الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم تكن الأقنعة، عبر التاريخ، مجرد حجابٍ يُوارِى الملامح، بل كانت إعلانًا عن ولادة هويةٍ أخرى؛ هويةٍ لا تريد أن تُرى كما هى، بل كما تُريد أن يراها الآخرون.
 


ومنذ خشبات المسرح الإغريقى، لم تكن الـ Persona سوى وسيلة تمنح المؤدى ذاتًا جديدة، لا لتُلغى حقيقته، بل لتؤجل لحظة اكتشافها، وتُخضعها لمنطق السرد الدرامى. 


حين ترتدى «الإرهابية» ربطة عنق
 


كيف تحولت الشركات الإعلامية والمنصات 
 


الرقمية إلى بعض أقنعة اقتصاد الجماعة الخفي؟
 


لم تكن الأقنعة، عبر التاريخ، مجرد حجابٍ يُوارِى الملامح، بل كانت إعلانًا عن ولادة هويةٍ أخرى؛ هويةٍ لا تريد أن تُرى كما هى، بل كما تُريد أن يراها الآخرون.
 


ومنذ خشبات المسرح الإغريقى، لم تكن الـ Persona سوى وسيلة تمنح المؤدى ذاتًا جديدة، لا لتُلغى حقيقته، بل لتؤجل لحظة اكتشافها، وتُخضعها لمنطق السرد الدرامى. 
 


ولم يكن القناع، فى جوهره، أداةً للإخفاء بقدر ما كان تقنيةً لإدارة الإدراك؛ فهو لا يطمس الوجه، وإنما يعيد كتابة معناه.
 


واليوم، تبدو التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود وكأنها الوريث الأكثر براجماتية لهذا الإرث التنكرى. 
 


لكنها لم تعد تنحت أقنعتها من الخشب أو الجلود، بل من ترسانة العصر: سجلاتٍ تجارية مُحكمة، وعقود إنتاج مصاغة بعناية، ومنصاتٍ رقمية عابرة للحدود، وواجهاتٍ إعلامية تتدثر برداء مهنية كاذبة، حتى غدت المسافة بين الاستثمار المُعلن، والنشاط السرى الذى يتخفى داخله، أضيق من أن تُرى بالعين المجردة.
 


إن التحول الأخطر الذى شهدته هذه التنظيمات الإرهابية خلال العقود الأخيرة لم يكن فى خطابها المتطرف وحده، ولا فى أيديولوجيتها الإقصائية، بل فى اقتصادها السام.
 


فقد أدركت، مبكرًا، أن الشعارات لا تسدد فواتير البث الفضائى، وأن الخطب الرنانة الطنّانة لا تمول الإمبراطوريات الإعلامية، وأن المنشورات الإلكترونية، مهما بلغ صخبها، لا تُبقى غرف إدارة الحروب النفسية ضد المواطن المصرى تعمل ليلًا ونهارًا.
 


ومن هنا بدأ التحول الكبير؛ من الاتجار بالشعارات إلى إدارة المحافظ المالية، ومن التنظيم السرى إلى هندسة الشركات، ومن طقوس البيعة الرعوية لمرشد الإخوان، إلى حسابات التدفقات النقدية، ومن الخطابة فوق المنابر وفى اجتماعات الأسر الإخوانية والشُعب والمعسكرات، إلى فنون الامتثال الشكلى وإخفاء مسارات الأموال.
 


ففى النهاية، لا تعيش التنظيمات على يقين فكرة، بل على يقين التمويل. فالأيديولوجيا قد تمنحها غطاءً دعائيًا، أما المال فهو الذى يمنحها القدرة على البقاء. 
 


وكلما ازدادت حركة الأموال تعقيدًا، ازدادت الأقنعة إحكامًا، حتى غدا الاقتصاد الخفى هو الميدان الحقيقى الذى تُدار عليه المعارك ضد الأوطان، بينما لم تعد الشعارات سوى الفصل الأخير فى سردية تبدأ دائمًا من دفتر الشيكات.
 


 «القناع الأول: كياناتٌ إرهابية تُولد بوظيفةٍ أخرى
 


كل شركةٍ فى عالم الأعمال تبدأ بحلمٍ استثمارى، إلا تلك التى تُولد ومهمتها الحقيقية إخفاء الانتماء الحقيقى لمن أنشأها.
 


ففى الظاهر، تبدو شركات الإنتاج الفنى والوثائقى والإعلامى الإخوانى، كياناتٍ لا تختلف عن آلاف المؤسسات العاملة فى هذا القطاع؛ استوديوهات، وكاميرات، وغرف مونتاج، وعقود لإنتاج البرامج والأفلام الوثائقية، وميزانيات تحمل عناوين مألوفة مثل حقوق البث، والاستشارات الفنية، والتسويق، والخدمات الإبداعية.
 


غير أن بعض التنظيمات العابرة للحدود اكتشفت مبكرًا أن هذا العالم لا ينتج الصور وحدها، بل يستطيع – إذا أُسيء استغلاله – أن ينتج طبقاتٍ كثيفة من الضباب المالى، تختلط فيها تكلفة الإنتاج بحركة الأموال، ويغدو من العسير التمييز بين الإنفاق المهنى المشروع، والتدفقات التى تؤدى وظائف أخرى لا تظهر فى دفاتر الإنتاج.
 


ومن هنا، لم يعد الإعلام بالنسبة إلى هذه التنظيمات الإرهابية مجرد منصة لنشر خطابها، بل تحول إلى جزء من بنيتها الاقتصادية.
 


فالقناة الفضائية الإخوانية لم تعد شاشةً فقط، وشركة الإنتاج لم تعد مؤسسةً لتصوير البرامج أو الأفلام الوثائقية، وإنما يمكن أن تتحول – إذا استُغلت خارج الأطر القانونية – إلى وعاء مالى تتقاطع داخله العقود، والخدمات، وحقوق الملكية الفكرية، والمدفوعات العابرة للحدود، فى شبكة معقدة يصعب تفكيكها بالنظرة الأولى.
 


ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتجه كثير من التحقيقات الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى قراءة دفاتر الشركات قبل متابعة نشرات الأخبار؛ فالمحتوى قد يُعاد إنتاجه بألف صورة، أما حركة الأموال فلا تستطيع، مهما تنكرت، أن تمحو أثرها بالكامل.
 


ولذلك، لم تعد أجهزة الرقابة تكتفى بالسؤال التقليدى: ماذا تنتج هذه الشركات الإخوانية؟ بل أصبحت تبدأ من سؤال أكثر عمقًا: هل يتناسب حجم النشاط المعلن مع حجم التدفقات المالية؟ وهل تعكس الميزانيات المفترضة واقعًا اقتصاديًا حقيقيًا، أم أنها تخفى وراءها وظيفةً أخرى لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بإدارة المال وإعادة تدويره لتمويل لوجستيات العنف والإرهاب؟ 
 


 القناع الثانى: رأسمالية السَّخَط
 


وصناعة الاستقطاب والفوضى 
 


يقوم الإعلام، فى جوهره، على البحث عن الحقيقة، أو على الأقل السعى إليها. 
 


غير أن إعلام جماعة الإخوان الإرهابية، لا يتعامل مع الحقيقة بوصفها غاية، بل مع الانفعال بوصفه أصلًا استثماريًا قابلًا للتسييل. 
 


فكلما اشتعلت العواطف، وارتفع منسوب الغضب، وتعاظمت حالة الاستقطاب، تضاعفت القيمة الاقتصادية والسياسية للرسالة الإعلامية الإخوانية، وتحولت الشاشة من نافذة للخبر إلى منصة لإدارة الصراع النفسى وإعادة تشكيل مزيف للإدراك الجمعى.
 


لقد أدركت الشركات الإعلامية والمنصات الرقمية المرتبطة بهذا الخطاب المتطرف أن السوق الحديثة لا تكافئ دائمًا أفضل الأفكار، وإنما تكافئ أكثرها قدرةً على إثارة الجدل. 
 


ومن هنا، لم يعد الهدف إنتاج برنامج أو فيلم وثائقى أو مادة صحفية بقدر ما أصبح إنتاج حالة دائمة من التوتر، تُبقى الجمهور أسير دورة لا تنتهى من الغضب، والخوف، والانتظار، والاشتعال العاطفى، والتشكيك! 
 


وهكذا، تحولت شركات الإنتاج والقنوات والمنصات الرقمية الإخوانية إلى مصانع لرأسمالية السخط؛ اقتصادٌ لا تُقاس فيه الأرباح بعدد الإعلانات غير الموجودة أساسًا ولو لإخفاء روائح التمويلات المشبوهة، بل بحجم التأثير الذى يتركه المحتوى فى الوعى العام، وبقدرته على إدامة الانقسام وتحويله إلى موردٍ دائم للبقاء. 
 


فكل أزمة تمثل فرصة جديدة، وكل شائعة مشروع استثمارى، وكل موجة استقطاب موسمًا لحصد المشاهدات وتوسيع دوائر الانتشار، حتى غدا الغضب نفسه سلعةً تُنتج وتُسوّق وتُدار بمنطق السوق.
 


وفى هذا النموذج، لم تعد شركات الإنتاج الإعلامى التابعة للتنظيم الإرهابى أو الدائرة فى فلكه مجرد أدوات لنقل الرسائل الإعلامية الحُرة، بل أصبحت جزءًا من البنية الاقتصادية للتنظيم؛ تُنتج الخطاب، وتدير المنصات، وتُعيد تدوير المحتوى بين القنوات، والمواقع، وصفحات التواصل، فى منظومة متكاملة تتداخل فيها صناعة الصورة مع غسيل الأموال، ويتعذر فيها أحيانًا الفصل بين الاستثمار الإعلامى المشروع، وبين النشاط الدعائى المنظم الذى يحقق أهدافًا تتجاوز حدود الإعلام إلى التأثير السياسى والنفسى المتطرف. 
 


إنها معادلة شديدة القسوة؛ حيث لا يُقاس النجاح بقدر ما أضافه المحتوى إلى وعى الناس، بل بقدر ما أضافه إلى رصيد الانقــــــسام المجتمعى وتفتيت الجبهات الداخلية للأوطان. 
 


ففى اقتصاد السخط، يصبح الهدوء خسارة، والتوافق ركودًا، أما الفوضى والحرائق فهى موسم الحصاد. 
 


 القناع الثالث: المرتزقةُ الجدد 
 


فى أدبيات التنظيمات الإرهابية، كان الولاء العقائدى الصارم هو العملة الأساسية والمحرك الأوحد للمجموعات المتطرفة. 
 


أما اليوم، وفى ظل سيولة العصر الرقمى، فقد أفسحت الأيديولوجيا المتطرفة المكانَ لـ «العائد المالى» ليكون اللغة المشتركة والموجّه الحقيقى للحركات الإرهابية. 
 


لم يعد كل من يتبنى خطابًا متطرفًا مؤمنًا به بالضرورة، ولم يعد مشغلو الحملات الرقمية منتمين فكريًا للجهة التى تمولهم بالضرورة. 
 


لقد أفرزت الرأسمالية الرقمية طبقة جديدة من «الوسطاء التكنولوجيين»؛ محترفو هندسة المحتوى، وخبراء خوارزميات الانتشار، وصناع الموجات الافتراضية. 
 


بالنسبة لهؤلاء، لا تمثل الأيديولوجيا قضية أخلاقية أو عقيدة يقاتلون دونها، بل تمثل بندًا استثماريًا وعقدًا محكوم بجدول زمنى وقيمة مادية.
 


وهنا يتجلى المنعطف الأخطر فى جيوسياسية العصر: إن الحدود الفاصلة بين الاقتناع الفكرى والمقابل النفعى قد تلاشت تمامًا، والمعارك الحديثة لم تعد بحاجة إلى «جنود عقائديين» بقدر حاجتها إلى «تقنيين بارعين» يتقنون توجيه الرأى العام، ودفع الوسوم إلى صدارة المنصات، ومنح السرديات المضللة عمرًا أطول على الشاشات المعولمة. 
 


إنه الانتقال التراجيدى من «تنظيم يقوم على العضوية والبيعة»، إلى «شبكة هجينة تقوم على تعهيد الخدمات «وضم عناصر من المرتزقة الجدد مثل محمد ناصر وسامى كمال الدين وأيمن نور ومعتز مطر وعماد البحيرى وهشام قاسم وسامية هاريس وغيرهم!!
 


وحين تصبح الفاتورة أبْلغ من البيان الصاخب، يدرك الباحثون أن الحكاية لم تكن تُكتب يومًا فى قاعات المؤتمرات أو ديباجات الخطب السياسية، بل كانت تُصاغ بدقة فى كواليس المصارف، والحسابات البنكية، ومسارات الحوالات الملتوية. 
 


فالبيان السياسى يمكن تجميله، والخطاب الأيديولوجى يمكن تعديله حسب مقتضى الحال، أما حركة الأموال فلها منطق رياضى صارم لا يكذب؛ إنها العيْن الرقابية التى تفضح التحالفات السرية، وترسم الخرائط الفعلية للنفوذ والتمويل العابر للقارات.
 


ولهذا، لم يكن مصادفةً أن يُجمع المجتمع الدولى - ولو ظاهريا - على تطوير تشريعات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لينتقل ثقل الرقابة من ملاحقة الشعارات البراقة إلى تتبع البنى الاقتصادية والكيانات الوسيطة.
 


 حقيقة الوجه الكامن خلف الأقنعة 
 


يقع فى وهمٍ كبير من يظن أن التنظيمات العابرة للحدود تُهزم بإغلاق منصةٍ رقمية، أو إسدال الستار على قناةٍ فضائية، أو اختفاء متحدثٍ اعتاد أن يملأ الشاشات ضجيجًا. 
 


فهذه كلها ليست إلا أقنعةً وظيفية، يمكن استبدالها، وإعادة إنتاجها، وتغيير أسمائها كلما اقتضت الضرورة. 
 


أما ما يبقى عصيًا على الزوال، فهو ذلك الاقتصاد الخفى الذى يمنح التنظيم القدرة على التنفس كلما ضاقت عليه الجغرافيا، ويمنحه طاقة إعادة إنتاج نفسه كلما سقط أحد وجوهه.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط