، معتمدًا على فرض سياسة الأمر الواقع عشية لقائه بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى واشنطن.
وتواصل إسرائيل تعزيز وجودها العسكرى فى الجنوب السورى قرب الجولان عبر إنشاء القواعد وشن الغارات المتكررة، إلى جانب فرض سيطرة كاملة على الخط الأصفر فى جنوب لبنان، وبناء الجدار العازل فى غزة، لتكرس واقعًا ميدانيًا يستهدف وضع حجر الأساس لمشروع «إسرائيل الكبرى» وتوسيع نفوذها مع تجاهل تام لمطالب العودة إلى حدود ما قبل 7 أكتوبر.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



