الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بتوجيهات رئاسية.. رقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون:

مهمة إنقاذ ذاكرة «ماسبيرو»

بوابة روز اليوسف

بعد سنوات طويلة ظل فيها تراث الإذاعة والتليفزيون مهددا بالتلف والتآكل والضياع، جاء (مشروع رقمنة تراث ماسبيرو) ليعيد الأمل فى إنقاذ ذاكرة مصر السمعية والبصرية، والتى توثق للتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التى عاشتها مصر على مدى سنوات طويلة.


الحقيقة أن (مشروع رقمنة تراث ماسبيرو) لا يقتصر فقط على نقل ملايين الساعات من المواد الإعلامية إلى وسيط رقمى حديث، لكنه يمثل محاولة جادة لإنقاذ تاريخ وطن كاد أن يبتلعه الزمن، فتسجيلات «عبد الحليم حافظ وأم كلثوم»، وخطب «جمال عبد الناصر وأنور السادات» والمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية، وفوازير رمضان، واللقاءات النادرة مع كبار الأدباء والمفكرين والفنانين هى فى حد ذاتها وثائق مرئية ومسموعة تؤرخ لوجدان المصريين.
 


ولعل التجربة التى قدمتها قناة (ماسبيرو زمان) خلال السنوات الماضية كانت دليلا عمليا على القيمة الحقيقية لهذا التراث، فعلى الرغم من أن القناة لم تكن تملك سوى نافذة محدودة تطل منها على أرشيف ماسبيرو، فإنها نجحت فى استعادة اهتمام قطاع كبير من الجمهور، الذى وجد نفسه يعود لمتابعة برامج ومسلسلات وفوازير وحفلات ظن أنها اختفت إلى الأبد.
 


وإذا كان ما يعُرض عبر (ماسبيرو زمان) قد نجح فى إعادة اكتشاف جزء من هذا الإرث، فإن (مشروع الرقمنة) يفتح الباب أمام استعادة الأرشيف كاملا، وبالتالى استعادة ماسبيرو لجمهوره، خصوصا إذا ارتبطت الرقمنة بخطة حقيقية للإتاحة والتسويق عبر المنصات الرقمية المختلفة.
 


وإذا كانت محاولات الرقمنة السابقة قد تعثرت لأسباب إدارية ومالية وتقنية، فإن توجيهات الرئيس «عبدالفتاح السيسي» بسرعة إتمام هذه المهمة، بحيث ألا تتجاوز مدة تنفيذه عامين ما هى إلا دليل عملى على ما يحمله هذا المشروع من بعد استراتيجى يتعلق بمكانة مصر الإعلامية، فالتليفزيون المصرى، بوصفه أول تليفزيون رسمى فى العالم العربى، والإذاعة المصرية، التى تقترب من إتمام مئويتها الأولى، يمتلكان أرشيفا لا ينافسه أى أرشيف إعلامى عربى من حيث الحجم أو التنوع أو القيمة التاريخية، والحفاظ على هذا الإرث هو فى الوقت نفسه حفاظ على ريادة مصر الإعلامية والثقافية.
 


والحقيقة أن أهمية هذا المشروع لا تتوقف عند البعد الثقافى أو الوطنى فقط، خاصة أن البعد الاقتصادى لا يقل أهمية، حيث يمكن استثمار هذا الأرشيف عبر المنصات الرقمية، وإعادة عرض الأعمال، وترخيص استخدامها، وإنتاج محتوى جديد يعتمد عليها بدلا من أن تترك فريسة للقرصنة التى لا تدر دخلا إلا على مرتكبيها.
 


وفى هذا السياق، جاء المؤتمر الذى عقدته الهيئة الوطنية للإعلام يوم الثلاثاء الماضى للإعلان عن تفاصيل المشروع، واستعراض ما تحقق من مراحل التنفيذ، ولم يقتصر الإعلان على الكلمات التى ألقاها المتحدثون، بل استهل المؤتمر بعرض الفيلم الوثائقى (ماسبيرو.. ذاكرة وطن) الذى كتبه الكاتب الصحفى «أحمد الدريني» مسئول الوثائقيات فى الهيئة الوطنية للإعلام، ووثّق من خلاله رحلة إنقاذ الأرشيف، والمراحل التنفيذية التى قطعتها فرق العمل الفنية داخل مكتبات التليفزيون، والتعاون مع شركات عالمية من أجل إتمام المشروع باعتباره أحد أكبر مشروعات الحفاظ على التراث الإعلامى فى المنطقة.
 


ولم يكن تشبيه المهندس «خالد عبد العزيز» رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، للمشروع بمشروعات ترميم الآثار المصرية مجرد تعبير بلاغى، بل يعكس فلسفة مختلفة فى النظر إلى الإعلام. فكما تحافظ الدولة على معابدها ومتاحفها باعتبارها جزءا من هويتها الحضارية، فإن تراث الإذاعة والتليفزيون يستحق الحماية بالقدر نفسه.
 


أما الرسالة التى حملتها كلمة الكاتب «أحمد المسلماني» رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، فتمثلت فى أن المشروع يمثل نقطة تحول فى تاريخ الإعلام المصرى، بعد سنوات طويلة من التعثر، فبحسب ما أعلنه، فإن التوجيه الرئاسى منح المشروع انطلاقة غير مسبوقة، لينتقل من مرحلة الطرح إلى التنفيذ، ضمن استراتيجية لا تقتصر على نقل الأشرطة إلى وسائط حديثة، بل تعتمد أيضا على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعى فى الفهرسة والتصنيف، وتطوير البنية التكنولوجية للمحتوى الإعلامى.
 


ويبقى الرهان الحقيقى بعد انتهاء المشروع.. هل ينجح القائمون عليه فى تحويل هذا الأرشيف.. إلى منصة حية يتفاعل معها الجمهور، أم يظل مجرد كنز محفوظ فى ذاكرة رقمية؟

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط