منذ أيام قليلة احتفلت مصر بمرور 70 عامًا على تأميم قناة السويس، وعندما يرد الحديث عن تأميم قناة السويس، التى راح ضحية حفرها أكثر من 120 ألف مصرى، تتجه الأنظار تلقائيًا إلى الرئيس جمال عبدالناصر، صاحب القرار التاريخى الذى غير وجه المنطقة وأعاد لمصر سيادتها على أهم ممر مائى فى العالم، لكن خلف هذا القرار وقف رجال لم تبحث عنهم الأضواء، يأتى فى مقدمتهم المهندس محمود يونس، الرجل الذى حوّل القرار السياسى إلى واقع عملى، واستطاع أن ينفذ واحدة من أدق العمليات الإدارية والأمنية فى التاريخ المصرى الحديث. ولشباب مصر ولمن لا يعرف السطور التالية ما هى إلا قليل من كثير عن سيرة هذا البطل المصرى العظيم.
ولد محمود يونس فى 11 أبريل من عام 1911 فى شارع الأربعين بحى السيدة زينب بالقاهرة لأسرة متوسطة الحال. والده كان يعمل موظفًا فى السكة الحديد، ألحقه والده بكتاب الشيخ محمود فى شارع العدوى بمنطقة البغالة، ثم التحق (بمدرسة محمد على الابتدائية) وحصل على شهادتها فى عام 1924، وبعدها التحق (بالمدرسة الخديوية) حيث نال الكفاءة فى 1928، ثم البكالوريا عام 1930، ونظرًا لتفوقه التحق بمدرسة الهندسة الملكية، وفى هذه المدرسة أصبح له دور وطنى كبير، مكنه من أن يصبح زعيمًا للطلبة، التى خرجت فى مظاهرات كوبرى عباس الشهيرة، وبعد معاهدة 1936 التحق يونس بمدرسة الهندسة العسكرية، وتخرج فيها فى عام 1937. ليعين مهندسًا فى الجيش المصرى، فكان ضمن أول دفعة مهندسين مصريين في الجيش المصرى بعد توقيع معاهدة 1936، وفى عام 1943 عمل فى إدارة العمليات الحربية، وحصل فى نفس العام على ماجستير العلوم العسكرية من كلية الأركان، وعين مدرسًا بها. وكان يونس زميلًا للملازم أنور السادات، كما تعرف على جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر، خلال مشاركته فى حرب فلسطين، وبالتالى نشأت بينهما صداقة وطيدة. وعندما قامت ثورة 23 يوليو، أسند إليه المكتب الفنى ورئاسة لجان جرد قصور الملك، وفى نوفمبر 1953 انتخب نقيبًا للمهندسين لدورتين متتاليتين. ثم عضو مجلس إدارة هيئة قناة السويس المنتدب عام 1956، ثم رئيسًا لمجلس إدارة هيئة قناة السويس من 10 يوليو 1957 حتى 10 أكتوبر 1965، ثم نائبًا لرئيس الوزراء لقطاع النقل والمواصلات ووزيرًا للكهرباء والتعدين عام 1968.
السطور السابقة وكما سبق أن أوضحت ليست سوى جزء يسير من سيرة رجل، وهب نفسه وعلمه لوطنه، لكنها فى نفس الوقت طرحت سؤالاً مهمًا، وهو: لماذا وقع اختيار جمال عبدالناصر على شخصه بالتحديد لتنفيذ مهمة تأميم قناة السويس التى غيرت تاريخ مصر والعالم؟ الإجابة على السؤال انحصرت فى ثلاث صفات لا رابع لهما كان يتسم بها يونس، أولها كانت الكفاءة الهندسية والإدارية العالية، وثانيها تمتعه بالخبرة العسكرية والانضباط الشديد، وآخرها كانت قدرته على حفظ السر وسرعة اتخاذ القرار فى المواقف الحرجة. لهذه الأسباب مجتمعة منحه عبدالناصر صلاحيات واسعة لتنفيذ عملية التأميم. والتى حتى قبل ساعة الصفر لم يعلم بها سوى عبدالحميد أبوبكر ومحمد عزت عادل، ورغم صعوبة المهمة، بل استحالتها، لأن الشركة كانت تدار بواسطة إدارة أجنبية، وتضم آلاف العاملين من جنسيات مختلفة، وتمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. وأى ارتباك أو توقف للملاحة كان كفيلًا بإعطاء بريطانيا وفرنسا الذريعة للتدخل الفورى، إلا أن بطلنا كان محمود يونس كان على الموعد، ففى اللحظة التى نطق فيها جمال عبدالناصر بكلمة السر (ديليسبس) فى خطابه التاريخى بالإسكندرية، وهى كانت بالمناسبة كلمة السر المتفق عليها، تحركت المجموعات التى يقودها إلى مقر الشركة فى الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، وسيطرت على الإدارة، وأبلغت المسئولين الأجانب بقرار التأميم، وتسلمت الملفات والمكاتب والمنشآت، بينما استمرت السفن فى العبور وكأن شيئًا لم يحدث، رغم انسحاب المرشدين الأجانب، وهو الأمر الذى كان من الواضح أن محمود يونس استعد لهذا اليوم جيدًا، حيث كان البديل جاهزًا ففى يوم 10 سبتمبر 1956 م تم تعيين 46 مرشدًا منهم 28 أجنبيًا من جنسيات مختلفة أغلبهم كانوا من اليونانيين والقبارصة واليوغوسلاف، وكانت تعليمات الرئيس جمال عبدالناصر بعد التأميم مباشرة، الاتصال بالدول الصديقة وطلب مساعدتها لإيفاد مرشدين للعمل فى القناة وقد سارعت هذه الدول بالفعل، وفى مقدمتها اليونان وقبرص لإيفاد الأعداد المطلوبة فى أقل من24 ساعة من طلبهم، وبالتالى لم تتعرض الملاحة لأى تعطيل، وقتها أطلق المهندس محمود يونس على يوم انسحاب المرشدين الأجانب من القناة (يوم الامتحان) والذى نجحت فيه مصر بتفوق تام.
(الطريف أنه فى عام 1975 طالب المرشدون الأجانب الذين انسحبوا عام 1956 م بالعودة للعمل ثانية بالقناة، حيث تلقت هيئة قناة السويس رسائل من عدد كبير منهم للعودة إلى العمل فى القناة، وبالفعل تم تجديد عقود بعضهم للعمل إلى جانب حوالي270 مرشدًا مصريًا، وذلك لاستئناف العمل فى القناة عند إعادة فتحها فى 5 يونيو 1975).
وبالطبع أدى قرار التأميم إلى أزمة دولية حادة بين مصر وكل من بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا ترتبطان بمصالح كبيرة فى شركة قناة السويس.
واستمرت محاولات التهديد والوعيد والسب والقذف فى حق مصر وعبدالناصر للوصول إلى تسوية، لكنها باءت جميعها بالفشل. فتمت الاستعانة بدولة الكيان الصهيونى، التى شنت هجومًا على سيناء فى 29 أكتوبر 1956، ليكون ذريعة لتدخل بريطانيا وفرنسا عسكريًا، فيما عرف فى مصر بالعدوان الثلاثى، تحت مزاعم حماية الممر الملاحى. وقتها لم تلن عزيمتنا ونجحت مصر فى التصدى لهذا العدوان، مثلما نجحت فى إدارة القناة بفضل عبقرية التنفيذ التى أتقنها يونس وفريقه، بداية من مرحلة التأميم ثم الإدارة والتشغيل، لنؤكد قدرة الدولة المصرية على إدارة القناة بعد دقائق من التأميم، ونثبت للقاصى والدانى أننا نملك كفاءات قادرة على إدارة مرفق عالمى، كان يروج لسنوات أنه لا يمكن أن يعمل إلا بعقول أجنبية بعد تمكنا من تمصير جميع إدارته.
وعلى الرغم من إنجاز محمود يونس وفريقه، ظل الرجل بعيدًا عن دائرة الشهرة التى نالها آخرون. فلم يسع يومًا إلى الأضواء، ولم يقدم نفسه بطلًا، مفضلاً ترك ما أنجزه يتحدث عنه. وربما لهذا السبب لا يعرف كثير من أبناء الأجيال الجديدة أن الرجل الذى نفذ قرار التأميم، وحافظ على استمرار الملاحة، وأنقذ مصر من فوضى كانت كفيلة بإفشال القرار، هو هذا المهندس الهادئ الذى آمن بأن خدمة الوطن تكون بالفعل لا بالكلام.
حتى ولو لم يكن فى تاريخ هذا الرجل سوى قيامه بمهمة تسلمه القناة بعد تأميمها وإدارتها بدلاً من المرشدين الأجانب لكفاه ذلك. فى واحدة من أحرج المراحل الانتقالية التى مرت بمصر.
ولهذا ولغيره كثير، فإن استعادة سيرة محمود يونس واستحضارها هذه الأيام بعد سبعين عامًا، ليست مجرد وفاء لذكرى رجل عظيم، وهب حياته وجهده وعلمه لمصر، وإنما هى مجرد تذكير بأن مصر كانت وما زالت، تزخر بأبناء قادرين على حمل أصعب المسئوليات متى أُتيحت لهم الثقة، وأن البطولات الحقيقية كثيرًا ما تصنع بعيدًا عن الأضواء، لكنها تبقى خالدة فى ذاكرة الوطن، تجسدت فى رجل لم يسع يومًا إلى صناعة أسطورة حول نفسه. ولم يكتب اسمه على لافتات، ولم يحول بطولته إلى دعاية شخصية، بل ظل يعمل فى صمت، مؤمنًا بأن أعظم الأوسمة هى أن ينجح الوطن.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



