«النينيو» يعيد خريطة المناخ فى مصر..
الزراعة والصحة والسواحل فى دائرة الخطر من يدفع فاتورة التغيرات المناخية؟
لم يعد الحديث عن التغيرات المناخية فى مصر مجرد تكهنات علمية أو تقارير تُرفع فى المؤتمرات الدولية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يلفح وجوه المصريين فى شوارع القاهرة بضربات شمس حارقة، ويهدد شواطئ الإسكندرية ودلتا مصر بالغرق نتيجة ارتفاع منسوب مياه البحر.
ومع دخول ظاهرة «النينيو» كلاعب أساسى فى رفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، باتت قطاعات الزراعة، والصحة، والمياه فى قلب العاصفة. وفى هذا التحقيق، نستعرض أبرز مظاهر هذا التحول المناخى، وكيف تسعى مصر عبر الشراكات الدولية والابتكار التكنولوجى إلى التكيف مع هذا الواقع الجديد.
«النينيو» والموجات الحارة.. تهديد مباشر للصحة والإنتاجية
بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تُعد ظاهرة «النينيو» المحرك الأول لموجات الحر غير المسبوقة التى شهدتها مصر مؤخرًا. ولم يتوقف هذا الارتفاع عند حدود الشعور بعدم الراحة، بل امتد ليُشكل تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان؛ حيث تزايدت حالات الإجهاد الحرارى وضربات الشمس، خاصة بين العمال والمزارعين الذين يقضون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس المباشرة.
كما تمتد آثار الحرارة المرتفعة لتشمل:
- زيادة معدلات استهلاك المياه والطاقة.
- انخفاض إنتاجية العمال وتعطل بعض الأنشطة الخارجية (خاصة فى قطاعى البناء والزراعة).
ورغم هذه التحديات، حققت مصر طفرة كبيرة فى مؤشر تغير المناخ (أحد المؤشرات الفرعية لمؤشر الأداء البيئي)؛ حيث تقدمت إلى المركز 103 عام 2024 صعودًا من المركز 139 عام 2022، من بين 180 دولة يغطيها المؤشر.
قطاعا الزراعة والمياه.. الهشاشة الأكبر وتكلفة «عدم التحرك»
يؤكد الدكتور عاصم عبد المنعم أحمد، أستاذ اقتصاديات المناخ الزراعى بمركز معلومات تغير المناخ والطاقة المتجددة (مركز البحوث الزراعية)، أن القطاعات الأكثر هشاشة فى مصر هى المرتبطة مباشرة بالبيئة، وعلى رأسها الزراعة والموارد المائية، ممتدة إلى الصحة والسياحة والطاقة.
وأوضح عبد المنعم أن القطاع الزراعى (النباتى والحيوانى والسمكي) يتأثر بعدة عوامل:
- تراجع الإنتاجية: تأثر إنتاجية الفدان بالارتفاع الكبير فى درجات الحرارة وموجات الطقس المتطرف.
- تملح التربة: تداخل المياه المالحة مع المياه الجوفية فى شمال الدلتا نتيجة ارتفاع منسوب البحر، مما يؤدى لتآكل الرقعة الزراعية الأكثر خصوبة.
- الآفات واستهلاك المياه: تغير دورات حياة الحشرات والآفات الزراعية، إلى جانب زيادة معدلات البخر والنتح، مما يرفع الاحتياجات المائية للرى ويضغط على إمدادات نهر النيل.
د. عاصم عبد المنعم: «تكلفة الوقاية – سواء بالتكيف أو التخفيف – أقل بكثير من تكلفة معالجة الأضرار الناجمة عن التغيرات المناخية، وهى ما يُعرف بـ «تكلفة عدم التحرك» (Cost of Inaction). وتشير تقديرات مبادرة سياسات المناخ (CPI) لعام 2024 إلى أن التكاليف الاجتماعية والاقتصادية الإجمالية ستصل إلى 1.3 تريليون دولار إذا استمرت سيناريوهات العمل كالمعتاد دون تدخل حاسم».
وعن توزيع أعباء تراجع الإنتاج الزراعى، أشار عبد المنعم إلى أنها مسئولية مشتركة:
- المزارع: يتحمل نفقات إضافية على الأسمدة، المبيدات، التقاوى المعمدة، وزيادة تكاليف الري.
- المستهلك: يدفع ثمن التضخم وارتفاع الأسعار، وقد يحصل على منتجات ذات جودة أقل بسبب الإجهاد الحرارى للثمار.
- الدولة: تتكبد أعباء الدعم والرقابة وتراجع الناتج المحلي.
