فرنسا تعزز الحدود وألمانيا تضغط على المغرب.. كيف يرى الاتحاد الأوروبي أزمة المهاجرين في سبتة؟
أثارت أزمة تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين القادمين من المغرب نحو مدينة سبتة الإسبانية، موجة غضب في أوروبا، فلم تعد الأزمة محصورة في بعدها المحلي، بل تحولت بسرعة إلى قضية أوروبية شائكة، وسط دعوات لتشديد الإجراءات الحدودية وتلويحات بإجراءات استثنائية قد تمس أحد أهم أركان الاتحاد الأوروبي، فضاء شنجن
وقالت صحيفة "لوموند" الفرنسية، إن الارتفاع المتواصل في أعداد المهاجرين الذين دخلوا بشكل غير قانوني إلى سبتة يوم الجمعة قد أدي إلي تصعيد سياسي واسع داخل أوروبا.
وأشارت الصحيفة الفرنسية، إلى أن الدول الأوروبية الكبرى بدأت في اتخاذ مواقف واضحة تعكس القلق من تداعيات هذه الأزمة على أمن الحدود المشتركة.
وطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من وزير الداخلية لوران نونييز "تعزيز الرقابة على الحدود مع إسبانيا، وفقاً لمصادر مقربة من الإليزيه.
كما أكد ماكرون، أن فرنسا "مستعدة لتقديم كل الدعم اللازم للسلطات الإسبانية"، خصوصًا عبر وكالة "فرونتكس" الأوروبية المكلفة بحماية الحدود.
من جانبه، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس السلطات المغربية إلى "استعادة المهاجرين الموجودين في وضع غير قانوني بشكل فوري"، في أعقاب تدفق عشرات الآلاف نحو سبتة.
في موقف أكثر تشددًا، دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى اتخاذ "إجراءات استثنائية"، من بينها تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا، معتبرة أن الوضع يستدعي ردًا أوروبيًا حازمًا.
بدوره، وصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس هذه الدعوات بأنها "شعبوية"
حظيت الدعوة الإيطالية بدعم وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتاينن، التي صرحت بأن "الدول التي لا تحمي حدود الاتحاد الخارجية لا يمكنها أن تبقى ضمن فضاء شنجن".
ولم يتضح ما إذا كان هذا الموقف يمثل الحكومة الفنلندية بأكملها، خاصة في ظل الانقسامات السياسية الداخلية.
في المقابل، ذكر جوزيب بوريل، المسئول السابق عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أن "القانون الأوروبي لا يسمح لأي دولة بتعليق عضوية دولة أخرى في فضاء شنجن بشكل أحادي"، في إشارة إلى القيود القانونية التي تحكم مثل هذه القرارات.
ورأت الصحيفة الفرنسية أن أزمة سبتة تكشف عن هشاشة التوازن الأوروبي في ملف الهجرة، حيث تتقاطع الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والأمنية. وبين الدعوات للتضامن الأوروبي والتلويح بإجراءات استثنائية، تبدو القارة أمام اختبار جديد لوحدة سياساتها في مواجهة أزمات الهجرة المتكررة.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإن هذا المشهد يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية والهجرة غير النظامية على حدود أوروبا الجنوبية.
واعتبرت "لوموند" أنه بين أرقام صادمة وتحركات سياسية عاجلة، تتكشف أزمة متعددة الأبعاد تتداخل فيها الهجرة مع الحسابات الدبلوماسية والرهانات السياسية الداخلية والدولية.
شهدت سبتة، الجيب الإسباني الواقع شمال المغرب، دخول أكثر من 60 ألف مهاجر خلال فترة وجيزة، بحسب رئيس المدينة خوان فيفاس، الذي أكد أن هذا العدد يمثل نحو 70% من إجمالي سكان المدينة.
وأضاف أن "استيعاب هذا الضغط أمر مستحيل"، في ظل إمكانيات محدودة وبنية تحتية غير مهيأة لمثل هذا التدفق.
كما أفادت السلطات بوفاة 34 شخصًا غرقًا أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة، في مأساة إنسانية جديدة تعكس خطورة طرق الهجرة غير النظامية.
توجه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، إلى سبتة في زيارة عاجلة، مؤكدًا تضامن حكومته مع المدينة، ومنددًا بما وصفه بـ"اعتداء على وحدة الأراضي الإسبانية"، كما حمل شبكات تهريب البشر مسئولية نشر شائعات شجعت هذا التدفق الجماعي.
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية إعادة 25 ألف مهاجر إلى المغرب، بوتيرة بلغت نحو 150 شخصًا في الدقيقة، في محاولة لاحتواء الأزمة سريعًا.
امتدت أصداء الأزمة إلى الولايات المتحدة، حيث استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشاهد القادمة من سبتة للتحذير من "سيناريو مشابه" قد تواجهه بلاده في حال عودة الديمقراطيين إلى الحكم. واعتبر أن صور تدفق المهاجرين "إنذار لما قد يحدث مستقبلًا".
كما تبنى نائب الرئيس جي. دي. فانس خطابًا مماثلًا، منتقدًا ما وصفه بسياسات "الهجرة الجماعية" المرتبطة بالتيارات اليسارية
في فرنسا، سارعت شخصيات من اليمين واليمين المتطرف إلى انتقاد الحكومة الإسبانية، حيث اعتبرت مارين لوبان أن ما يحدث "دخول جماعي منظم للمهاجرين" كما دعا سياسيون إلى تعليق عضوية إسبانيا في فضاء شنغن، متهمين مدريد بسياسات تشجع الهجرة.
حتى داخل التيار الوسطي، برزت انتقادات لخطط تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، والتي ترى بعض الأطراف أنها قد تشكل "عامل جذب" إضافيًا.
وربطت الصحيفة الفرنسية بين هذه الأزمة وبين توترات إقليمية معقدة، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء الغربية. فقد أدى دعم إسبانيا لمقترح الحكم الذاتي المغربي سابقًا إلى توتر علاقاتها مع الجزائر، بينما أثارت زيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر استياء الرباط
ووفقاً للصحيفة الفرنسية فإنه في ظل استمرار عمليات الإعادة والتدفق، تبدو سبتة اليوم في قلب أزمة مركبة تتجاوز بعدها الإنساني، لتتحول إلى ورقة ضغط سياسية في علاقات معقدة بين أوروبا وشمال أفريقيا.




