الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يطل علينا في صدارة الاهتمام المعرفي الثقافي مسألة جديدة أتصور أنه من الضروري الانتباه لها مبكراً في إطار الحرص على الهوية الثقافية المصرية وخصوصيتها، ألا وهي مسألة الحدس البشري ومحاولة إدماجه في عالم الذكاء الاصطناعي.

 

ولذلك فحقاً يجب علينا إدراج أسئلة الحدس الاصطناعي الذي يمارسه ملايين من المتحدثين بالعربية من أجيال عدة، بل ويعيش به جيل جديد معاصر في مصر والوطن العربي.

 

إنه الحدس الاصطناعي كما يتم تعريفه الآن على مواقع عدة في الشبكة الدولية للمعلومات ومنها ما هو متاح بسهولة هو "قدرة نظرية للبرامج الاصطناعية على العمل بشكل مشابه للوعي البشري، وتحديداً في قدرة الوعي البشري المعروفة بالحدس" هكذا تصفه ويكيبيديا على محرك البحث العملاق جوجل، وفي هذا مسار جديد يسعى خلاله العاملون في مجال علم الأعصاب المتصل بالذكاء الاصطناعي.

 

وهو علم معاصر يسعى في إطار تعظيم قدرة الآلة وتطبيقات التفكير ومنظومات الذكاء الاصطناعي إلى محاولة إدماج المسألة الإنسانية التي هي جوهر الروح والوعي والوجود البشري، وهي عملية التفكير اللاواعي بالحدس، داخل الأنظمة الرقمية. 

 

وذلك سعيا لإنشاء الحدس المصطنع من أجل إنشاء أداة تمارس قدرات التجربة التراكمية والفطرية للعقل البشري، لتصميم ذاكرة للتعلم والدلالات ذات طابع اصطناعي، مما فتح مجالا لتصميم جديد لنماذج من الشبكات العصبية الاصطناعية.  

 

وهكذا يصبح السعي نحو إدماج الحدس في الهيكل الداخلي لبرامج الذكاء الاصطناعي هو الأمر بالغ الخطورة والطموح معاً في مسألة العقل الاصطناعي، ومن المعروف أن الحدس البشري هو تلك القدرة الغامضة على اتخاذ قرارات صحيحة دون الاعتماد على تحليل منطقي كامل أو معلومات دقيقة كافية.  

 

وبسؤال الذكاء الاصطناعي في العلاقة بين الحدس وبينه أجاب:

"لا يرتبط الحدس البشري والذكاء الاصطناعي بعلاقة معقدة تجمع بين محاكاة التفكير السريع ومجموعة الوعي الحقيقي ، وهو في هذا السعي يحدد المسار الذي يعمل عليه علماء الحاسوب الآن، وهو تصميم الأنظمة البرمجية بطرق تشبه خلايا الدماغ البشري لمعالجة البيانات المعقدة بشكل فوري".

 

إننا هنا في باب الشبكات العصبية الاصطناعية، وفي هذا يتم التفاعل العلمي مع علم النفس واللسانيات والفلسفة وعلم الأعصاب، وحقول معرفية أخرى، وهي المسألة التي تأخذنا للحديث عن الذكاء الاصطناعي الفائق.

 

وهو مستوى متقدم يتم تعريفه نظريا بأنه يفوق الذكاء البشري في جميع النواحي، بما في ذلك الإبداع، واتخاذ القرار والمهارات الاجتماعية، وصفه الفيلسوف نيكولاس بوستروم الفيلسوف المعاصر الأستاذ البارز في جامعة أكسفورد:

"بأنه آلة تفوق أفضل العقول البشرية في كل مجال تقريبا، ويثير هذا النوع العديد من المخاوف الأخلاقية والتنظيمية المستقبلية".  

 

إنه أحد أبرز المحذرين من المسارات المفتوحة بلا أفق لعلوم إنتاج العقول الإليكترونية والذكاء الخارق الاصطناعي.

 

وفي سعيه هذا يحضر كتابه الشهير "الذكاء الخارق" كأحد أبرز الأسئلة الوجودية المطروحة الآن عن المخاطر الوجودية للآلات إذا تجاوزت الذكاء البشري ولم يتم ضبطها بأخلاقيات صارمة، والكتاب منشور عام ٢٠١٤، وهو يشير للبرمجيات القائمة على الشبكات العصبية القادرة على التعلم الذاتي.

 

ولذلك فهو يوصي بضرورة توحيد أهداف الذكاء الاصطناعي بأهداف البشرية الواقعية مثل القيم والأخلاق الأساسية ورفاهية البشرية.  

 

وهكذا وفي مصر والوطن العربي يبقى السؤال مطروحاً علينا، ذلك أننا لسنا بعيدين إطلاقاً عن تلك الأسئلة الوجودية وإن ندرت عندنا إعادة طرح تلك الأسئلة في إطار محاولات التكيف مع عالم معقد واحد أصبح حقاً قرية واحدة.

 

وكما دخل السياسيون للمعالجة المصرية لمحلية العولمة، أو ضرورة صياغة عالمنا المحلي والقومي المعاصر والمستقبلي في إطار التفاعل مع العولمة كحقيقة واقعة يعيشها عالمنا المعاصر كله، حفاظاً على خصوصيتنا الثقافي وهي جوهر وجودنا الإنساني الجمعي، ولذلك وجب علينا الدخول في عملية إدماج سؤال الحدس الاصطناعي في صياغته المصرية المحلية الخاصة للعولمة.  

 

وما أقصده بالسياسيين هنا، هم صناع القرار المرتبطين بالسياسة الثقافية، والذين بذلوا جهداً كبيراً على الصعيد الفكري في مسالة التكيف مع فكرة عالمية الحياة الإنسانية المعاصرة ذات الطابع الإجباري.  

 

وهي مسألة بالغة الأهمية أراها تختفي تدريجيا بحضور كارثي للمصالح الصغيرة والأسئلة الوظيفية المحدودة جدا في عالمنا الثقافي، وطريقة إدماج الأفكار المهمة المعاصرة في عالم الفنون التعبيرية مع مصالح صغيرة وأهداف محدودة الأفق، تمثل إعادة إنكار وتدوير مفاهيم مثل جماليات التلقي وهو علم دراسة أفق توقع وترقب الجمهور العام وطريقة التفاعل معه نحو التطوير الابتكار، وإعادة مناقشة مفاهيم مستقرة عن الصناعات الإبداعية والثقافية بطريقة اختزالية تبسيطية ضارة تستهدف المكاسب المحدودة.

 

كما يتم تجاهل علم الأعصاب الثقافي، كعلم مهم في تعيين وتحديد الهويات الثقافية للأفراد والجماعات الإنسانية، وهو العلم الذي يرهبنا كثيراً عندما نحاول تطبيقه على المشاهد المتناثرة التي تبدو صادرة عن جهات إنتاج في الفنون التعبيرية ومنصات إطلاق الصور والأخبار والتداول في صناعة الرأي العام، إذ تبدو تلك المشاهد متنافرة ولا يمكن جمعها في نظام خوفا من الاتهام بالتفكير وفقا لنظرية المؤامرة.

 

إلا أنها جميعها وعبر علم الاعصاب الثقافي تقوم بتغيير جوهري تدريجي في سلم القيم العام وفي معنى علم الجمال، وهو علم يتم إنكاره بالابتعاد عن محاولات تنظيمه أكاديمياً ولم يصل مثل علم جماليات التلقي وعلم الصناعات الإبداعية والثقافية لمرحلة إعادة التدوير والإدماج التي حدثت لهما مع الجدد الذين يسعون للتبسيط المخل، وتحديد الأهداف العينية المحددة الملموسة، واختزال هدف التفكير النقدي المصري الجوهري.

 

فالحدس الثقافي الإنساني هو ابن الجينات البشرية التاريخية التي ورثها المصريون بطريقة بيولوجية جينية عبر نوع الإدراك الحدسي الطبيعي، والذي يؤثر في السلوك العام، ويحدد الهوية الثقافية وخصوصيتها.

 

ولذلك تبقى مشاركتنا العلمية الخاصة في عالم الذكاء الاصطناعي ضرورة وجود، وتبقى مشاركتنا في تأمل السياسات الثقافية العامة وضرورة فهم التأثير بالغ الأهمية للصور والمعلومات في عالم مفتوح، وبالطبع الذكاء الاصطناعي على هويتنا وخصوصيتنا الثقافية هو فهم وجودي الطابع.

 

إنها أسئلة الضرورة بعيداً عن ثرثرة متكررة عما بعد الحداثة وما بعد الإنسانية وما بعد الفنون التقليدية وما بعد العقل البشري.

 

إنه سؤال وجودي عن ضرورة الإرادة الفاعلة السياسية بخطة وتصور مستقبلي مؤسسي شامل لمسألة الهوية الثقافية وخصوصيتها بعيداً عن دوائر صراعات المصالح الصغيرة، وما بعد المصالح متناهية الصغر، في عالمنا الثقافي المعاصر وامتداداته في الفنون التعبيرية والمجالات ذات الصلة.

تم نسخ الرابط