الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حين تتحرر المنظمات السياسية من الأخلاق، لا تعود تبحث عن المؤمنين بها، وإنما عن القادرين على خدمتها. فالأفكار تحتاج إلى أصحابها، أما المشروعات التى تجعل الغاية فوق كل اعتبار، فلا ترى فى الإنسان إلا وظيفة يؤديها، ثم تنصرف عنه بعد انتهاء دوره، وحين يتحول الإنسان إلى وسيلة، يصبح قابلا للاستبدال كلما ظهرت أداة أكثر نفعًا.

 

ومن هذا المنطق يمكن فهم اعتماد جماعة الإخوان على أدوات لا تشاركها الفكر ولا تلتزم بمشروعها، فذلك ليس أمرا طارئا على تاريخها، بل امتداد لمنهج عرفته منذ عقودها الأولى، يقوم على توظيف من يمكن توظيفه، لا من يقتنع بالفكرة، ما دام يحقق الهدف المطلوب، ولهذا خاضت الجماعة، عبر تاريخها، تحالفات هشة مع تيارات لا يجمعها بها اعتقاد ولا مشروع، وتحركت فى أكثر من محطة عبر واجهات لا تحمل اسمها، وأدوات لا يسألها أحد عن انتمائها، ما دامت تؤدى الدور المطلوب.
 


كل شىء بثمنه
 


وأذكر أن مأمون الهضيبى قال بالحرف فى اجتماع إخوانى عام 2000: «كل إنسان له ثمن، فمن نستطيع شراءه عن طريق القرآن والحديث فلنفعل، ومن نستطيع شراءه عن طريق المظلومية فلنفعل، ومن نستطيع شراءه بمنصب فى نقابة أو عضوية فى برلمان فلنفعل، ومن نستطيع شراءه بالمال فلنفعل؛ المهم ماذا سيؤدى لنا مقابل هذا الثمن»، وما زالت هذه العبارة، بعد أكثر من عقدين، تمثل المفتاح الأدق لفهم كثير مما يجرى اليوم؛ فهى لا تكشف عن زلة لسان، وإنما عن فلسفة كاملة فى التعامل مع البشر، فلا قيمة للإنسان فى ذاته، ولا اعتبار لقناعته أو صدقه، وإنما قيمته فيما يؤديه مقابل ثمن يدفع له، أيا كانت صورته؛ دينية أو مادية أو اجتماعية أو سياسية أو معنوية.
 


وحين انتقل الصراع من الشارع إلى الشاشة، ومن المؤسسة إلى المنصة، لم تغير الجماعة هذا المنطق، وإنما غيرت أدواته، فبدلا من الاعتماد على رموز تتشارك معها فى المشروع ذاته، وجدت فى الفضاء الرقمى وسيلة أسرع وأقل كلفة، وذلك من خلال وجوه لا تحتاج إلى اقتناع ولا انتماء، وإنما إلى استعداد للصخب مقابل الأضواء، ولم يعد الثمن منصبا نقابيا أو مقعدا برلمانيا كما كان قبل عقدين، بل أصبح شهرة عابرة، أو نسبة مشاهدة، أو مجرد حضور فى دائرة الضوء.
 


وقد ظهر هذا بشكل لافت من خلال القنوات الفضائية المحسوبة على الجماعة، التى أعادت هى الأخرى صياغة معايير اختيار ضيوفها ووجوهها الإعلامية، ولهذا فتحت شاشاتها لأشخاص لا يجمعهم بها انتماء فكرى، ولا يربطهم بها تاريخ تنظيمى، بل قد يكون بعضهم بعيدًا كل البعد عن أدبياتها وخطابها التقليدى، مثل أيمن نور، ومعتز مطر، ومحمد ناصر، وهشام عبدالله، وغيرهم، فالقاسم المشترك بينهم لم يكن الانتماء التنظيمى، وإنما تقديم خطاب إعلامى يعتمد على الإثارة، والصخب، والاستفزاز، والاتهامات غير المنضبطة، واللغة الحادة، والشتائم، والسخرية الجارحة، وتحويل السياسة إلى مشهد دائم من الخصومة والانفعال، بما يحقق أعلى معدلات التفاعل والانتشار.
 


ولم يكن هذا التحول فى اختيار الوجوه الإعلامية منفصلا عن التحول الأكبر الذى أصاب المجال العام نفسه، بل كان استجابة مباشرة لقواعد اللعبة التى فرضها العصر الرقمي. فلفهم سر هذا الاختيار، لا بد من فهم المنطق الذى تحكمه المنصات الرقمية. فالمعركة السياسية لم تعد تدور حول من يملك الحجة الأقوى، بقدر ما أصبحت تدور حول من يملك القدرة الأكبر على جذب الانتباه، ومع انتقال المجال العام من الصحيفة وشاشة التليفزيون إلى الهاتف المحمول، أصبح الانتباه هو العملة الأكثر قيمة فى هذا العالم الجديد.
 


ولهذا لم يعد مستغربا أن تظهر مقاطع سياسية لا تعتمد على قوة الفكرة، وإنما على الإثارة البصرية واللغوية، فكلما كان المحتوى أكثر قدرة على إحداث الصدمة، ازدادت فرص توقف المستخدم عن التمرير، وارتفعت معدلات المشاهدة والتفاعل، وهو ما تكافئه خوارزميات المنصات تلقائيا، ومن هنا نشأ ما يسميه الباحثون «اقتصاد الانتباه»، حيث تسبق المنافسة على جذب العين مخاطبة العقل.
 


اقتصاد الانتباه
 


ففى عصر الإنترنت، لم يعد التحدى هو نقص المعلومات، بل فائضها. فالمعلومات أصبحت متاحة بلا حدود، أما المورد النادر الذى تتنافس عليه المنصات فهو انتباه الإنسان، ومن هنا نشأ ما يعرف باقتصاد الانتباه، حيث لم يعد الصراع على إنتاج المحتوى بقدر ما أصبح صراعا على الاستحواذ على الوقت الذى يقضيه المتابع أمام الشاشة، وفى هذا الاقتصاد لا يكون المنتج الحقيقى هو الفيديو أو الخبر أو المنشور، وإنما المتابع نفسه؛ لأن المنصات المجانية لا تبيع المحتوى إلى الجمهور، بل تبيع وقت الجمهور وانتباهه إلى المعلنين. فإذا ظن المستخدم أنه العميل، فقد أخطأ فهم طبيعة هذه المنصات؛ فالعميل الحقيقى هو المعلن، أما المستخدم فهو السلعة التى يتنافس الجميع على جذبها والاحتفاظ بها لأطول وقت ممكن.
 


ومن أدوات هذا الاقتصاد كسر التوقعات الاجتماعية، فقد اعتاد المتلقى أن يقترن الخطاب السياسى بقدر من الوقار والرصانة، فإذا فوجئ بمظهر لافت أو ألفاظ صادمة تصاحب خطابا سياسيا، نشأت لديه حالة من الدهشة تدفعه إلى المشاهدة، سواء بدافع الإعجاب أو الاستنكار، والمفارقة أن المنصة لا تفرق بين التفاعل المؤيد والتفاعل الغاضب؛ فكلاهما يعد نجاحا للمحتوى.
 


صناع المحتوى
 


وتبلغ الظاهرة مداها حين يجتمع المظهر اللافت مع السباب والألفاظ السوقية، لأن المحتوى الذى يثير الغضب أو الصدمة يحصد، فى الغالب، تعليقات ومشاركات أكثر من المحتوى الهادئ، وهكذا تتحول الشتيمة إلى وسيلة تسويق، ويتحول الابتذال إلى وسيلة انتشار، لا لأنه يضيف قيمة إلى النقاش، وإنما لأنه يضمن بقاء المحتوى المنحرف فى دائرة الضوء، فالمنصة لا تكافئ دائما من يقدم الفكرة الأفضل، وإنما تكافئ، فى كثير من الأحيان، من يجيد صناعة الحدث.
 


وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين تتحول من سلوك عفوى لدى بعض صناع المحتوى إلى أداة تستخدمها تنظيمات سياسية منظمة. فجماعة الإخوان فى كثير من موادها الرقمية خلال السنوات الأخيرة، لم تعد تراهن على نشر خطاب فكرى أو تعبئة أيديولوجية، بقدر ما تراهن على توظيف وجوه لا تربطها بها صلة فكرية، وإنما تجمعها بها مصلحة مؤقتة، إذ أنّ هدفهم المرحلى هو تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة يحققون من خلالها إثارة أكبر قدر من الارتباك والفوضى فى المجال العام. فالغاية هنا ليست إقناع الجمهور بموقف سياسى، وإنما إغراق المجال العام بالضجيج والصخب والتفاهة حتى يفقد الجمهور قدرته على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما لا يستحقه.
 


ويكشف هذا المنهج بوضوح ما جرى مع حالتين تفصل بينهما سنوات، لكنهما تصدران عن المنطق نفسه الذى عبر عنه الهضيبى قبل ربع قرن.
 

ففى عام 2019 وجدت الجماعة فى فيديوهات المقاول محمد على فرصة إعلامية، لا لأنها اقتنعت بروايته أو تبنت مشروعه، وإنما لأن حدة الاتهامات التى أطلقها كانت كافية فى ظنهم لإحداث أزمة ثقة بين الجمهور ومؤسسات الدولة، فسارعت قنواتها إلى تضخيم صوته ودفعه إلى الواجهة، ثم تخلت عنه بعد انحسار أثره، وتكرر المنهج ذاته، وإن فى صورة أكثر ابتذالا، مع ظاهرة عرفت باسم هايدى زيدان، ومع أسماء أخرى صعدت إلى الواجهة ثم اختفت بعد انتهاء دورها، إذ احتفت منصات محسوبة على الجماعة بهذا المحتوى، لا بحثا عن قيمة فيه، وإنما استثمارا فى قدرته على الإثارة والانتشار السريع.
 


والجامع بين هذه الحالات أن الشخص المستخدم لا يشترط أن يكون مقتنعا بما يقول، ولا منتميا إلى من يوظفه. فالمطلوب منه أن يكون صاخبا بما يكفى لخطف الانتباه، ومثيرا للجدل بما يكفى لضمان التداول، تماما كما تستأجر أداة لمهمة محددة، ثم تستبدل بغيرها حين تفقد فعاليتها.
 


الابتذال الإخوانى
 


وهنا يكمن الفارق بين من يبنى وعيا، ومن يدير ضجيجا، فالأول يصنع إنسانا قادرا على التفكير، أما الثانى فلا يصنع إلا جمهورا دائم الانشغال، وحين ينجح الضجيج فى احتلال الانتباه، لا يعود فى حاجة إلى هزيمة الحقيقة، بل يكفيه أن يمنع الناس من الالتفات إليها، ومن هنا لا يصبح الابتذال عرضا جانبيا فى مشروع جماعة الإخوان، وإنما يتحول إلى أداة مقصودة لتفكيك المجتمع من داخله؛ فالمجتمع الذى تضعف معاييره، وتختلط عنده الحدود بين الحياء والابتذال، وبين الحرية والفوضى، يفقد تدريجيا قدرته على حماية ثوابته والدفاع عن مؤسساته، وهكذا لا تكون إشاعة الفاحشة غاية فى ذاتها، وإنما وسيلة لزعزعة البناء الأخلاقى الذى يقوم عليه تماسك المجتمع، لأن هدم القيم يسبق دائما هدم الدولة، وعندئذ لا تسقط المجتمعات يوم تنتصر الأكاذيب، وإنما يوم تضيع الحقيقة وسط الصخب، ويغدو الضجيج بديلا من الوعى، والابتذال بديلا من الثقافة، والفوضى بديلا من النظام.
 


ويبقى السؤال الأهم: كيف يحصن المجتمع وعيه أمام هذا النمط  من الحروب؟ والإجابة لا ينبغى أن نجعلها تحت مسئولية الأمن والقضاء، ذلك أن المجتمع الذى يمتلك مدرسة تعلم التفكير، وجامعة تحترم العقل، وإعلاما يوقر الحقيقة، وأسرة تغرس القيم، يصبح أقل قابلية للاستدراج إلى الضجيج، وأكثر قدرة على التمييز بين الفكرة والاستعراض، وبين الحرية والابتذال، وبين المعارضة السياسية وصناعة الفوضى. 
 


فالحصانة الحقيقية لا تقوم على إسكات الأصوات، وإنما على بناء عقل لا يخدعه الصخب، وذوق لا تغريه التفاهة، وضمير يدرك أن هدم القيم هو الطريق الأقصر إلى هدم الأوطان، فالمجتمع الذى يحسن تربية وعيه لا يخشى الضجيج، لأن الحقيقة، مهما غاب صوتها، تبقى أقدر على البقاء من كل صخب عابر.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط