الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

ما هو الحل لكى لا تتكرر واقعة اللاعب الناشئ مكارى التى تحقق النيابة فى حقيقة استبعاده من قبل أحد مدربين نادى الاتحاد السكندرى لأسباب دينية؟. الواقع يقول إنها تكررت وستتكرر ليس فى ملاعب الكرة فقط ولكن فى مجالات كثيرة، وأذكر أن البابا الراحل المتنيح شنودة الثالث كان يتندر بقصة طالب بكلية طب اسم جده «بطارس» وكان يؤدى «امتحان شفوى»، فقال له الدكتور الممتحن: «بطرس واحد باسقطه عايزنى أنجح بطارس»، وهى واقعة تروى بأسماء مختلفة وفى جامعات مختلفة، منها طالب اسمه حنين فيقال له «حنا واحد باسقطه اعمل إيه فى حنين». الوقائع لا تقتصر على كليات الطب ولا على الجامعات فقط فهناك شكاوى متعددة سمعناها على مدى سنوات طويلة عن استبعاد من مناصب ووظائف لأسباب طائفية. واقعة مكارى وصلت إلى النيابة بعد تحقيق أجرته وزارة الشباب والرياضة، ونتيجة لنشر والدة اللاعب الواقعة فى وسائل التواصل الاجتماعى وتفاعُل عدد كبير من المسيحيين والمسلمين معها، ولكن ماذا عن الوقائع المماثلة؟، وكيف نصل بها إلى التحقيق ومحاكمة من يثبت ارتكابه فعل التمييز؟. لا يكفى أن نعتمد فقط على ما ينشر فى وسائل التواصل الاجتماعى فقد تكون الوقائع صحيحة أو غير دقيقة، ولهذا يجب أن نجد آلية واضحة ومؤسسة مختصة ومتخصصة لتعقب مثل هذه الوقائع ولمواجهة هذه الجريمة.أعتقد أنه آن الأوان لإنشاء مفوضية القضاء على التمييز وهو استحقاق دستورى لم ينفذ رغم مرور 12 عامًا على صدور الدستور، حيث تنص المادة 53 منه على «المواطنون لدى القانون سواء وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعى أو الانتماء السياسى أو الجغرافى أو لأى سبب آخر، والتمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض». من المؤكد أن التصدى للتمييز بكل أنواعه يتطلب وجود جهة تتلقى الشكاوى وتحقق فى الوقائع وتتأكد من جديتها وصحتها قبل تحويلها إلى النيابة، ومن هنا تأتى أهمية إنشاء هذه المفوضية التى يجب أن يكون من صلاحياتها ليس فقط تَلقّى الشكاوَى ومتابعة البلاغات والتحقيقات ولكن أيضا التفتيش على الجهات والمؤسّسات المشكو فى حقها، وإلزام مؤسسات الدولة بالتعاون معها، والالتزام بحماية الشهود والمبلغين، ويكون من حقها إنشاء وحدات لرصد مظاهر التمييز فى كل المؤسسات الحكومية والخاصة وفى الشارع، وعليها كذلك وضع خطة ممنهجة لتغيير ثقافة المجتمع وترسيخ قيم المساواة والعدالة وعدم التمييز خاصة فى التعليم والخطاب الدينى والإعلام بكل أنواعه، ومواجهة خطابات الكراهية والإقصاء والحض على التمييز على صفحات التواصل الاجتماعى. على أن يكون لها فروع فى المحافظات لتسهيل تلقى الشكاوى والتحقق منها. قانون إنشاء المفوضية يجب أن يتضمن أيضًا تمتعها بالاستقلال المهنى والمالى، وأن يتم اختيار أعضائها من المحامين والقضاة السابقين والشخصيات العامة المهتمة بحقوق الإنسان والفاعلين فى المجتمع المدنى، ويراعى فيه التمثيل المتوازن لمختلف مكونات الدولة الدينية والنوعية والعرقية والاجتماعية.
 


من المهم طرح مشروع إنشاء المفوضية  للنقاش المجتمعى للوصول إلى أفضل صيغة تمكّنها من القيام بدورها. لقد كتبتُ أكثرَ من مَرّة عن أهمية هذه المفوضية فى تقليل الاحتقان فى المجتمع؛خاصة لدى أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة والمرأة والأقباط الذين يشعرون بالتهميش ويعتقدون أنهم لن يحصلوا على حقوقهم؛لأنه ليس لديهم واسطة، أو لأن هناك من يرفضهم كمسيحيين، وهو شعور سلبى ينعكس على المواطن ويجعله عرضة لليأس وفقدان الأمل ويقلل من الانتماء. وجود هذه المنظمة يقضى على هذا الإحساس سواء كان صادقًا أو مبالغًا فيه لأنها ستتحقق من وجود تمييز من عدمه وتعيد الحق لأصحابه. واقعة اللاعب الناشئ فرصة لكى يتحمس مجلس النواب ويقوم بدوره فى تفعيل مواد الدستور وإصدار قانون إنشاء المفوضية التى يساهم وجودها بفاعلية فى تطبيق قواعد المواطنة التى أقرّها الدستور فى المادة التاسعة ونصت على: «تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز».

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط