الأوائل من الشرقية والمنوفية والبحيرة
المحافظات تكسب الثانوية خريطة التفوق فى مدارس التعليم والأزهر
لم تكن نتائج الثانوية العامة والثانوية الأزهرية للعام الدراسى 2025/2026 مجرد إعلان لأسماء الطلاب الأوائل أو نسب النجاح، بل قدمت قراءة مختلفة لخريطة التعليم فى مصر، بعدما كشفت أن المحافظات والأقاليم أصبحت صاحبة الحضور الأقوى فى قوائم المتفوقين، بينما لم تعد العاصمة تحتكر المراكز الأولى كما كان يعتقد البعض.
وفى الوقت نفسه، حملت نتائج الثانوية الأزهرية ظاهرة أخرى لافتة، تمثلت فى الحضور النسائى الكبير، بعدما احتكرت الطالبات المراكز العشرة الأولى بالقسم الأدبى، وواصلن تصدر المشهد فى القسم العلمى، لتطرح النتائج سؤالين مهمين: لماذا أصبحت المحافظات مصنعًا للأوائل؟ ولماذا تتفوق الفتيات بصورة لافتة فى التعليم الأزهري؟
«خريطة التفوق».. المحافظات فى الصدارة
تكشف قراءة قوائم أوائل الثانوية العامة والثانوية الأزهرية أن قمة التفوق لم تعد حكرًا على مدارس القاهرة، وإنما امتدت إلى قرى ومراكز ومحافظات مختلفة.
ففى الثانوية العامة، جاء الطالب عبدالله محمود عمر محمد صابر، من إدارة فاقوس التعليمية بمحافظة الشرقية، فى المركز الأول بالشعبة العلمية (علوم) محققًا الدرجة النهائية (320 درجة)، بينما جاءت حسناء عمرو سعد أحمد مبروك من إدارة الحوامدية بالجيزة الأولى فى شعبة الرياضيات، وتصدرت روان إيهاب أحمد عبدالحليم من القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية الشعبة الأدبية.
أما فى الثانوية الأزهرية، فقد تصدرت الطالبة حبيبة رضا محمد محمد جعبوبة، من معهد فتيات محمد رجب بسجين الكوم بمحافظة الغربية، القسم العلمى بنسبة 99.38 %، بينما جاءت الطالبة سما هانى محمد عبدالمعطى المسلمانى، من معهد فتيات دمنهور بمحافظة البحيرة، الأولى على القسم الأدبى بنسبة 99.15 %.
وتشير هذه النتائج إلى أن خريطة التفوق أصبحت أكثر اتساعًا، وأن المحافظات، خصوصًا محافظات الدلتا، باتت حاضرة بقوة فى قمة المشهد التعليمى، سواء فى التعليم العام أو الأزهرى.
القاهرة ليست وحدها
تكشف القائمتان أن محافظات مثل الشرقية، والغربية، والبحيرة، والدقهلية، والمنوفية، والقليوبية، وبنى سويف، وكفر الشيخ، وأسيوط، ودمياط، وبورسعيد، أصبحت تنافس بقوة على المراكز الأولى، بينما توزع حضور القاهرة على عدد محدود من الإدارات التعليمية.
كما أن عددًا من الأوائل جاءوا من قرى صغيرة ومراكز بعيدة عن العاصمة، وهو ما يعكس أن فرص التفوق لم تعد مرتبطة بالموقع الجغرافى، بقدر ارتباطها بقدرة الطالب على الاجتهاد، ودور الأسرة، وجودة البيئة التعليمية.
وفى الثانوية الأزهرية، جاءت الأولى على القسم العلمى من قرية سجين الكوم التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، بينما تصدرت البحيرة القسم الأدبى، وهو ما يؤكد أن الريف أصبح قادرًا على المنافسة والوصول إلى قمة الجمهورية.
لماذا تتقدم الأقاليم؟
يرى متخصصون أن تفوق المحافظات لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما هو نتيجة مجموعة من الأسباب المتداخلة.
ففى المحافظات، ما زال التعليم يمثل بالنسبة لكثير من الأسر الوسيلة الأهم لتحقيق الترقى الاجتماعى وتحسين مستوى المعيشة، ولذلك تحرص الأسر على متابعة الأبناء بصورة أكبر، وتوفير الأجواء المناسبة للمذاكرة.
كما أن انخفاض معدلات الترفيه والمشتتات مقارنة بالمناطق الحضرية الكبرى يمنح الطلاب وقتًا أطول للتركيز، فى الوقت الذى أصبحت فيه المنصات التعليمية الإلكترونية متاحة للجميع، فلم يعد الطالب فى حاجة إلى الانتقال إلى العاصمة للحصول على أفضل شرح.
ويؤكد الدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس، أن طلاب المحافظات غالبًا ما يستفيدون من انخفاض المشتتات، وارتفاع الدافعية نحو النجاح، مع وجود متابعة أسرية أكبر، وهى عوامل تنعكس بصورة مباشرة على نتائجهم الدراسية.
ويضيف أن البيئة الأسرية فى المحافظات ما زالت تمنح للتعليم قيمة كبيرة، الأمر الذى يخلق حالة من التنافس الإيجابى بين الطلاب داخل المدارس، ويجعل التفوق هدفًا جماعيًا تسعى إليه الأسرة بأكملها.
ومع ذلك، يؤكد خبراء التربية أن هذه القراءة لا تعنى بالضرورة أن جميع طلاب المحافظات أكثر تفوقًا من أبناء العاصمة، وإنما تشير إلى أن خريطة الأوائل تعكس تحولًا واضحًا فى توزيع التميز الدراسى على مستوى الجمهورية.
الفتيات يخطفن الأضواء فى الأزهر
وإذا كانت خريطة المحافظات هى الظاهرة الأبرز فى النظامين، فإن الثانوية الأزهرية حملت ظاهرة أخرى لا تقل أهمية، وهى التفوق النسائي.
فقد حصدت الطالبات المراكز العشرة الأولى بالكامل فى القسم الأدبى، فى سابقة تعكس حجم الحضور النسائى فى قمة المنافسة، بينما بلغ عدد الطالبات فى قائمة أوائل القسمين العلمى والأدبى 18 طالبة مقابل 8 طلاب.
وفى القسم العلمى أيضًا، جاءت طالبتان فى المركزين الأول والثانى، بينما شهدت بقية المراكز منافسة قوية بين الطلاب والطالبات، وهو ما يعكس تفوقًا نسائيًا واضحًا، دون غياب المنافسة من جانب الطلاب.
ويرى تربويون أن هذا التفوق قد يرتبط بارتفاع معدلات الالتزام الدراسى لدى كثير من الطالبات، والقدرة على تنظيم الوقت، والالتزام بخطط المذاكرة، إلى جانب الدعم الأسرى.
«التفوق ليس صدفة».. شهادات الأوائل
وتجمع قصص أوائل الثانوية العامة والثانوية الأزهرية على أن النجاح لا يتحقق بالمصادفة، وإنما هو حصيلة سنوات من الاجتهاد والانضباط.
وقالت حبيبة رضا جعبوبة، الأولى على القسم العلمى بالأزهر، إن سر تفوقها كان تنظيم الوقت، والحرص على فهم الدروس أولًا بأول، وعدم تأجيل أى جزء من المنهج، مؤكدة أن حلمها هو الالتحاق بكلية الطب، وموجهة الشكر إلى أسرتها والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب.
أما سما هانى المسلمانى، الأولى على القسم الأدبى، فأكدت أن حفظ القرآن الكريم، والاجتهاد المستمر، ودعم الأسرة، كانت أهم أسباب تفوقها، ووصفت اتصال شيخ الأزهر بها لتهنئتها بأنه من أسعد لحظات حياتها.
وفى نموذج ملهم، قالت مروة محمود عبدالعزيز، الأولى على الجمهورية فى فئة الدمج، إن رحلتها مع المرض لم تمنعها من تحقيق حلمها، مؤكدة أن الإيمان بالله والإصرار كانا سر النجاح، وأنها تتمنى دراسة علوم القرآن الكريم لتصبح معلمة لكتاب الله.
كما أكد عدد من أوائل الثانوية العامة أن النجاح جاء نتيجة الالتزام بخطة مذاكرة منتظمة، والبعد عن المشتتات، والثقة فى النفس، وعدم الاعتماد على الحفظ وحده.
العدالة فى الامتحانات.. رسالة الأزهر
ومن جانبه، أكد الشيخ أيمن عبدالغنى، القائم بأعمال وكيل الأزهر، أن نتيجة الثانوية الأزهرية ليست مجرد أرقام أو نسب نجاح، وإنما هى حصيلة عام كامل من الجد والاجتهاد، وثمرة جهود الطالب والمعلم وولى الأمر وجميع العاملين فى منظومة الامتحانات.
وقال إن الأزهر أدرك منذ تأسيسه أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن الحفاظ على هوية الأمة يكون بالفكر المستنير والعقل الواعي.
وشدد على أن العدالة فى الامتحانات ليست إجراءً إداريًا فحسب، وإنما واجب شرعى وأمانة أخلاقية ومسؤولية وطنية، مؤكدًا أن الأزهر حرص على توفير بيئة امتحانية يحصل فيها كل طالب على حقه دون مجاملة أو محاباة.
كما أعلن أن الطعون هذا العام ستشهد لأول مرة مراجعة الدرجات، والأجزاء غير المصححة، وأعمال التجميع، بما يعزز ضمانات حصول الطلاب على حقوقهم كاملة.
ووجه رسالة إلى الطلاب، مؤكدًا أن الشهادة ليست نهاية الطريق، وأن الأزهر ينتظر من أبنائه أن يكونوا أصحاب رسالة، وحملة قيم، وسفراء للعلم والأخلاق، داعيًا من لم يحالفهم التوفيق إلى عدم اليأس وتجديد العزم، وموجهًا الشكر إلى أولياء الأمور بوصفهم شركاء أساسيين فى كل نجاح.
رسالة تكشفها خريطة الأوائل
تكشف نتائج الثانوية العامة والثانوية الأزهرية هذا العام أن التفوق لم يعد حكرًا على العاصمة، وأن المحافظات والقرى أصبحت قادرة على صناعة أوائل الجمهورية، فى ظل تطور وسائل التعلم، وارتفاع وعى الأسر بأهمية التعليم.
كما تؤكد النتائج أن النجاح لا يرتبط بنوع المدرسة أو الموقع الجغرافى، بقدر ارتباطه بالاجتهاد، وتنظيم الوقت، والدعم الأسرى، ووجود بيئة تعليمية تساعد الطالب على تحقيق طموحه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



