هل فقدت كليات الطب بريقها؟
كليات قمة تعانى من البطالة وتكــــــدس فــــــى أعـــداد الخريجـــين
يعانى القطاع الطبى فى مصر من أزمات متكررة سنويًا، ما بين زيادة الإقبال على كليات معينة والهروب من كليات أخرى، وفقًا لآلية ومتطلبات سوق العمل فى مصر.
وسنويًا بالتزامن مع إعلان نتائج الثانوية العامة، وفتح باب تنسيق الالتحاق بالجامعات، يقف آلاف الطلاب على أعتاب مرحلة جديدة، حاملين حلم الالتحاق بـ«كليات القمة»، لكن هذا الحلم الذى طالما كان مرادفا لمستقبل مضمون ومكانة اجتماعية مرموقة، بدأ يصطدم بواقع مغاير، ترسم ملامحه النقابات المهنية الطبية، مشيرة إلى وجود أعداد كبيرة من الخريجين يهدد بتشبع السوق وإغراقه، فى ظل إيقاف التكليف الإلزامى لمعظم الفروع الطبية ليكون وفقا للاحتياجات الفعلية فقط.
حذرت عدد من النقابات الطبية من أرقام صادمة لزيادة أعداد الخريجين تفوق المعدلات العالمية وتنبئ بـ«بطالة حتمية»، تقف نقابات أخرى على النقيض تماما، معلنة عن عجز حاد فى كوادرها وحاجة ماسة للمزيد، هذا التباين الحاد يرسم خريطة جديدة لسوق العمل الطبى، وتتطلب من الطلاب نظرة أعمق تتجاوز المجموع إلى دراسة واقع المهنة وتحدياتها المستقبلية قبل اتخاذ القرار.
أزمة المستشفيات الجامعية
أعلنت نقابة الأطباء، تمسكها بموقفها الداعى إلى مطالبة وزارة التعليم العالى بوقف قبول طلاب جدد فى كليات الطب التى لا تمتلك مستشفيات جامعية، حيث إن هذه الجامعات لم تلتزم بنص القانون الذى يلزمها بإنشاء مستشفيات جامعية لتدريب الطلاب.
وقال الدكتور أسامة عبد الحى، نقيب الأطباء، إن الدولة منحت تلك الجامعات مهلة امتدت إلى ثلاث سنوات لإنشاء المستشفيات الجامعية، إلا أن بعضها لم يلتزم بتنفيذ هذا الاستحقاق.
وشدد نقيب الأطباء على أن النقابة لا تستهدف الإضرار بالطلاب أو المساس بمستقبلهم، مؤكدًا أن أى طالب التحق بجامعة معترف بها من المجلس الأعلى للجامعات يجب الحفاظ على حقه فى استكمال دراسته وتأهيله بالشكل المناسب، مضيفًا: «طالما أن الطالب التحق بجامعة معترف بها، فلا يمكن أن نغامر بمستقبله».
وأشار إلى أن مطالبة النقابة تقتصر على وقف قبول دفعات جديدة فى الكليات المخالفة، إلى حين استيفاء الاشتراطات القانونية وتوفير المستشفيات الجامعية اللازمة لضمان جودة التدريب الطبى ورفع كفاءة الخريجين.
مهلة قانونية لكل كليات الطب
وقال الدكتور خالد أمين الأمين المساعد لنقابة الأطباء، إن لجنة القطاع الطبى بوزارة التعليم العالى اتخذت خطوات فعلية بوقف القيد بكليات الطب التى لا تمتلك مستشفيات جامعية مؤهلة للتدريب العملى، والتى تجاوزت المدة القانونية وهى 3 سنوات، وأما التى لم تكتمل مدتها فسيتم إعطاؤها المهلة القانونية.
وأكد الأمين العام المساعد على أهمية وجود المستشفيات الجامعية، لضمان جودة التعليم الطبى ومستوى الخريجين، حتى لا ينعكس سلبًا على المنظومة الصحية وسلامة المرضى.
وقال إن إنشاء أى كلية طب يجب أن يقترن بإنشاء مستشفى جامعى خاص بها، لأن الدراسة النظرية وحدها لا تكفى لإعداد طبيب قادر على ممارسة المهنة بكفاءة.
وأوضح أن القانون ألزم الجامعات بإنشاء وتشغيل المستشفى الجامعى قبل تخريج أول دفعة من الطلاب، إلا أن بعض الكليات حصلت على تراخيص إنشاء كليات الطب دون الالتزام بهذا الشرط الأساسى.
تحديد أعداد الطلاب
أكد الدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، أن النقابة تطالب منذ سنوات بضبط أعداد المقبولين بكليات الطب، مع وقف قبول طلاب جدد بالكليات التى لا تمتلك مستشفى جامعيًا، باعتبار أن المستشفى يمثل الركيزة الأساسية للتعليم الطبى والتدريب الإكلينيكى، وأن غيابه يحول كلية الطب إلى مشروع استثمارى يهدف إلى تحقيق الأرباح على حساب جودة التعليم.
وأوضح الطاهر أن الجمعية العمومية لنقابة الأطباء أصدرت عام 2019؛ قرارًا بعدم قيد خريجى كليات الطب الخاصة التى لم تستوفِ جميع مقومات العملية التعليمية، وفى مقدمتها وجود مستشفى جامعى مناسب، ومنحت تلك الكليات مهلة ثلاث سنوات لتوفيق أوضاعها، إلا أن المهلة انتهت وما زالت بعض الكليات تعتمد على تدريب طلابها داخل مستشفيات حكومية، وهو ما يضعف جودة التدريب، ويجنب أصحاب تلك الجامعات تكلفة إنشاء وتجهيز مستشفيات جامعية على حساب جودة إعداد الأطباء.
وأضاف أن تحديد أعداد المقبولين بكليات الطب يجب أن يستند إلى معايير واضحة، تشمل القدرة التعليمية والتدريبية للكليات، والاحتياجات الفعلية لسوق العمل، إلى جانب توافر فرص التدريب والدراسات العليا، محذرًا من تكرار ما حدث فى بعض التخصصات الأخرى مثل طب الأسنان والصيدلة، حيث أدى التوسع غير المدروس فى أعداد الخريجين إلى مشكلات مهنية وسوقية انعكست على جودة الممارسة.
نقص الأطباء يحمى كليات الطب من البطالة
وحول تأثير زيادة أعداد كليات الطب على ممارسة المهنة، قال الدكتور جمال عميرة، وكيل النقابة العامة للأطباء، إن هناك بعض الكليات تأثرت بزيادة فى أعداد الأطباء مثل الصيدلة والأسنان مما اضطر الحكومة لإلغاء التكليف أو وقفه لفترة معينة بسبب التوسع فى إنشاء الكليات الخاصة والأهلية، لكن كليات الطب البشرى لا يزال يعانى الطب البشرى نقصًا فى أعداد الأطباء.
وأوضح «عميرة» أن التخصصات التى فيها نقص أعداد الأطباء بشكل أكبر تخصصى الرعاية المركزة والتخدير، مؤكدًا أهمية توفير الكوادر الطبية اللازمة لتلبية احتياجات المنظومة الصحية.
كليات بلا تكليف
قال د. مصطفى الوكيل وكيل نقابة الصيادلة السابق، إن سوق العمل للصيادلة يعانى من ركود شديد بسبب الزيادة الكبيرة فى أعداد الصيادلة، والذى قابله بإلغاء التكليف منذ ما يقرب من 5 سنوات.
وأرجع وكيل نقابة الصيادلة الأسبق ذلك إلى زيادة كليات الصيدلة بالجامعات الجديدة التى وصلت إلى ما يقرب من 200 كلية، بدون قرار مدروس لآليات سوق العمل.
وأوضح أن نقابة الصيادلة سبق أن حذرت من ذلك وتأثيره على سوق العمل، لكن سعى البعض من أصحاب الجامعات الخاصة لتحقيق مكاسب مادية على مصلحة الطلاب، أدى لهذا التكدس من الخرجين دون معايير واضحة لأسباب استمرار قبول دفعات جديدة دون الحاجة الفعلية لها.
التكليف وفق الاحتياج وليس الإلغاء
قال الدكتور إيهاب هيكل نقيب عام أطباء الأسنان، إن قرار تنظيم تكليف خريجى كليات الأسنان جاء متأخرًا، موضحًا أن القرار كان يجب أن يتم التمهيد له منذ سنوات طويلة، بحيث يكون الطلاب الذين يلتحقون بالكليات على علم بالنظام الجديد منذ البداية.
وأضاف أن النقابة كانت تطالب منذ فترة بتغيير نظام التكليف وإلغاء المركزية، لكن دون تطبيق القرار بشكل مفاجئ، مشيرًا إلى ضرورة منح الطلاب فترة انتقالية قبل التنفيذ.
وأوضح أن النقابة طلبت تأجيل تطبيق القرار لمدة خمس سنوات، حتى يكون الطلاب الموجودون بالكليات حاليًا قد تخرجوا، ويكون الطلاب الجدد على دراية بنظام التكليف منذ السنة الأولى، مشيرا إلى أن القانون لا يلزم الوزارة بتعيين جميع الخريجين، إلا أن التكليف كان عرفًا مستقرًا يشبه القانون بالنسبة للخريجين.
وأكد أن التكليف لم يُلغَ، وإنما أصبح وفقًا للاحتياج، موضحًا أن دفعة عام 2023 كانت أول دفعة يطبق عليها النظام الجديد، وتم تكليف نصفها فعليًا، مشيرا إلى وجود اعتراضات على معايير الاختيار، خاصة الاعتماد على التقدير، موضحًا أن طلاب الجامعات الخاصة قد يحصلون على تقديرات أعلى من طلاب الجامعات الحكومية، وهو ما قد يؤدى إلى عدم تحقيق العدالة.
ولفت إلى أن التوزيع الجغرافى كان سيكون أكثر منطقية، موضحًا أن تكليف الخريج داخل محافظته أو بالقرب منها يساعده على الاستقرار والعمل بصورة أفضل، مضيفا أن نقل الخريجين إلى محافظات بعيدة يسبب أعباء مالية، خاصة مع الرواتب المحدودة، حيث يتحمل الطبيب تكاليف السفر والإقامة، وهو ما يقلل من القيمة الفعلية لما يحصل عليه.
وأوضح أن زيادة أعداد الخريجين دون وجود فرص عمل كافية قد تؤدى إلى تكدس داخل سوق العمل، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الخريجين يعتمد على العمل الحكومى فقط، مؤكدا أن تنظيم أعداد الخريجين وتوفير نظام واضح للتكليف يساعد فى الحفاظ على مستوى المهنة وعدم التأثير على سوق العمل.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