السواحل والدلتا تحت الضغط.. خطر الغرق والسيول
تصنف التقارير الوطنية والدولية المحافظات الساحلية المطلة على البحر المتوسط (الإسكندرية، البحيرة، كفر الشيخ، دمياط، بورسعيد) كأكثر المناطق هشاشة فى مصر نتيجة خطرين متلازمين: ارتفاع منسوب سطح البحر وتملّح التربة.
فى المقابل، تواجه محافظتا جنوب سيناء والبحر الأحمر مخاطر السيول الجبلية الجارفة التى تدمر البنية التحتية، فضلًا عن تضرر الشعاب المرجانية بزيادة حرارة المياه وحمضيتها.
أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون بالمعهد القومى لعلوم المحيطات وكلية العلوم بجامعة الإسكندرية (حول التغيرات الزمنية لدرجات الحرارة بالبحر المتوسط 1982-2023) أن حوض شرق المتوسط يمر بمعدلات احترار مرتفعة. ويؤدى هذا الارتفاع إلى زيادة التبخر وبخار الماء فى الغلاف الجوى، مما يرفع فرص تشكل السحب الرعدية والأمطار الغزيرة فى غير مواسمها، ويضع البنية التحتية وشبكات التصريف أمام اختبارات صعبة.
ولمواجهة هذه المخاطر، أطلقت الدولة مشروع «تعزيز التكيف مع تغير المناخ فى دلتا نهر النيل والساحل الشمالي» بالتعاون مع البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة (UNDP)، لحماية 69 كيلومترًا من السواحل فى 5 محافظات حيوية باستعمال الحواجز والألسنة البحرية والرءوس الحجرية.
التداعيات الاقتصادية وخطر النزوح المناخي
يرى الدكتور حسام علام، مدير برنامج النمو المستدام بـ «مركز البيئة والتنمية للمنطقة العربية وأوروبا» (CEDARE)، أن التغير المناخى يمتد لأبعد من الزراعة ليطال قطاع السياحة البحرية فى البحر الأحمر نتيجة تغير حموضة المياه وتأثر الشعاب المرجانية.
وحذر علام من التبعات المجتمعية فى الدلتا:
د. حسام علام: «هناك ما لا يقل عن 3 ملايين مواطن فى دلتا النيل مهددون بفقدان منازلهم وموارد رزقهم، مما يدفع نحو النزوح الداخلى أو الهجرة المناخية. وهذه الأزمة الممتدة منذ الثمانينيات تضع أعباءً مضاعفة على الدولة وتعطل جهود التنمية».
وعن صندوق الخسائر والأضرار المُقر فى مؤتمر (COP27)، أوضح علام أن انتظار التعويضات المناخية الدولية يظل فى إطار المناقشات النظرية بسبب الصراعات المسلحة وأزمات الطاقة التى تستنزف الدول الصناعية، مشددًا على أن الحل الأجدى هو التركيز على دعم جهود التكيف الوطنية المباشرة.
فاتورة الصحة.. كيف يُغذى المناخ انتشار الأمراض؟
توضح الدكتورة سامية جلال سعد، أستاذ صحة البيئة بالمعهد العالى للصحة العامة ومستشار برامج الأمم المتحدة، أن الأدلة العلمية تؤكد دور تغير المناخ فى تسريع طفرات الفيروسات والبكتيريا، وزيادة مقاومتها للمضادات الحيوية، واضطراب التوازن الميكروبي.
وأبرزت الدكتورة سامية التأثيرات الصحية فى المحاور التالية:
- الأمراض المنقولة بالحشرات: يُعد البعوض الناقل الأكثر تأثرًا بالحرارة؛ إذ تتسرع دورة حياته ويتكاثر داخل الفيروسات (مثل زيكا، حمى الضنك، الملاريا، والشيكونغونيا)، مع اتساع نطاقه الجغرافى نحو مناطق جديدة فى شمال أفريقيا وأوروبا.
- أمراض الجهاز التنفسي: تزيد الموجات الحارة والعواصف الترابية من معدلات الربو، والانسداد الرئوى المزمن، وتدهور المناعة التنفسية.
- أمراض المياه: تزيد الفيضانات والجفاف من انتشار الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا.
واختتمت بالإشارة إلى الفئات الأكثر هشاشة صحيًا: الأطفال، كبار السن، أصحاب الأمراض المزمنة، الفئات منخفضة الدخل، والنازحون مناخيًا.
نحو مستقبل مستدام
يبقى التحدى الأكبر أمام مصر هو تحويل هذه الأزمة البيئية إلى فرصة للابتكار؛ عبر التوسع فى إعادة تدوير مياه الصرف، وتبنى تقنيات الزراعة الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعى، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، لضمان حماية صحة المواطن وتأمين الأمن الغذائى للأجيال القادمة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



