انحرافات شخصية .. بعد ارتكاب جرائم ضد الآباء والأمهات
أبناء قتـــلة
«ولاتنهرهما» أمر إلهى باحترام الوالدين، لكن هناك من قست قلوبهم وشوهوا الفطرة، وتجردوا من الإنسانية فقتلوا من أمر االله ببرهم ومن تعبوا فى تربيتهم، ففى محافظة الإسكندرية قامت محامية معروفة بقتل أمها المسنة، وقطعت جسدها لإخفاء معالم الجريمة.. وتعود خلفية الواقعة إلى بلاغ أمنى، أفاد بوجود رائحة كريهة وانبعاثات مشبوهة من إحدى الشقق السكنية بالمحافظة، لتنتقل الأجهزة الأمنية وفرق التحقيق إلى موقع الحادث وتكتشف العثور على جثة المسنة مقطعة إلى أشلاء، وسط مؤشرات جنائية أولية كشفت عن تورط ابنتها المحامية فى الجريمة بعد الخلاف على تفاصيل أسرية وضغوط نفسية متراكمة.
لم تكن جريمة الإسكندرية الأولى من نوعها، لكن شهدت الفترة الأخيرة صعود مثل هذه الجرائم البشعة على صفحات الجرائد، ومنها فى يناير2026، أب قتل أبناءه الأربعة وألقى بجثثهم فى ملاحات بالإسكندرية، بينما قتل ابن وأمه والده فى الجيزة، بهون حديدى مهشمين رأسه بذريعة خلافات أسرية متراكمة وسوء معاملة، وفى المنيا شهدت جريمة نكراء عندما أنهى ابن حياة والدته ودفنها فى أرضها الزراعية.
وأعادت هذه الجرائم إلى الواجهة التساؤلات حول الجرائم الأسرية ذات الطابع العنيف، خاصة عندما تقع بين أقرب المقربين، وما قد يقف وراء مثل هذه الوقائع من دوافع نفسية أو اجتماعية معقدة.
الجريمة الأسرية والاضطرابات النفسية
ترى الدكتورة هالة منصور أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن جرائم العنف داخل الأسرة ليست جديدة، لكنها تشهد ارتفاعًا فى عدد الحالات أو نسبتها، مؤكدة أن هذا النوع من الجرائم يرتبط فى الأساس بظروف نفسية غير سوية.
وأضافت منصور فى تصريحاتها لـ« روزاليوسف»، إن الأسرة وفقًا للفطرة الإنسانية، تُمثل مساحة للحب والأمان والدفء الاجتماعى، ويجمع أفرادها تاريخ من العلاقات الإيجابية، لذلك فإن الخروج عن هذا الإطار وارتكاب جريمة داخل الأسرة يُشير إلى وجود تأثير نفسى سلبى على الجانى، موضحة أن هذا التأثير قد يكون لحظيًا نتيجة انفعال شديد يفقد الشخص قدرته على التحكم فى نفسه، وقد يكون نتيجة تراكمات نفسية وضغوط وعُقد ممتدة عبر سنوات تنفجر فى لحظة معينة وتتحول إلى جريمة، وبشكل عام، لا تقع الجريمة الأسرية فى حالة السواء النفسى، ولا فى ظل تربية اجتماعية سليمة.
وأكدت منصور، أن كثيرًا من أخطاء التربية تسهم فى تكوين مشكلات نفسية، سواء من خلال الإفراط فى التدليل أو المبالغة فى القسوة، أو التعرض لتجارب سلبية تترك آثارًا عميقة فى الشخصية، مشيرة إلى أن تراكم هذه الخبرات قد يؤدى إلى ضعف قدرة الفرد على التعامل المنضبط مع المواقف والمشكلات الأسرية العادية، خاصة أن الجريمة الأسرية ترتبط غالبًا بحالة نفسية سيئة، سواء بسبب تراكمات وعُقد نفسية، أو نتيجة الإدمان ومشكلاته، بما قد يؤثر فى وعى الشخص وإدراكه فى لحظات معينة.
وحول تراكم الصراعات الأسرية غير المحلولة فى الوصول إلى العنف القاتل، أوضحت أن الأمر لا يمكن قياسه بنسبة محددة، وإنما يرتبط بدرجة احتمال الشخص وطبيعة التراكمات النفسية التى يحملها، والتى قد تدفعه إلى تفسير الأحداث بصورة غير واقعية، وهو ما ينعكس فى سلوك غير سوى.
ليس كل عنف أسرى ينتهى بجريمة
وأضافت: إن هذا السلوك قد يقتصر على العنف داخل الأسرة، وقد يتطور إلى جريمة، معتبرة أن الجريمة تمثل «أقصى درجات العنف التى خرجت عن السيطرة.»
وشددت على أن ليس كل عنف أسرى ينتهى بجريمة، موضحة أن بعض الأسر تمارس العنف بصورة يومية، من خلال الضرب أو القسوة أو غيرها من صور الإساءة، إلا أن ذلك لا يعنى بالضرورة تطوره إلى القتل، لأن كل شخص يتعامل مع هذه الخبرات ويفسرها بطريقة مختلفة.
السوشيال ميديا وتضخيم الحوادث
وردا على سؤال «روزاليوسف» عن خطورة الرسائل الخاطئة التى قد يكرسها تناول الإعلام والسوشيال ميديا لمثل هذه الجرائم وكأنها ظاهرة ضخمة، أكدت منصور أن جرائم الأسرة ليست وليدة اليوم، وإنما كانت موجودة فى السابق، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعى جعلت انتشارها أكبر، موضحة أن للسوشيال ميديا تأثيرين رئيسيين؛ الأول هو سرعة نشر الخبر، والثانى هو تضخيم التفاصيل وإضافة معلومات قد لا تكون صحيحة، علاوة على أن كثيرًا مما يتم تداوله حول القضايا لا يرقى لمستوى المعلومات الموثقة، وإنما يظل مجرد بيانات أو روايات غير مؤكدة.
وأضافت: إن تضخم التعليقات والتفسيرات يحول الواقعة إلى ما يشبه «كرة الثلج»، حيث يضيف كل شخص تفاصيل أو آراء قد لا تستند إلى حقائق.
واستطردت: «من أخطر آثار وسائل التواصل الاجتماعى أنها قد تدفع بعض أصحاب الميول الإجرامية أو النزعات العنيفة إلى تقليد الجرائم، عندما يشعرون بأن غيرهم ارتكب الفعل نفسه، وهو يفسر أحيانًا تكرار وقائع متشابهة بعد انتشار قضية معينة، نتيجة دخول عنصر التقليد».
وأضافت: إن بعض الأعمال الدرامية، عندما تبالغ فى عرض تفاصيل الجرائم، قد تتحول إلى ما يشبه «مركز تدريب» على ارتكابها، من خلال تقديم تفاصيل التنفيذ أو إخفاء الأدلة.
أزمة ثقافية
ومن جانبه قال الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى: إن مصر تمر بأزمة ثقافية حادة، انعكست على سلوكيات الأفراد والعلاقات الاجتماعية، موضحًا أن من أبرز مظاهرها وجود ازدواجية بين المظهر والسلوك.
وأضاف فرويز فى حديثه لـ «روزاليوسف»: «نرى أشخاصًا يتحدثون كثيرًا عن الدين ويلتزمون بالمظهر الدينى، لكن سلوكهم قد يناقض ذلك، فقد نجد امرأة منقبة تخطف طفلًا أو تعتدى عليه أو تسرقه، أو امرأة محجبة ترتكب سلوكيات غير أخلاقية، والأمر لا يرتبط بدين بعينه، سواء كان الشخص مسلمًا أو مسيحيًا».
وأشار إلى أن المجتمع يشهد أيضًا تراجعًا فى العلاقات الاجتماعية، سواء داخل الأسرة أو خارجها، قائلًا: «هناك تدهور فى العلاقات بين الزوجين، وبين الإخوة، وأبناء العمومة والأقارب، وحتى العلاقات بين الجيران لم تعد كما كانت».
وأوضح أن المجتمع يشهد تراجعًا واضحًا فى منظومة القيم، لافتًا إلى أن قيمة الإنسان وحياته لم تعد تحظى بالمكانة نفسها التى كانت عليها فى السابق، مفسرًا أن هذا التراجع يعود إلى الانهيار الثقافى، وأن تكرار تداول أخبار الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعى والأعمال الدرامية والبرامج التليفزيونية يُسهم فى تكوين ما وصفه بـ«الخلفية الذهنية» لدى البعض، وهو ما قد يجعل الجريمة تبدو أمرًا معتادًا، ويدفع بعض الأشخاص إلى تقليدها عند تعرضهم لظروف مشابهة.
الإدمان والمخدرات المستحدثة
وأشار استشارى الطب النفسى، إلى ارتفاع معدلات اضطرابات الشخصية عالميًا، قائلًا: «وفقًا لأحدث تقرير صادر عن معهد واشنطن للبحوث فى يونيو 2026، تجاوز عدد المصابين باضطرابات شخصية حول العالم 1.2 مليار شخص، بما يعادل نحو ربع سكان العالم».
وأضاف: إن خطورة اضطرابات الشخصية تكمن فى أن المصاب بها غالبًا لا يتقبل العلاج، ويواصل حياته بين الناس، على عكس كثير من المرضى النفسيين الذين يستجيبون للعلاج الدوائى.
وعن دور الإدمان أو تعاطى المخدرات فى زيادة احتمالات السلوك العنيف داخل الأسرة، أكد فرويز، وجود علاقة بين الإدمان وزيادة احتمالات السلوك العنيف، موضحًا أن أصحاب بعض اضطرابات الشخصية، مثل الشخصية السيكوباتية والحدية والعصابية والسلبية الاعتمادية، يكونون أكثر عرضة للاتجاه إلى تعاطى المخدرات.
وأضاف: إن المخدرات المستحدثة مثل الفودو والشابو والكريستال والآيس والاستروكس، قد تؤدى إلى ظهور أفكار اضطهادية وضلالات تجاه الشريك أو أفراد الأسرة، وهو ما قد يدفع المتعاطى إلى تكوين شكوك وظنون تصل إلى حد اليقين، مثل الاعتقاد بتعرضه للخيانة أو السحر، الأمر الذى يزيد من احتمالات ارتكاب أعمال عنف.
دوافع الجرائم الأسرية
وردًا على سؤال دوافع ارتكاب الجرائم الأسرية مثل قتل الأب أو أحد أفراد الأسرة، قال: إنها قد ترتبط فى بعض الحالات بالإدمان، فالمتعاطى قد يعتقد أن أسرته تحاول نقله قسرًا إلى مصحة للعلاج، فيحمل سلاحًا أبيض للدفاع عن نفسه، ويكون الضحية فى النهاية هو الشخص الذى يواجهه.
وأضاف: إنه فى الحالات التى لا يرتبط فيها ارتكاب الجريمة بالإدمان أو بوجود مرض نفسى ظاهر، فقد يكون السبب ما وصفه بـ«اكتئاب الفقدان» أو «الاكتئاب المستتر» الناتج عن ضغوط وصدمات نفسية لم تُعالج من خلال جلسات تفريغ نفسى، وهو ما قد يجعل الشخص فى حالة استثارة مستمرة تنفجر عند التعرض لأى موقف ضاغط.
فهم الدوافع
وشدد فرويز على ضرورة التفرقة بين تفسير الدوافع النفسية والاجتماعية للجريمة وبين تبريرها، مؤكدًا أن دراسة هذه الظواهر تهدف إلى فهم أسباب السلوك المنحرف للحد منه والوقاية منه، وليس إلى تبرير الجرائم أو إعفاء مرتكبيها من المسئولية.
وقال: «نحن نتحدث عن تأصيل السلوك المنحرف وفهم أسبابه، وليس تبرير السلوك المنحرف».
المرض النفسى والعنف
واستعرض استشارى الطب النفسى العلاقة بين بعض الاضطرابات النفسية والسلوك العنيف، مؤكدًا أن هناك أمراضًا نفسية قد يصاحبها سلوك عنيف فى بعض الحالات، من بينها الاكتئاب، والوسواس القهرى، والفصام، والاضطراب الوجدانى.
وأكد فى الوقت نفسه أن عدم تلقى العلاج هو العامل الذى يزيد من خطورة الحالة، موضحًا أن مريض الوسواس القهرى إذا تلقى العلاج المناسب مبكرًا فلن يصل إلى مراحل متقدمة قد تدفعه إلى إيذاء الآخرين.
الأطفال ضحايا الصراع الأسرى
فى مثل هذه القضايا، كثيرًا ما ينشغل الرأى العام بالجانى والضحية، بينما يختفى الأطفال من المشهد، مع تجاهل تام لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية، يُفسر لـ «روز اليوسف» المحامى والناشط الحقوقى فى مجال حقوق الطفل، علاء الراعى خطورة هذا التجاهل، قائلًا: «إن الأطفال يتعرضون فى الوقت الراهن لانتهاكات متعددة، مشيرًا إلى أن مجرد سماع الطفل عن جريمة قتل داخل الأسرة قد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا لديه، لأنه قد يتخيل إمكانية حدوث الأمر داخل أسرته.
وأضاف الراعى: إن الطفل الذى يعيش داخل أسرة تنتهى بوقوع جريمة قتل يكون قد مر غالبًا، بفترة طويلة من الصراع الأسرى وعدم الاستقرار، موضحًا أن الجريمة تمثل فى هذه الحالات النتيجة النهائية لمسار ممتد من الأزمات.
وأكد: إن هؤلاء الأطفال يُعدون وفقًا لقانون الطفل 126 لسنة 2008، من الأطفال المعرضين للخطر، لأن أمنهم واستقرارهم وكل تفاصيل حياتهم تصبح مهددة داخل هذه البيئة غير الآمنة.
وأوضح الراعى أن آثار هذه الصدمات قد تنعكس على سلوك الطفل بصورة متطرفة، إذ قد يميل إلى الانطواء المرضى، أو على النقيض يتجه إلى سلوك عدوانى غير مبرر.
وأضاف: إن الطفل قد ينسحب من المجتمع هربًا من نظرات الآخرين والوصم الاجتماعى، أو يحاول مواجهة المجتمع بعنف حتى لا يبدو ضعيفًا، وهو ما يجعله يعيش بين طرفين متناقضين، إما الانسحاب الكامل أو العنف المفرط.
التناول الإعلامى والوصم الاجتماعى
وانتقد الراعى طريقة تناول بعض وسائل الإعلام لهذه الجرائم، معتبرًا أن عرض تفاصيلها الدقيقة دون ضوابط قد يترك آثارًا سلبية على الأطفال، مشيرًا إلى عدم خضوع الأخبار لتصنيفات عمرية كما هو الحال فى بعض الأعمال الفنية، وهو ما يجعل الأطفال يطلعون على جميع التفاصيل دون وجود أى حماية أو تنبيه يتناسب مع أعمارهم.
ما الحل
وشددت أستاذة علم الاجتماع هالة منصور، على أن مواجهة هذه الجرائم تبدأ بالتربية السليمة والاهتمام بالأبناء، إلى جانب دور علماء النفس والاجتماع والسلوك فى دراسة أسبابها ونتائجها، مشددة على دور مؤسسات المجتمع، بما فيها الإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية والاجتماعية، فى نشر الوعى بأساليب التربية الصحيحة، وتعزيز مهارات التعامل مع المشكلات.
وأكد الدكتور جمال فرويز استشارى الطب النفسى أهمية رفع مستوى الوعى وتحسين الثقافة لأنهم يمثلان أهم العوامل الوقائية للحد من تصاعد الصراعات والعنف.
وفى ختام حديثه، أكد فرويز أن للإعلام دورًا محوريًا فى رفع وعى المجتمع، من خلال تعريف المواطنين بطبيعة الاضطرابات والأمراض النفسية، والعلامات المبكرة التى تستوجب التوجه إلى الطبيب النفسى، وأهمية الالتزام بالعلاج.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



