الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعى مجرد نقاش حول التكنولوجيا، بل أصبح نقاشًا حول مستقبل التعليم، وسوق العمل، والاقتصاد، بل ومستقبل الجامعات نفسها.
 


ويفرض الواقع اليوم سؤالين جوهريين على صناع القرار فى التعليم العالي.
 


السؤال الأول:
 


هل سيؤدى الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى إلى اختفاء بعض التخصصات الجامعية التى تعتمد بصورة كبيرة على الأعمال الروتينية، مثل الأرشفة، وإدخال البيانات، والإجراءات الإدارية التقليدية، وبعض الوظائف التى أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على إنجازها بكفاءة وسرعة أعلى؟
 


الإجابة ليست سهلة. فمن المؤكد أن كثيرًا من الوظائف التقليدية ستتراجع، وأن بعض المهارات التى كانت مطلوبة بالأمس لم تعد تمثل ميزة تنافسية اليوم. لكن هذا لا يعنى بالضرورة اختفاء التخصصات، بل يعنى أن محتواها العلمى لم يعد كافيًا إذا بقى على صورته القديمة.
 


وهنا نصل إلى السؤال الأهم، وهو السؤال الذى يجب أن يشغل الجامعات العربية اليوم أكثر من أى وقت مضى.
 


هل الحل هو إلغاء بعض الكليات والتخصصات التى لم تعد تتواكب مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟ أم أن الحل الحقيقى هو إعادة هيكلتها وتحديثها لتصبح أكثر قدرة على مواكبة المستقبل؟
 


أرى أن هذا هو جوهر القضية.
 


فالجامعات العريقة لا تُقاس بعدد الكليات التى تفتتحها أو تغلقها، وإنما بقدرتها على التطوير المستمر. 
 


والتاريخ يؤكد أن المؤسسات التعليمية الناجحة لم تكن تلك التى ألغت تخصصاتها، وإنما تلك التى أعادت تصميمها لتواكب التحولات العالمية.
 


إن المطلوب اليوم ليس إلغاء كلية التجارة، بل إدخال تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعى، والتكنولوجيا المالية، والتجارة الإلكترونية ضمن برامجها.
 


وليس إلغاء كليات الإعلام، بل تحويلها إلى منصات لتعليم الإعلام الرقمى، وصناعة المحتوى، وتحليل البيانات الإعلامية، والإعلام المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
 


وليس إلغاء كليات الآداب، بل تطوير برامجها لتشمل اللغويات الحاسوبية، والترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعى، وتحليل المحتوى الرقمى، وإدارة المعرفة.
 


بل إن كل كلية مطالبة اليوم بإجراء تحديث جذرى (Major Update) لمناهجها، وإعادة تعريف مخرجاتها التعليمية، بما يتوافق مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة والخامسة، دون أن تفقد هويتها الأكاديمية أو رسالتها الإنسانية.
 


فالقضية ليست فى اسم الكلية، وإنما فى كفاءة خريجها.
 


ولهذا، فإننى أرى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال الجامعات من مفهوم إدارة الكليات إلى مفهوم إدارة المهارات والكفاءات، فلم يعد صاحب العمل يسأل فقط: من أى كلية تخرجت؟ بل أصبح يسأل: ماذا تستطيع أن تنجز؟ وما المهارات الرقمية التى تمتلكها؟ وهل تستطيع العمل جنبًا إلى جنب مع أدوات الذكاء الاصطناعي؟
 


ومن هنا، فإن مستقبل التعليم العالى لن يتحقق بإلغاء التخصصات، وإنما بإعادة بنائها، وربطها باحتياجات التنمية الوطنية، وبالاقتصاد الرقمى، وبسوق العمل، وبالشراكة مع الحكومات والقطاع الخاص، مع مراجعة البرامج بصورة دورية تضمن مواكبتها للتغيرات المتسارعة.
 


إن الذكاء الاصطناعى لا يطالب الجامعات بأن تتخلى عن تاريخها، بل يطالبها بأن تكتب فصلًا جديدًا من هذا التاريخ. والسؤال الذى يجب أن نجيب عنه اليوم ليس: أى الكليات سنغلق؟ بل: كيف نجعل كل كلية قادرة على المنافسة فى عصر الذكاء الاصطناعي؟
 


فهذا هو التحدى الحقيقي.. وهذه هى مسئولية الجامعات إذا أرادت أن تبقى مؤسسات تصنع المستقبل، لا مؤسسات تدرّس الماضي.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط